عنصرية في أبشع صورها

حجم الخط
0

وصف جون كيري لإسرائيل، بأنها ستكون دولة أبارتهايد في حالة فشل حل الدولتين (مفهومة هي الظروف التي دفعته للتراجع عن التصريح) يمثل جزءا بسيطا من الحقيقة، لأن الكيان الصهيوني بني على العنصرية وسنوات وجوده أثبتت بما لا يقبل مجالا للشك حقيقة عنصريته وتطورها، باعتبارها الظاهرة الأكثر بروزا في إسرائيل. آخر تقليعات العنصرية، عزم نتنياهو على قوننة ‘يهودية الدولة’ كقانون أساس في الكنيست باعتبار إسرائيل ‘الدولة القومية للشعب اليهودي’! من قبل كانت تعتبر إسرائيل في العرف الصهيوني دولة يهودية ديمقراطية. اليهودية تنفي الديمقراطية بالطبع، ولا يجوز جمع التعبيرين معا، لكن قرعوا رؤوسنا في الغرب بـ’ديمقراطية’ إسرائيل والتغني بها! بموجب القانون في ما لو تم إقراره، إمكانية إجراء ترانسفير لعرب منطقة 48 بشكل قانوني هذه المرة، كما أنه إلغاء لحقوق أهلنا هناك، وإلغاء لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وستكون إسرائيل دولة خالصة ‘للشعب’ اليهودي. نعم إسرائيل تجاوزت العنصرية لمرحلة بعدها.. نعم العنصرية تأخذ دروسا من إسرائيل.. نعم الأنظمة العنصرية كما الأخرى الديكتاتورية، تصل إلى مرحلة من الاشباع في عنصريتها بعد استنفاد كل ما تستطيعه من وسائل وقوانين عنصرية ضد فئات معينة فيها، إلى الحد الذي تبدأ فيه باختراع وسائل وقوانين جديدة حيث تكون هي السبّاقة فيها، على مستوى التاريخ، إذْ لم يسبقها أحد في كل مراحله إلى الإمساك بقوانين كهذه، حيث يجوز توصيف هذه الأنظمة والحالة هذه بأنها أصبحت في مرحلة جديدة ما بعد الظاهرة المعنية، ألا وهي العنصرية، أي بمعنى آخر في مرحلة ما بعد العنصرية، وهذا توصيف جديد للعنصرية الصهيونية.
إسرائيل خير تمثيل لهذه المرحلة، فقد تفوقت على كل الأنظمة الشبيهة في التاريخ في عنصريتها، لذا وعن جدارة تحتل المرتبة الأولى في مرحلة ما بعد العنصرية. في الكيان الصهيوني ووفقاً للمنظمة المعنية بحقوق (الأقلية العربية) عدالة، فإن هناك 20 قانوناً تمييزياً تتحدث بشـــكل واضح عن التمــــييز ضد الفلسطينيين العرب في المنطقة المحتلة عام 1948، تســـمى’قوانين أساس’ بدلاً من الدستور. 12 منها تنص بشكل مباشر على التمييز، أما الثمانية الأخرى فــــهي غير مباشرة في عنصريتها، لكن المقصود من بين سطورها، ممارسة العنصرية ضد أهلنا هناك. إســــرائيل ومنذ إنشائها عام 1948 وحتى عام 2010 سنّت 32 قانوناً تمييزياً. أما في الأعوام بين2011 – 2014 فقد قامت بتشريع 15 قانونا عنصريأ منها، منع فلسطينيي 48 من إحياء ذكرى النكبة، وحق وزير الداخلية الإسرائيلي في سحب الجنسية من العرب، وغيرها وغيرها.
ليس مصادفةً أن يطلب نتنياهو والقادة الإسرائيليون الآخرون من الفلسطينيين والعرب الاعتراف ‘بيهودية إسرائيل’، وذلك مثلما قلنا لأخذ المبررات الكاملة مستقبلاً للتخلص من فلسطينيي منطقة 48 بكافة الأشكال والطرق، المعروفة منها والمجهولة، والقيام خلال مرحلة الاعداد للترانسفير، بحصارهم قانونياً من خلال أدلجة العنصرية وقوننتها، لخلق وقائع حياتية تصعّب من معيشتهم، لدفعهم بالبحث عن حلول منها، الهجرة إلى الخارج.
التمييز في إسرائيل ضد العرب يطال حقوق المواطنة، الحقوق السياسية، التعليم، البناء والسكن، سلب الأراضي العربية ومصادرتها بكافة الوسائل والسبل، توزيع الموارد وميزانيات مجالس القرى والبلديات، الحقوق الدينية وغيرها الكثير. من الملاحظ أن القوانين العنصرية والممارسات التمييزية ضد العرب تتناسب بشكل طردي مع مضي السنوات على إنشاء الكيان الصهيوني، هذه هي الحقيقة الأولى. أما الحقيقة الثانية التي هي ليست بعيدة عن الأولى فهي التناسب الطردي بين العمر الزمني للكيان وسيطرة الاتجاهات الأكثر تطرفاً على الحكم فيه، بكل ما يعينه ذلك من تداعيات العدوانية، المجازر ضد الآخرين، الفوقية والاستعلاء، اعتماد الأسس والمبادئ التوراتية الصهيونية في التأسيس للعنصرية من خلال تشريع القوانين.
في عام 2013 ومن جملة القوانين التي أقرتها الكنيست ثلاثة قوانين في مجرى القوانين العنصرية. الأول اتخذ تسميته ‘قانون استقرار الحكم’ ويستهدف تقليص الحقوق السياسية (المقلصة أصلاً) للفلسطينيين في منطقة 48، والتخلص من الوزن الانتخابي لهم. أما القانون الثاني فهو يدعو إلى توسيع نطاق ‘قانون القذف والتشهير’ بحيث يمنع مهاجمة وانتقاد جيش الاحتلال الإسرائيلي والأجهزة الأمنية كافةً. القانون الثالث رفع نسبة الحسم في الكنيست الى 3.25′ والمقصود بالطبع من هذا القانون، القوائم العربية التي لا تحقق هذه النسبة. من الضروري القول ان إسرائيل استفادت وما تزال تستفيد من مشاركة فلسطينيي 48 في انتخابات الكنيست، فهي تسّوق نفسها دولياً بأنها ‘دولة ديمقراطية’! هذا مع العلم أن النواب العرب في الكنيست محاصرون ومقيدون ويجري إسقاط العضوية عن بعضهم في الكثير من الأحيان، وهم بعددهم القليل الذي يظل في حدود (10 نواب) لا يتركون أية تأثيرات لا في التشريع الإسرائيلي ولا في الحياة السياسية. ومع ذلك، الاتجاهات الأكثر تطرفاً في الأحزاب الإسرائيلية تدعو باستمرار إلى محاكماتهم وإلى طردهم من الكنيست، ورغم ذلك يحاولون قطع الطريق لوصولهم إلى الكنيست.
هذا غيض من فيض عنصرية إســـرائيل وجزء من حقيقتها، الكيان الذي تصنع منه الولايات المتحدة والدول الغربية عموماً واحة للديمقراطية في المنطقة العربية. يبقى القول ان الحكومة الحالية مهيأة ومرشحة لسن قوانين عنصرية جديدة في دولة الكيان الصهيوني، وأن الدولة الاسرائيلية تجاوزت العنصرية الى مرحلة ما بعدها والعنصرية في دولة الكيان هي في أشد حالاتها ظهورا.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية