الازمة الليبية الراهنة تختلف عن سابقتيها التونسية والمصرية إذ ليس هناك جيش قوي يحسم الأمر وكتائب النظام من القوة بحيث اصبحت هي النظام، ظروف ليبيا مختلفة وقلة السكان مقارنة بمساحة المكان وغياب الهياكل الفاعلة في الدولة يجعل من الأزمة مستعصية وقد تأخذ اشكالا متغايرة من حين إلى آخر. سيطرة الضرورة الأخلاقية لإسقاط النظامين التونسي والمصري السابقين على الضرورات الاخرى السياسية أو الاقتصادية، على الرغم من تنازلاتهما المتلاحقة، إلا أن رحيلهما كان ضرورة أخلاقية يطلبها الشعب.
ام المطالبة برحيل القذافي فضرورة أخلاقية لعلها اشد حدة من ضرورة رحيل بن علي ومبارك الاخلاقية لما سببه ويسببه من دمار وقتل وتنكيل لشعبه، ولكن الظروف مختلفة هنا وقضية الحسم تبدو صعبة ومكلفة جدا وقد تتطلب التدخل الخارجي والذي يرفضه الجميع. وربما الحالة الليبية تبدو حالة وسطية بين الجمهوريات العربية التي تحكم باسم الجيش أو يحكمها الجيش باسم النظام وبين الدول والممالك العربية الوراثية حيث النظام القرابي له شرايين أخرى ممتدة في مقابل مجتمع ضعيف وجيش لا يمكن الاعتماد عليه لأكثريته الخارجية كمرتزقة القذافي الذي يحارب بهم شعبه. هنا قد تبدو الضرورة السياسية مقدمة بعض الشيء على الضرورة الأخلاقية في اعتقادي، بمعنى الضغط على الجانب السياسي بشكل يجعل من النظام يرفع يديه شيئا فشيئا عن الشعب في مقابل احتفاظه بوجوده التاريخي الدستوري.
تجارب الشعوب الأُخرى تثبت أن الضرورة السياسية تعتبر حلا فعلا جدا في مجتمعات قد لا تسمح ظروفها بامكانية الحسم لسبب أو لآخر بعد موت فرانكو في أسبانيا سمح لحزبه بالبقاء وممارسة نشاطه وسمح للملكية بالبقاء مع تحوله الى دستورية والمعروف ان جميع الأحزاب خاضت حروبا ضد الملكية قبل ذلك، وفي أوروبا الشرقية سمح لجميع الاحزاب الشيوعية بممارسة نشاطها السياسي. اليوم الوضع العربي يحتمل فقط الحكمة والعبرة من تجارب الآخرين، فإذا كانت الثورتان التونسية والمصرية قد جعلتا من الضرورة الأخلاقية مقدمة ولازمة، فقد نجد الحالات القادمة في ليبيا والبحرين واليمن وغيرها تحتمل تقديم الضرورة السياسية على غيرها من الضرورات، على الأنظمة الوعي بذلك كما على الشارع العربي الدفع باتجاه الضرورة السياسية في حالات الدولة – النظام كما هو معايش في دول الخليج ودول أُخرى مشابهة تعاني من ضعف الشعب وغياب المؤسسات الحاسمة كالجيش الوطني في حين تسرطن النظام وانتشر في جميع الاوصال.
سننتظر لنرى تطور الأمور في ليبيا ومن حسن حظ الشعب الليبي أن نظام القذافي كان من البشاعة بحيث تكفل المجتمع الدولي به اخلاقيا فالضرورة الأخلاقية لمحاكمته ونزعه لم تعد قصرا على الشعب الليبي وهي مرحلة سوداء متقدمة في تاريخ الانظمة. فالضرورة السياسية تقتضي التعامل مع إرث المجتمع بشكل لا يجعله عائقا أمام التحولات المستقبليه والتي تطلبها الأجيال المتلاحقة. فكرة التاريخ الرمزي الحي الذي يؤسس ولا يُمارس أكثر من مرحلته ‘مانديلا’ نموذجا للاعتبار مثل هذه الفكرة لاتزال غير مقبولة لدينا كأنظمة وهي في الأساس ميكانيزم أو آلية تطور الشعوب وتقدمها. الضرورات الاخلاقية قد تكون مستبعدة أو مؤجلة أو لم يحن وقتها بعد، أما الضروره السياسية في التقدم والمصالحة بين التاريخ وما يريده الشعب ويتطلبه العصر فها هو وقتها وأوانها قد حان إذا لم يكن قد تأخر كثيرا. عبدالعزيز الخاطر[email protected]