عنف مفرط ضد متظاهرين رافضين للانقلاب… والداخلية السودانية تعلن مقتل عميد

ميعاد مبارك
حجم الخط
0

الخرطوم ـ «القدس العربي»: قتل شخص وأصيب العشرات في تظاهرات خرجت الخميس، في العاصمة الخرطوم وعدد من المدن الأخرى، للمطالبة بإسقاط الانقلاب العسكري وتسليم السلطة للمدنيين، في حين أعلنت وزارة الداخلية مقتل عميد في الشرطة.
ودعت لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين، لتظاهرات مليونية، الخميس، بعد تأجيل أخرى كانت محددة الأربعاء، رفضا للانقلاب العسكري.

منطقة عسكرية

ولم تكن تظاهرات الأمس كسابقاتها في العاصمة السودانية الخرطوم، فقد كانت المدينة أشبه بمنطقة عسكرية، وسط انتشار كثيف للقوات الأمنية المشتركة، ومدرعات الجيش، والعربات العسكرية الضخمة المحملة بالجنود، وسقوط العشرات بين قتيل وجريح ومعتقل.
واستخدمت القوات الأمنية، التي حاصرت المواكب في مدن العاصمة السودانية الثلاث، الخرطوم، الخرطوم بحري وأمدرمان، الأسلحة الثقيلة والرصاص بالإضافة للغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية، في مواجهة المحتجين الذين احتموا بالمنازل المحيطة بنقاط تجمع التظاهرات.
وأعلنت لجنة أطباء السودان المركزية في بيان أمس عن مقتل الريح محمد برصاصة في البطن، وإصابة العشرات، قالت إنها ما زالت تقوم بحصرهم.

«أبشع الانتهاكات»

وأضحت في بيان الخميس « تُرتكب جرائم حقيقية في حق الشعب السوداني، حيث تمارس ميليشيات السلطة الانقلابية بمختلف مسمياتها أبشع الانتهاكات في فض تظاهرات 13 يناير/كانون الثاني» مشيرة إلى «استخدام الأجهزة الأمنية الرصاص الحي وكافة انواع القمع والأساليب الوحشية».
وأضافت: «القمع المفرط للمليونية تم عبر القوات النظامية والميليشيات المسلحة».
وأكدت «إصابة العشرات من المتظاهرين بالرصاص الحي، يتم علاجهم داخل مستشفيات العاصمة، بالإضافة لإصابات نتيجة للطعن وأخرى بالغاز المسيل للدموع».
وطالبت المجتمع الدولي بـ«كافة مؤسساته والمنظمات النشطة في مجال حقوق الانسان بالالتفات إلى انتهاكات السلطة الانقلابية في حق المتظاهرين السلميين».
وكان آخر ما كتبه الريح محمد، الذي قتل في مدينة بحري شمال الخرطوم على فيسبوك: «لا أستطيع التراجع، لقد كان ولا يزال ثمن هذه الرحلة عمري. اعلموا يا ثوار العالم أننا ما زلنا صامدين وما زلنا واثقين إننا سننتصر في معركتنا وثورتنا ضد هذا النظام الدموي».
في المقابل أعلنت وزارة الداخلية عن مقتل ضابط برتبة عميد، أمس الخميس في شارع القصر المتاخم للقصر الرئاسي وسط الخرطوم.
وقالت في بيان صحافي، إن عميد الشرطة علي بريمة حماد قتل اثناء تأدية واجبه في حماية مواكب المتظاهرين بالتحديد بالقرب من مباني «معمل استاك» شرق شارع القصر.

حصار أمني

وبدأت التظاهرات التي انطلقت من مدينة الخرطوم إلى القصر الرئاسي وسط الخرطوم كالمعتاد من أمام منطقة باشدار، وسط الخرطوم في تمام الواحدة ظهرا بتوقيت السودان، ومنها انطلق الآلاف من المتظاهرين نحو القصر الرئاسي، كالمعتاد في التظاهرات الأخيرة.
وبالتزامن خرجت التظاهرات في مدينتي بحري وأمدرمان، التي كان من المقرر أن تلتحم مع تظاهرة الخرطوم امام القصر الرئاسي وسط الخرطوم، إلا أن القوات الأمنية فرضت طوقا أمنيا كثيفا على التظاهرات في المدن الثلاث للعاصمة الخرطوم، الخرطوم بحري وأمدرمان، كما أغلقت عددا من الجسور التي تربط المدن الثلاث منذ الصباح الباكر، وأحكمت إغلاق محيط القصر الرئاسي وشارع القيادة العامة وسط الخرطوم.
وسبق ذلك انتشار كثيف للقوات الأمنية في الليلة السابقة، خاصة في الجسور التي تربط أجزاء العاصمة، التي ظلت توقف المركبات العامة والخاصة والراجلين من المارة، للتحقيق والتفتيش حتى ساعات الصباح الباكر.

