ينفرد المشهد العراقي بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في صورة التعاطي مع الأحداث الرئيسة على الساحة السياسية، وتتابعها واختلاف صورة الخطاب السياسي، فبعد التاسع من نيسان/ابريل يوم احتلال بغداد وإعلان بوش انتهاء العمليات العسكرية، ظهرت الساحة السياسية مرتبكة تبحث عن منقذ يرتب الصورة الجديدة وملامح النظام الجديد الذي ينتظره المراقبون بعد انفصام عقد النظام القديم الذي انفرط عقد جيشه وقوى أمنه وانسحابهم إلى خطوط خلفية، وبروز ملامح مقاومة في الفلوجة على شكل تصد للقوات الأمريكية بوسائل بسيطة، رغم ان البعض كان يعيش تحت آثار الصدمة.
ومن هنا بدأت صورة الوضع الجديد تتبلور عن بروز رأيين، الرأي الأول يدعم هذه المقاومة ويشجعها على أنها حق طبيعي ودفاع شرعي عن كرامة ومبدأ رجولي لا بد أن يستنهض لتحقيق طموح ذاتي وطموح جمعي في تحرير العراق، تأسيسا على تعاليم سماوية وتشريعات وضعية – الأمم المتحدة وحق الدفاع الشرعي المكفول لدى كل الديانات السماوية والقوانين الوضعية وحتى الأعراف. ورؤية ثانية تنادي بالتريث رأي بعض رجال الدين، لحين انجلاء أهداف الموقف الأمريكي ووعوده المعسولة في (ديمقراطية نموذجية) تتلخص في جعل النفط في خدمة الإنسان ورغباته. وهنا بدأ صراع جديد بين مؤيد ومحذر، ولكن كلا الطرفين صعـّد من لهجته، المقاومة صعدت من العمليات ضد المحتلين والطرف المعارض لها هو الآخر صعد من لهجته، ولكن معركة الفلوجة كانت انعطافة كبيرة في توضيح المواقف وما أحدثته المعركة من نتائج أعادت الثقة للأمة بإمكانية الانتصار على القوة الأمريكية. وجانب آخر أخذ يثقف لتأجيل النهوض بوجه الاحتلال استمر ذلك لعام 2004 تاريخ تشكيل مجلس الحكم، وهنا سال لعاب البعض لمنصب شهري يتناوب عليه أعضاؤه، وبات العراق بين كماشة الرغبة لبعض السياسيين في أن يثبت دوره على الساحة، والخوف على حياته من معارضي هذا التوجه وبين هؤلاء وهؤلاء برز طرف ثالث يراقب من طرف خفي ومن على مرتفع ينتظر رجحان كفة ميزان احدهما ليزج بثقله معه معتمدا على تصريحات نارية ولعب بألفاظ ظاهرها وطني وغمز من طرف خفي ـ كما هو الحال في العلاقات بين بعض الدول العربية وإسرائيل – وطموحات مؤجلة معتمدين على عواطف جياشة يحملها المواطن للخروج من الأزمة التي أوصلت البلاد إلى مراكز متقدمة دوليا في مجالات الفساد والكساد، متكئين على عواطف وخزين رفض جامح لطموحات دولة من دول الجوار تريد الانقضاض على تاريخ وحضارة ودين ولغة، ولما كان بعضهم يعمل بعواطفه يسمع ويصدق أخذ الناس يعدون العدة لتقديم هؤلاء الممثلين البارعين لتولي مناصب حكومية. وبالفعل صعدت وجوه جديدة إلى المقاعد المتقدمة في انتخابات 2010 وبقي الأمل يدغدغ مشاعر البسطاء الذين ملئت السجون بمئات منهم كونهم اختاروا من يمثلهم متحَدّين عمليات القتل والاعتقال، كما هو الحال في قرية (البوصيفي في الدورة) حيث اعتقل أكثر من 30 شخصاً على خلفية زيارة النائبة عن القائمة العراقية وحدة الجميلي للقرية ابان الحملة الانتخابية، الأمر الذي بدَّد آمال هؤلاء المخدوعين الذين ما زالوا ينتظرون إطلالة منهم تخفف عنهم معاناة حلم بخرته أضواء القصور (والصكوك المفتوحة). وكان يوم 25 شباط/فبراير يوما ثقيلا على هؤلاء المنتفعين وسحب البساط من تحت أقدامهم فقد سئل احد الذين انخدعنا بهم وكتبنا عنهم مقالات نمتدح فيهم حبهم للوطن والخطاب غير الطائفي، ولكنه حين سئل عن مشروعية التظاهرات قال لا مشروعية للتظاهرات، متناسيا انَّ الشعب الذي رفعه نادم على خطأ في التقدير ارتكبه فأوله الكرسي – الأمنية الأخيرة – هو نفس الشعب الذي سينزله منه مُرغما وليس هذا فحسب بل سيلعنه التاريخ على انه وجه من وجوه الفساد.
عبيد حسين سعيد [email protected]