عندما يصبح انتقاد دولة أجنبية جريمة.. حملة “اجتثاث” الجامعات ستتنهي مثل غزو العراق

ابراهيم درويش
حجم الخط
3

لندن- “القدس العربي”: علّق الكاتب في واشنطن بوست شادي حميد بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب أسست سابقة خطيرة بتجريم منتقدي دولة أجنبية. وأشار إلى أن ما يميز ترامب ليس امتلاكه لأيديولوجيا محددة — إذ لم تكن له يوماً — بل تباهيه بتقلب مواقفه وفقاً لمزاجه ومصالحه. وهذا ليس بالأمر المستغرب؛ فقد كان في السابق منتمياً إلى الحزب الديمقراطي. وخلال حملته الانتخابية لعام 2024، تبنّى موقفاً أكثر ليونة تجاه الإجهاض، ووجّه انتقادات لزملائه الجمهوريين بسبب مواقفهم المتشددة. ورغم خطابه التصعيدي الطويل تجاه إيران، يسعى اليوم إلى مفاوضات مباشرة مع قادة النظام الإيراني بشأن اتفاق نووي جديد.

ومع أن مواقفه تتغير باستمرار، فإن ثباته يكمن في هوس أيديولوجي واحد: ملف الهجرة، وتحديداً ترحيل المهاجرين دون مراعاة الأصول القانونية، إلى جانب سياساته التجارية القائمة على فرض الرسوم الجمركية. وهما — برأي حميد — من أسوأ القضايا التي يمكن اتخاذ مواقف أيديولوجية حادة بشأنها، لما يتركانه من أضرار جسيمة على الاقتصاد الأمريكي وسمعة الولايات المتحدة الدولية.

ومع ذلك، أبدى ترامب استعدادا للتراجع تحت الضغط في ما يخص الرسوم الجمركية – التي وصفها ذات مرة بأنها “أجمل كلمة” في اللغة الإنكليزية – إذ أعلن عن تعليقها لمدة 90 يومًا. أما في ملف الهجرة، فقد ضاعف جهوده، مهددًا النظام الدستوري الأمريكي من خلال هجمات متواصلة على الإجراءات القانونية الواجبة وحرية التعبير.

يشير حميد، في مقال آخر له في واشنطن بوست، إلى أن اعتقال الناشط وخريج جامعة كولومبيا، المقيم بشكل قانوني في الولايات المتحدة، محمود خليل، يشكّل نقطة تحول مفصلية. وبرأيه، فإن هذا الحدث يؤكد أن ولاية ترامب الثانية قد تكون أسوأ بكثير مما كان يتوقعه كثيرون، إذ لم تكن محاولة ترحيل خليل حالة معزولة، بل بدت كمناورة لاختبار قدرة الإدارة على المضي في تجريم حتى أبسط أشكال النقد الموجه لدولة أجنبية.

لم تكن محاولة ترحيل محمود خليل حالة معزولة، بل بدت كمناورة لاختبار قدرة الإدارة على المضي في تجريم حتى أبسط أشكال النقد الموجه لدولة أجنبية

خذ على سبيل المثال قضية روميساء أوزتيرك، الطالبة التركية في جامعة تافتس، التي اقتادها عناصر ملثمون خارج منزلها بزعم دعمها لحركة “حماس”. الدليل الوحيد الذي استندت إليه السلطات كان مقال رأي شاركت في كتابته في صحيفة “تافتس ديلي” الطلابية، انتقدت فيه حرب إسرائيل على غزة – ما يشير إلى أن إدارة ترامب باتت تعتبر أي انتقاد لإسرائيل بمثابة دعم للإرهاب.

يرى شادي حميد أن مقطع الفيديو الذي يُظهر اختطاف أوزتيرك مرعب، ويجب على الجميع مشاهدته للشعور بالقسوة التي باتت هذه الإدارة تعتبرها ميزة لا خطأ. وقد عبّر الكاتب صموئيل كيمبرييل عن الصدمة الجماعية حين كتب: “كيف يُفترض بي أن أتفاعل مع مقطع فيديو لطالبة من جامعة تافتس تُسحب من الشارع؟ شاهدته خمس عشرة مرة، وما زلت بلا إجابة”.

وفي أحدث هجوم على حرية التعبير، اعتقلت سلطات الهجرة والجمارك محسن مهداوي، الحاصل على الإقامة الدائمة منذ عشر سنوات، خلال مقابلة لتقديم طلب الجنسية الأمريكية يوم الإثنين. ما كان يُفترض أن يكون لحظة احتفال، تحوّل إلى كابوس قانوني.

ومثل خليل قبله، فإن مهداوي طالب في جامعة كولومبيا وناشط في الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين داخل الحرم الجامعي. ومن اللافت أن كليهما كان يُعرف بموقفه المعتدل. ففي مقابلة مع برنامج “60 دقيقة”، قال مهداوي: “النضال من أجل حرية فلسطين والنضال ضد معاداة السامية يسيران جنبا إلى جنب، لأن الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان”.

في أحد الاحتجاجات، بعد نحو شهر من هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تدخّل محسن مهداوي عندما صاح أحدهم “الموت لليهود”، فأخذ مكبر الصوت وأدان الخطاب المعادي للسامية بوضوح لا لبس فيه. وعلى مدى أشهر، قاد جهودا هادئة خلف الكواليس، وعقد اجتماعات مع طلاب يهود وإسرائيليين في جامعة كولومبيا، سعيا لتهدئة التوترات.

