عندما يموت فارق الوقت والطبيعة بين مشرق الشمس وغروبها

حجم الخط
0

مطاع صفدي ليست المرحلة الراهنة من تطورات الثورة السورية بالغة التعقيد والخطورة معاً إلا بسببٍ من مناورات السياسة الدولية، وطغيان ما هو خارج سورية وثورتها على ما هو داخلي وعضوي من جسدها الذاتي. حتى يمكن أن يُقال أن كلا من النظام والثورة أمسيا أشبه بمندوبين عن سواهما في علاقتهما الصراعية ما بينهما. لقد فقدت سلطة الأسد آخر مقومات ما كانت تفخر به وهو استقلالها، أصبحت مرتهنة كلياً، دولياً لروسيا وإقليمياً لإيران. وأما الثورة التي هي في أصلها حركة شعبية، عفوية وتلقائية، وقعت سريعاً في شراك ما دعوناه سابقاً أحلاف الضرورة، ورديفها أحلاف المصلحة. فقد يتم فَهْمُ وتسويغ الضرورة على أنها تعبير حيوي عن حاجات القوة والدفاع والاستمرارية التي يعانيها العمل الثوري في مواجهة خصم كبير هو دولة كاملة. وأما المصلحة، فهي نتاج اجتهادات القيادات التي تحدد مواقف أتباعها بناء على العلاقات شبه الفردية والشخصية لهذه القيادات مع بعضها من جهة، ومع الفاعلين القادرين في محيطها.يبقى العمل الموصوف بالثوري الخالص، فقد أضعفته كلُّ هذه المفاعيل الطرفية والخارجية، ربما جعلته يأتي في المرتبة الأخيرة من هموم قادته الخارجيين خاصة. حتى كاد النشاط العسكري للثورة يدخل في خانة الممارسة الروتينية، يصير نوعاً من بضاعةِ سوق الحرب، تنتجها هذه السوق بفضل نوع من البروليتاريا المؤلفة من الكادحين الذين يبذلون حياتهم من أجل المزيد من رأسمال الثورة، المحتكرة أثمانُها في أيدي زعمائها وحدهم، هؤلاء القوالون بألسنتهم، والمدّعون لأسمائها، والمخططون لأفعالها، أو هكذا يعتقدون على الأقل. هؤلاء الذين يمثلون أنفسهم أولاً، وقبل أية مرجعيات أو مشروعيات نظامية متعارف عليها، سوى ما يضفون هم أنفسهم على أدوارهم ومواقفهم من خصائص التمثيل، وأوصاف الحراك السياسي والأجتماعي. إنهم صنف من الناس الذين لا يعرفون بعضهم قبل أن تجمعهم صدفة ـ العمل الثوري، من فوق فعلائه الحقيقيين في ميادين الدم والإقتتالات شبه العقيمة.. لولا أن شباب الميادين المفتوحة ما زالوا يحلمون بالنصر المبين؛ وقد يكون هؤلاء على حق فيما يعتقدون ويمارسون، وإلا لماذا كانت الثورة إن لم يكن ثمة أثمان إيجابية يجنيها صانعو التاريخ في رفقة تلك الأرواح المسفوحة دماؤها في دروب الشعوب نحو الشمس الموعودة.في حمأة هذه التراجيديا الكونية، يظل لكل ثورة قصة أخرى مع ذاتها، وليس ضد أعدائها فقط. ولعلّ الربيع العربي الحالي راح يكشف قليلاً عن المستور من قصص ثوراته مع ذواتها. وهنا يمكن لبعض الرأي العام النزيه والمراقب أن يعثر دائماً على صولات وجولات لثنائية الثورة مع المؤامرة. فإذا كانت الثورة مكشوفة الوجه واليد واللسان، إلا أن غريمتها هذه المؤامرة، بإرادتها أو قسراً عنها، تنشر حولها عناكب الألغاز والمآزق والحلول الملتبسة. فالثورات الخمس، الفاعلة منذ عامين في الجغرافية العربية تتابع صراعها الصامت ـ بل الصارخ ـ مع نقيضتها وتوأمها التي هي المؤامرة المجهولة بقدر ما هي المعلومة، هذا الصراع (الآخر) ليس منتج إنجازات واضحة المعالم، بقدر ما يشكل بؤراً موبوءة عادة بالنوع الأخبث من أعطال الولادة والتكوين في جذور الظاهرات العمومية الموصوفة بالحاسمة، أو تلك التي تتوقف على مفاعيلها مصائُر كليات إنسانية آخذة على عاتقها قيادةَ مجتمعات وأمم.. وحضارات.وقد تكون الثورة الشعبية هي الأهم اليوم في مجرى التاريخ العربي المعاصر، ليس من حيث كونها الحدث الأبرز في واقع السياسة العربية الراهنة، لكن الثورة هي الكاشفة عن بنية هذا الواقع باعتباره متضمناً لمختلف أسباب الغضب والتمرد الجماعي، كما لأسباب القوى المضادة للأولى، مثلاً: لم يكن الاضطهاد السلطاني وحده قامعاً للاجتماع العربي، بل ربما مثَّل ذروة هذا القمع الساكن في عميق الكتل البشرية. ذلك أن جذور القمع وليس ظواهره فحسب، هي المستقرة في قاعدة الهرم الاجتماعي نفسه، كما قال أحد أباطرة الرومان مخاطباً جمهوراً غاضباً ضده: لو لم تكونوا عبيداً لما كنت أنا سيداً عليكم.كأنما عبودية الكتل هي السابقة، والجالبة لسيادة الأباطرة، هذا التأويل المصطنع ليس حقيقة علمية، بقدر ما هو تسويغ سياسوي ينفع في تبرير الطغيان ناقلاً مسؤوليته الأخلاقية والقانونية عن عاتق الظالمين، محملاً إياها للمجاميع البشرية المتقبلة لأحوالها، والمستكينة على الظلم والاضطهاد، حتى كأنها شريكة لهما، فتأتي الثورة لتنقض هذه العلاقة المفتعلة من أساسها. ومع ذلك ينبغي التسليم بالحقيقة القائلة أن للطغيان بيئته المجتمعية والنفسية والمادية المنتجة لأسبابه والمغذية لظواهره. فلماذا لم تعد الديكتاتورية واردة في التطور السياسي الأوربي مثلاً، في حين لا تكاد تولد أنظمةٌ حرة في الشرق الإسلامي حتى يبتلعها ديجور الانحطاط.إذا أردنا أن نسأل عمّا يكون هذا الانحطاط حتى يتصف بهذه القوة الهائلة الغامضة التي تفرّخ مجمل الأسواء والأعطال العامة والفردية، وليس لها من تشخيص يحصر وجودها كيما يمكن التعبئة العقلانية المنظمة ضدها. فقد يصبح الانحطاط أشبه بمرجعية للمرجعيات الغيبية كلها، تُعزى إليه الشرور في مختلف أصنافها، ويظل هو نفسه في منأى عن كل استهداف يتهدّده بأساليب البحث العلمي، ممهداً بذلك لمرحلة المطاردة العقلانية لأصول ظواهره، وليس لمجرد قشْع أوبئتها عن ضحاياها.حينما يردّد شباب الانتفاضات العربية الجديدة أنهم يثورون من أجل الكرامة والحرية، فكأنهم يتصدون للانحطاط الوجودي الذي يسيطر على حياتهم اليومية، وقد حددوا فعلاء وحراس هذا الانحطاط، إنهم رموز الفئات الحاكمة الرابضة على صدور الجميع، ولكن مع استغراق الشبيبة الثائرة عبر الاشتباك الدموي المتمادي، قد يتم تعرّف البعض منهم على حقيقة مذهلة، وهي أنه ليس للانحطاط معسكر واحد، محاصر هو بين أسواره العالية، وأنه يمكن أن يتسرّب إلى مابين صفوفهم (الشبيبة)، بل ينبع من زوايا متعددة في معسكراتهم، وأن كل أحد منهم يصير معرضاً لأن يتحول إلى وسيلة من وسائله، من دون دراية، أو بالأقل منها.. وأحياناً بالأكثر منها، من فعل الإرادة والعزيمة.تاريخ النهضة العربية المعاصرة، حافل بأفعال إجهاض الثورات الشعبية، أكثر مما هو غني أو مستفيد من إنجازاتها. وما أن يبلغ هذا التاريخ (الثوري) الملتبس قمّتَه الحالية فيما يُطلق تحت عنوان أو شعار الربيع العربي، فإن الإجهاض القديم صار متحفزاً بكل أدواته الأجنبية والأهلية، لتحقيق ضربته القاضية الأخيرة. بمعنى أن قتل الربيع الحالي لم يعد قانعاً بتبديده كفصل من فصول الطبيعة التاريخية، ولكنه يريد أن ينتزع هذه الطبيعة نفسها إلى الأبد من إيقاع المواسم النهضوية للحضارة العربية الإسلامية، كلياً.في حساب (المؤامرة) أن هذا الشرق لم يمر، عبر حداثته الجديدة، بأفضل من مرحلة هذا الربيع الملتبس. فقد يمكن قلبه إلى مجرد فرصة تاريخية لإطلاق عنان فوضى جذرية وشاملة لا يمكن لأية إرادة إنسانية نهضوية عاقلة أن تمسك بتلابيبها، بحيث يمكن لأي تغيير نهضوي أن يرتدّ إلى ما يشبه سلاحاً انتحارياً لمشروعه عينه، ما أن يرجع الانحطاط إلى صيغته التقليدية أن يحطم الحدود الفاصلة بين أصحابه، من غرباء وأجانب وأقرباء محليين وأهليين، وبين أعداء هؤلاء من شباب الثوار وأشباههم، أن تنجز الفوضى العارمة أظلم مؤامرة في إضاعة هذه الحدود، في جعل الانحطاط المحرر من عقاله، يغدو هو القاسم المشترك وحده مابين المعسكريْن؛ الطغاة والثوار.يموت فارق الوقت والطبيعة بين مشرق الشمس وغروبها..من يعيش هذه الحكمة التي لا تعود تفصل بين صباح الشمس ومسائها، هو المجموع الأكبر من شعوب الأمة العربية، هذا الكم الأعظم من المواطنين لا يكاد يكون له ضلع في الأحداث السياسية العظمى التي تقض مضاجع اللامبالين منهم رغماً عنهم. إنه الخوف من التغيير، وإن كان محملاً بأزهى الأهداف الإصلاحية أو الثورية، وقد يصبح هذا الخوف مبرراً بقدر ما يتعثر التغيير بفعل اصطدامه المحتوم بعقبات الواقع القائم، ومن المحزن حقاً أن الثورات الربيعية الخمس، قد أنتجت ـ بل فاقت ـ حتى اليوم من العقبات الكأداء في وجهها أكثر بكثير مما سُمح لها بانتصارات جزئية على بعضها.كانت المشكلة الأدهى في مسيرة الكفاح الربيعي، ليس افتقاره إلى القيادات الواعية أو المجربة فحسب، وليس عجزه عن تنظيم جماهيرها أو توحيد قواها، أو تنسيق فعال بين فصائلها، كل هذا كان مؤثراً إلى حد بعيد في مجمل الحراك الميداني والسياسي والإجتماعي، لكن الأنكى من ذلك هو الضعف الإنساني الذي قد يكون السبب الأعمق والأبقى لكل علة فردية أو جماعية أخرى. وهو الضعف في فهم الوقائع وليس في إنتاجها أو قيادتها فقط.فإذا كانت هناك للأحزاب والجيوش برامج تدريبية لعناصرها، سابقة على زجها في حمأة الممارسات، فليس للثورة علمُ تدريبٍ، ولا مناهج تعليمية معدة لتلقين وتوجيه أفرادها، وخاصة منهم الطلائع المتقدمة والفاتحة للساحات والميادين العملية والنظرية.لا يصح القول أن الثورة التي تتعسكر قد تكتفي بما لدى أفرادها المجندين سابقاً بما اكتسبوه من الممارسة والتدريب من جيوشهم. فالفارق بين النسقين العسكري والثوري سيولّد فارقاً أو فوارق كثيرة على الصعيد الإنساني أولاً ما بين المقاتلين والثوار. ليس العنصر من هذه الفئة هو نفسه من الفئة الأخرى. والثورة الـــســـورية تحديداً التي طال أمَدُها وتشعّبت مشاكلُها في كل جهة، أضحت كأنها مختبر لمثل هذه الأزمات في التكوينات البشرية (والحرفية) لفصائلها وأفرادها.هذا الوجه الداخلي والذاتي له مساهمته الفعالة في المسالك الخارجية لكل ثورة شعبية تعاني من المزج العفوي أو الإرادوي بين التكوينين المدني والعسكري. وقد يكون المأزق في أشد وضوحه وشدّته، عندما تحين مواقف الحسم في مصائر الثورة والبلاد معها. كما هو الحال اليوم فيما يتعلق بقرارات السلم والحرب التي تواجه قيادات متنافرة ليس في إعدادها المدني أو العسكري فقط، بل في قصص حياتها جملةً وتفصيلاً.’ مفكر عربي مقيم في باريسqraqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية