عند الامتحان يكرم المرء أو يهان
عند الامتحان يكرم المرء أو يهان حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية المتفق عليها في مكة ليست أكثر من بند واحد ورد في وثيقة الإجماع الوطني المكونة من ثمانية عشر بندا كلها لا تقل أهمية. ونرجو أن لا يتطلب أمر الاتفاق عليها بندا تلو الآخر إلي حروب داخلية كتلك التي حدثت. فلم يعد بوسع الشعب الفلسطيني الكثير من الصبر والقدرة علي احتمال المزيد من الجوع والبطالة والحصار والانسداد السياسي والفلتان الأمني.اذن هي مسيرة الألف ميل التي بدأت باتفاق مكة ومن المسؤولية بمكان أن يكون هذا الاتفاق بمثابة القاطرة الرأس التي تجر خلفها المصير الفلسطيني علي الطريق الوعر إلي بر الأمان. والخشية أن لا تقوي علي الإقلاع أو تنفجر بعد اقلاعها بقليل، مما يعني أن الشراكة بين فتح وحماس أمام اختبار حقيقي يحدد مدي جديتهما وقدرتهما علي التوافق واستيعاب العراقيل الداخلية والخارجية وأشكال التعامل معها.وإذا كانت العراقيل الأمريكية الإسرائيلية أبرز تلك العقبات وأكثرها تعقيدا وتأثيرا علي حركة القاطرة من الخارج، فان العراقيل الفلسطينية الداخلية أسوأها وأشدها خطورة علي القاطرة ومن فيها. أكيد أن العراقيل التي تضعها واشنطن وتل أبيب يمكن التغلب عليها لأن الهدف منها ليس استجابة الحكومة الفلسطينية إلي شروط الرباعية والاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقيات الموقعة معها، فهذه عناوين قد حفظها الفلسطينيون عن ظهر قلب، وأقرت بها السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير قبل تربع بوش وأولمرت علي سدة الحكم، وأبدت حماس نحوها مرونة دبلوماسية كافية، وليست هي المشكلة من الناحية السياسية والقانونية لو كانت هناك جدية. ولا تستحق أن تكون موضع جدال فلسطيني داخلي فقد أشبعت جدالا، لأن المطلوب أمريكيا وإسرائيليا ليس الحل الدائم والعادل بل العودة بالفلسطينيين إلي الحلقة المفرغة والاقتتال والضياع وفقدان زمام المبادرة، وبالتالي إنكار وجود الطرف الفلسطيني وتبرير جرائم إسرائيل في التوسع والاستيطان وتهويد القدس، ومن ثم إجهاض المشروع الوطني الفلسطيني القائم علي حق العودة وتقرير المصير وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة علي كامل الأراضي المحتلة الذي يجسد شكل الوحدة الوطنية الفلسطينية ومضمونها. وقد كانت نتائج زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية الأخيرة للمنطقة خير دليل علي ذلك، فقد أعربت عن استيائها من حكومة الوحدة الوطنية، ولم يقنعها الرئيس عباس بأنها شرط الهدوء وعدم إطلاق الصواريخ علي إسرائيل وإنهاء للاقتتال الداخلي، وبأنها لن تكون عقبة في طريق العودة إلي المفاوضات، وعبثا حاول، فقد جندت كوندا نفسها لاحقا للتحريض ضد الحكومة العتيدة وتقويضها، وتزعمت جبهة دولية لفرض شروط الرباعية والاعتراف بإسرائيل كشرط للتعامل معها، وهذا يذكرنا بالشروط التي فرضها جورج شولتز وزير الخارجية الأمريكية السابق علي الرئيس الراحل عرفات، نبذ العنف والإرهاب والاعتراف بالقرار 242 وبحق إسرائيل في الوجود كشرط للتحدث مع منظمة التحرير الفلسطينية ثم أدارت أمريكا ظهرها. من الخطأ بمكان التعويل علي موقف أمريكي متوازن أو انتظار غير ذلك في ضوء التجربة السابقة مع الرئيس الراحل وتحالفها الإستراتيجي مع إسرائيل. ولكن يمكن لرئيس الحكومة السيد هنية أن يوجه ضربة قاسية أخري لمحور واشنطن تل أبيب بعد ضربة اتفاق مكة، وذلك بالتأكيد علي دعم الحكومة الفلسطينية الغير مشروط للمبادرة العربية للسلام كما هي، ففي ذلك عزل لهذا.سلامة جمال رسالة علي البريد الالكتروني6