ما يجمع بين مهداوي، وخليل، وأوزتيرك هو أنهم مارسوا حقهم في حرية التعبير والتجمع – تلك الحقوق التي يكفلها الدستور الأمريكي، والتي تُعد من ركائز ما يجعل أمريكا “عظيمة”. فالتظاهر وانتقاد الحكومة ليسا فقط مشروعين، بل تقليدا أمريكيا راسخا. ورغم ذلك، لم تُوجَّه إلى أي من الثلاثة تهم بارتكاب جرائم فعلية – حتى من قبل إدارة ترامب نفسها.

يروي شادي حميد كيف سأله طالب أجنبي، خلال ندوة عامة، عمّا إذا كان من الآمن أن يسافر لحضور مؤتمر عمل. وكان جواب المحامين بالإجماع: لا تفعل. لا تغادر البلاد، فقد لا يُسمح لك بالعودة. فسلطات الهجرة تملك الصلاحية لمصادرة حاسوبك أو هاتفك المحمول، وتفتيش ما كتبته أو قلته حتى في المحادثات الخاصة.

اليوم، يضطر حاملو التأشيرات في أنحاء البلاد – خصوصا من المسلمين الذين عبّروا عن تعاطفهم مع القضية الفلسطينية – إلى التساؤل: هل يمكنني مغادرة البلاد لزيارة والدتي المريضة أو توديع والدي المحتضر؟ في هذا المناخ، لم يعد الالتزام بالقانون كافيا. إن لم تكن مواطنا، فحقوقك مشروطة. يمكن للحكومة تجاهل الإجراءات القانونية واعتقالك لمجرد أن آراءك لا تروق لها.

هذا التعسف – وهذه القدرة على الفعل دون مساءلة – هما جوهر أسلوب حكم ترامب، وصفات لطالما ربطها علماء السياسة بالأنظمة الاستبدادية. في هذا السياق، بات كلّ غير مواطن يفكر مرتين قبل أن يكتب مقالا في صحيفته الجامعية أو يشارك في مظاهرة. ربما من الأفضل التزام الصمت. الرقابة الذاتية أصبحت وسيلة للبقاء.

ترامب، الذي يفكر الآن حتى في ترحيل مواطنين أمريكيين إلى السلفادور، يشبه ملكا منتخبا يختبر حدود سلطاته، وكلما فعل ذلك، يكتشف أنه لا حدود لها

يقول حميد: “الخوف من قول ما تعتقد أنه صحيح هو السمة المميزة للأنظمة الديكتاتورية التي نشأت فيها أسرتي. أن نرى ذلك يحدث هنا، في البلد الذي أحبه، هو أمر مفجع.” لكنه لا يتوقف عند ذلك؛ بل يرى فيما يحدث نذيرا لما هو أسوأ. فترامب – الذي يفكر الآن حتى في ترحيل مواطنين أمريكيين إلى السلفادور – يشبه “ملكًا منتخبًا يختبر حدود سلطاته، وكلما فعل ذلك، يكتشف أنه لا حدود لها”.

في مقال نشرته واشنطن بوست، يحذّر موسى الغربي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة ستوني بروك ومؤلف كتاب “لم نكن متيقظين أبدا: ثقافة التناقض بين النخبة الجديدة”. يرى أن إدارة ترامب أعلنت حربا على الجامعات الأمريكية، ويؤكد أنها لن تخرج منها منتصرة، بل ستغرق في مستنقع صنعته بنفسها.

يشير الغربي إلى تبني الإدارة استراتيجية شبيهة بسياسة “اجتثاث البعث” في العراق – التطهير الشامل للمؤسسات من كل من له صلة بالنظام السابق. وهي السياسة التي ساهمت في انهيار الدولة العراقية، وولادة التمرد المسلح. ويرى أن إدارة ترامب تُعيد ارتكاب الخطأ ذاته، لكن هذه المرة ضد جامعات النخبة.

ففي حين خضعت جامعة كولومبيا بسرعة، ومنحت الإدارة كل ما طلبته دون مقاومة تُذكر، اختارت جامعة هارفارد المواجهة. رد البيت الأبيض كان بتجميد تمويل فدرالي إضافي بقيمة 2.2 مليار دولار، إلى جانب فرض قائمة مطالب موسعة تُهدد استقلالية الجامعة الأكاديمية والإدارية.

محاولات الاجتثاث الجذرية، حين تكون مدفوعة بالانتقام لا بالعدالة، تزرع بذور الهزيمة الذاتية

النتيجة؟ لم تترك الحكومة لهارفارد سوى خيار واحد: التحدي. والآن بعد أن تبنّت المقاومة، قد تحذو مؤسسات أخرى حذوها. فهارفارد – الأقدم من الولايات المتحدة نفسها – لا تنوي الذهاب إلى أي مكان. تملك الوقت والموارد الكافية لتخوض معركتها ضد هذه الإدارة، وربما حتى تتجاوزها تماما.

الخلاصة أن محاولة “إصلاح” التعليم العالي التي أطلقتها إدارة ترامب باتت محكومة بالفشل، ليس فقط بسبب صلابتها، بل بسبب تعسفها. ومثلما حصل في العراق، فإن محاولات الاجتثاث الجذرية، حين تكون مدفوعة بالانتقام لا بالعدالة، تزرع بذور الهزيمة الذاتية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية