قد نتساءل أحياناً، هل حان الوقت لنبش مفردات جديدة تتناغم وإنسانيتنا الضائعة، إن كانت بعض الكلمات ما عادت تحتمل صخب وحدة وبُعد معانيها؟ فكلمة الوجع، ما عادت قادرة على استيعاب وجعها. وكلمة تعذيب هزلت أمام دلالاتها الجديدة والظلم بهت في وصف أبعاد ظلمه. والخيانة خذلت كل مقاييسها وتخطتها حتى أصبحت عارية عن حقيقتها. إنه زمن مبالغ فيه. تضخم فيه التعذيب والحزن والوجع والضياع والخيانة والظلم، حتى كاد يصل مرحلة الانفجار. يبدو أن هناك شيئاً، لا تدركه إنسانيتنا، يتوارى ما بين الحياة والموت. ما بين النهاية وفعل النهاية. إنه زمن يشبه كرسي الاعتراف. كل ما يلقى عليه غزير: الدموع والخطايا والانكسار والفقدان. زمن لا أمل فيه باستعادة الحياة التي كنا نعرفها!
ففي كل مرة نكتب فيها عن فاجعة نعتقد أنها الأكبر على الإطلاق لتفاجئنا صاعقة تنسينا شراسة الماضي وما فيه ونشعر «بانبهار» أمام حرفية وموهبة بعض البشر في تطوير قدراتهم على إنماء الشرور.
ولطالما اعتقدنا أن كثرة المآسي قد تخدر أصحابها وتجعلهم أقل عرضة للتأثر والانجراف في مستنقع الأحزان. ولكن الأحزان ترقد في جرار القلوب طويلاً متخمرة، وحين تهتز الكؤوس تنهمر دموعها كشلال من الضوء. إننا لا نعتاد الحزن ولا نتآلف مع الأوجاع. ولكننا قد نوهم أنفسنا بذلك كي لا تنهار فينا الحياة.
الموهوبون والمختصون في فن الشرور وفروعه كثر. ولكن أبرزهم وأكثرهم «حرفية» وبطشاً سلطات الاحتلال الإسرائيلي. حكومة قتل الأطفال والنساء واغتصاب وطن.
العدو الإسرائيلي خبير في ابتكار القهر وانتهاك حقوق الفلسطينيين في أرضهم وبيوتهم وذكرياتهم. اعتقالات تعسفية واضطهاد في السجون وخارجها. ضرب وتعذيب نفسي وجسدي وتهديدات مستمرة وقتل مبرمج.
قصص لا حصر لها ولا عدد. يصعب تخيلها حتى على أصحاب القلوب المتحجرة. وقد كان آخرها ما نشرته قناة «العربي» نقلاً عن تحقيق مشترك أجرته صحيفة «هآرتس» ومنظمة «بتسليم»، تقرير إن دل على شيء فإنما يدل على أن هؤلاء لا علاقة لهم بالإنسان والإنسانية، لا من قريب ولا من بعيد. مخلوقات من نوع آخر.
رجالهم وحوش ونساؤهم يفتقدن المشاعر. هذا ما جسدته فعلاً مجندتان اسرائيليتان قامتا بإذلال خمس نساء فلسطينيات عند مداهمة أحد المنازل في مدينة الخليل. لقد أجبرن على خلع ملابسهن والتعري بشكل كامل أمام أطفالهن بهدف إعدامهن نفسياً. وقد طلبت المجندتان من النساء السير أمام الأطفال تحت التهديد بإفلات كلب الحراسة الشرس عليهن. عشن كل فصول الرعب والخوف والقهر والعذاب. مرت عليهن دقائق من الموت البطيء. هل هناك وحشية ولا إنسانية أسوأ من فعل كهذا؟ هل هناك موقف يمكن أن يوجع امرأة عربية محجبة ويهينها أكبر من هذا الموقف؟!
لا يمكن أن نقدر كيف شعرت تلك النساء في تلك اللحظات، ولا كمية الألم والعنف النفسي الذي لحق بالأطفال. ولكننا متأكدون من أن خيانة بعض الزعماء العرب وتطبيعهم مع إسرائيل قد يكون أبشع مما فعلته الجنديتان بالنساء والأطفال. فالاستقبالات وتدشين السفارات الإسرائيلية وافتتاحها على أراض عربية واللقاءات الحميمة المخفية والمكشوفة، كلها سيدونها التاريخ، ولكن بدماء الفلسطينيين وآلامهم.
المحبة ترفعنا «هللويا هللويا»
ومن فلسطين إلى مصر أم الدنيا، حيث ينبض قلب أم ثكلى بالحب والألم. إنها حكاية مؤثرة ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي وتناقلها رواد الـ«سوشيال ميديا» لما تحمله من محبة لا مثيل لها. إنها قصة «أم عمر»، التي حضرت حفل تخرج ابنها بعد سنة من وفاته. وقفت أمام المتخرجين والأساتذة والأهالي لتلقي كلمات أبكت كل من استمع إليها. كلمات معجونة بالدموع، ولكن قبل أن تبدأ حديثها. اقترب منها أحد الطلاب وألبسها روب التخرج وطبع قبلة على جبينها. بكت بحرقة وقالت : «فاكرين عمر أنا شايفة فرحتي في عيون كل أم تحتفل، والله ولما دخلت سميت عليكم كلكم، لأني شايفة فرحة عمر في عيونكم كلكم. وأشكركم وأنتوا فاكرينه بعد سنة وأربعة وتلاتين يوما، وأتمنى كل حفلة تخرج تفتكروه وتدعوله بالرحمة. وتفتكروني وتدعولنا بالصبر».
كم كانت تتمنى أن تلبس ابنها ثوب التخرج وتتباهى به، بعد عمر من التعب والتضحيات. لقد رحل بعيداً، ولكنها أرادت أن تستحضره رغم أنف الموت.
يا الله ما أجمل الأمهات وما أطهر وأنقى دموعهن. «أم عمر» تمكنت من تحويل وجعها إلى قصيدة من مطر مضيئة. لقد ارتقت بمحبتها لابنها فرأته في كل من حولها.
عمر لم يمت بل يسكن في كل وجه تراه. وكل نجاح هو نجاحه وكل فرحة هي فرحته وحده. لقد كانت تعد دقائق غيابه دقيقة دقيقة: «سنة وأربعة وثلاثين يوماً..»، كم مرة عانقت ذكراه في تلك السنة، وكم مرة شعرت بآلام المخاض، وكم مرة أنجبته من جديد؟ لا محبة بعد محبة الأم ولا سلام إلا في ظلالها.
نعم إنها الجنة تحت أقدام الأمهات وفوق صدورهن تبدأ وتنتهي الحياة.
كاتبة لبنانيّة