الأجهزة الأمنية هاجمت المحتجّين بالمدرعات والأسلحة الثقيلة

وهاجمت أعداد ضخمة من الجيش المواكب من الشوارع الفرعية المحيطة بشارع القصر والمناطق المحيطة به. كما هاجمت أعداد كبيرة من مدرعات الجيش التظاهرة من الوسط ومن الأطراف، في التوقيت نفسه، مع إطلاق كثيف للرصاص والغاز المسيل للدموع، حسب مشاهدات مراسلة صحيفة «القدس العربي».
ولاحقت القوات الأمنية المتظاهرين الذين حاولوا الاحتماء بالمنازل إلى داخل الأحياء، واعتقلت العشرات منهم، بينما سقط عدد كبير من المتظاهرين أثناء عمليات الملاحقة، وتعرضوا للدهس بمدرعات وسيارات الأجهزة الأمنية.
وحسب شهود عيان، في مستشفى الجودة وسط الخرطوم، هناك عدد كبير من المصابين بالرصاص وآخرين تم دهسهم بمدرعات الأجهزة الأمنية، تم تحويل بعضهم إلى مستشفيات أخرى بسبب قلة الكوادر الطبية.

استهداف الإعلاميين

واقتحمت الأجهزة الأمنية عددا من المؤسسات الإعلامية، واعتقلت عددا من الصحافيين في داخلها وآخرين أثناء تغطية التظاهرات في محيط القصر الرئاسي، كما انهالت عليهم بالضرب بالهراوات، الأمر الذي أدانته شبكة الصحافيين السودانيين في بيان أمس.
وقالت إن «الصحافة والإعلام في السودان يواجهان استهدافا ممنهجا وانتهاكات مستمرة تصاعدت بطريقة غير مسبوقة منذ بداية انقلاب قائد الجيش».
وفي مدينة بحري، شمال الخرطوم، لم يكن المشهد مختلفا، فقد طوقت القوات الأمنية التظاهرات بعد أقل من ساعة في منطقة المؤسسة وسط بحري، وسط إطلاق كثيف للرصاص والغاز المسيل للدموع.
ودعت تنسيقيات لجان مقاومة بحري، وقتها، جميع المتظاهرين لأخذ الحيطة والحذر والانسحاب في مجموعات حسب الوقت المحدد بالساعة الخامسة مساء بتوقيت السودان.
وقالت في بيان، نشرته في حسابها الرسمي على موقع تويتر «في نية واضحة لعمل مجزرة أخرى من العسكريين، هناك قوات نظامية مسلحة تنتشر وتحاول محاصرة مواكب بحري من ناحية حلة حمد وأخرى من حي كافوري».
بعدها بوقت وجيز، ناشدت نقابة أطباء السودان الشرعية، الجراحين ونواب الجراحة، بالتوجه إلى مستشفى بحري، مؤكدة وجود إصابات عديدة بالرصاص الحي.
وحسب شهود عيان تحدثوا لـ«القدس العربي» من المستشفى الدولي في مدينة بحري، عدد المصابين الذين وصلوا المستشفى تجاوز الستين، وتنوعت حالاتهم بين الإصابة بالرصاص وعبوات الغاز المسيل للدموع والدهس بالمدرعات.
ورغم إعلان تنسيقيات لجان مقاومة أمدرمان في وقت مبكر، عن محاولات محاصرة المتظاهرين ودعوتهم لهم للخروج من نقاط التجمع في مجموعات، إلا أن الأجهزة الأمنية حاصرت المدينة وسط إطلاق كثيف للرصاص والغاز المسيل للدموع، بينما اعتقل العشرات.
وقالت تنسيقيات لجان مقاومة أمدرمان القديمة، في بيان على صفحتها في فيسبوك، إن المدينة محاصرة وسط اعتقال العشرات من المتظاهرين، ودعت «جميع الثوار للاحتماء بالمنازل القريبة واتخاذ الحيطة والحذر».
وكانت تنسيقيات لجان مقاومة «أبو روف» في أمدرمان قد أعلنت صباح أمس عن مهاجمة عدد كبير من القوات الأمنية للحي واقتحامها لعدد من المنازل، واعتقال عضو لجان مقاومة أبو روف، أمجد أمين نافع، من داخل منزله بعد كسر باب المنزل والتعدي على أسرته.
وحملت لجان أبو روف المجلس العسكري مسؤولية سلامة أمجد، مؤكدة أن الاعتقالات لن تزيدها إلا إيمانا باقتراب سقوط الانقلاب.
تجمع المهنين علق على أحداث أمس، وقال في بيان «تمارس قوات وميليشيات الاحتلال التابعة للمجلس العسكري الانقلابي مجازر بحق الثائرات والثوار السلميين العزل في مدن وقرى السودان، وتستخدم الرصاص الحي والقنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع، كما تقوم باستخدام مركباتها للدهس بغرض القتل وإلحاق الأذى بالمواطنين، كما تلاحقهم في الطرقات وتستخدم العصي والهراوات للضرب المبرح وتعتقل بشكل عشوائي».
وزاد: «جراء هذه الجرائم البشعة ارتقت روح الشهيد الريح محمد من الديوم بمدينة بحري، نترحم على روحه الطاهرة ونتقدم بصادق التعازي لأسرته وأصدقائه ورفاقه».
وأضاف: «هنالك أيضاً العشرات من المصابين والجرحى في مدن العاصمة القومية الثلاث، ومنهم إصابات حرجة بالرصاص الحي. نناشد الأطباء والكوادر الطبية الأخرى بالتوجه للمستشفيات وتقديم الخدمات والرعاية الطبية اللازمة لإنقاذ حياة المصابين».
كما دعا «المحامين الشرفاء للتوجه لمراكز الشرطة وغيرها من معتقلات قوات الاحتلال، ولتقديم الحماية القانونية وإطلاق سراح الثائرات والثوار المعتقلين قسراً وبشكل عشوائي من قبل هذه القوات المجرمة».
وختم : «ننادي الشعوب المحبة للسلام والديمقراطية ومنظماتها المهتمة بحقوق الإنسان لتركيز أنظارها على السودان، ورصد وإدانة هذه الجرائم المروعة التي يرتكبها المجلس العسكري الانقلابي وميليشياته بحق شعبنا الأعزل إلا من سلميته الكاملة وهتافه المجلجل».

الانقلاب والاستقالة

ونفذ قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، في الخامس والعشرين من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، انقلابا عسكريا على الحكومة الانتقالية التي تشاركها المدنيون والعسكريون لأكثر من عامين. ووضع البرهان، رئيس الوزراء وقتها عبد الله حمدوك في الإقامة الجبرية في منزله، بينما اعتقل عددا من أعضاء المجلس السيادي ووزراء الحكومة والناشطين السياسيين.
وبعدها بأربعة اسابيع، أخرج البرهان، حمدوك من الإقامة الجبرية، ووقع معه اتفاق اعلان سياسي، إعادة بموجبه لرئاسة مجلس الوزراء، ولكن دون أعضاء حكومته من قوى «الحرية والتغيير». وكان من المنتظر أن تهدىء عودة حمدوك من وتيرة الاحتجاجات المتصاعدة في السودان، إلا أن التظاهرات تواصلت منذ يوم توقيع الاتفاق في الحادي والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، رفضا للانقلاب وللاتفاق الذي وقعه حمدوك والبرهان، بينما وصف عدد من لجان المقاومة رئيس الوزراء بـ«الخائن».
وفي ظل تعقيدات المشهد في البلاد وتواصل التصعيد الشعبي، تقدم حمدوك باستقالته بعد ستة أسابيع فقط من عودته للمنصب، لم ينجح خلالها في تكوين حكومة او حشد تأييد سياسي أو شعبي للاتفاق، فضلا عن قادة الحركات المسلحة التنازل عن مناصبهم في مجلس الوزراء، لتكوين حكومات كفاءات مستقلة.
ولأكثر من شهرين، لا تزال البلاد تعيش في حالة فراغ حكومي ودستوري، وشلل عام للحياة في ظل تدهور أمني واقتصادي حاد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية