عنف وسائط الاتصال

لن أجد ما يبدو لي أكثر تماهيا مع حركية الكتابة، من عين النسر، وهي تتفقد من زرقة الأعالي مكامن طرائدها اللامنتظرة هناك، حيث تكون هدفا للرؤية، مهما أفلحت الظلال في إحكام تداخلاتها وتشابكاتها عليها. علما بأن عين الكتابة، لا تكتفي فقط باختلاس النظر، قدر كلفها بلعبة استراق السمع، إذ بقوة الحاستين معا، يمكن للحرف أن يتلمس الطريق إلى حيث ينبغي له أن يكون، عبر بحثه الدؤوب عن مداخل محتملة، تفضي إلى عمق الغابة، التي تحتمي أسرار الدلالة بغموضها.
ذاك حتما، هو الطقس المترع بجماليته، الذي تعودت الكتابة إلى حين، أن تجد فيه إطارها الملائم، لتفاعل شخوص استثنائيين، تسعد باستضافتهم في فضاءات نصوصها الشعرية أو السردية.
ثم ذاك هو الطقس ذاته،الذي ارتأت مؤخرا وسائط الاتصال الحديثة، أن تعيث فيه خرابا، كي ترغم الكتابة على طي مساراتها القديمة، واستبدالها بمسارات أخرى، أراها الآن تمتد من داخل متخيل يمارس بعنف واقعيته بين ظهرانينا. والمتخيل الواقعي هنا هو محض توصيف مجازي لمنعطف حاسم، يأخذ صيغة إكراه، لم يعد للكتابة من سبيل لتلافي تداعياته. ويمكن معاينته في فائض الشفافية التي تطاردنا بها الوسائط ذاتها، سواء في الفضاءات العامة أو الخاصة، بدون أن يتوافر بالضرورة أي تبرير موضوعي ومنطقي لهذه المطاردة، حيث شرعت الحجب التي دأبت على الفصل بين ظاهر الذوات وباطنها في التساقط، ما أدى إلى تبديد غير قليل من غموضها الأميري، الذي كان من قبل يستدرج الكتابة، إلى الاستحمام في مياه أسراره.
نستحضر في هذا السياق مجموع ما كان ينسجه مخيالنا «الحالم» من تصورات حول هويات العابرين و المقيمين، على أساس ما توحي به أطيافهم، من تطابق قد يكون بينها وبين أرواح القديسين أو القتلة.. الحمائم، أو الأفاعي.
وأنا أشير هنا، إلى تلك التواطؤات المعلنة والخفية في آن، مع ذلك الآخر الغامض الذي يحدث أن يمرّ بك أو تمرّ به على صراط الكينونة، أي ذلك المرور الذي تحقق الكتابة على ضوئه تواصلاتها السرية الموجهة، ربما، ببوصلة الكراهية، التوجس، العشق، السخرية، أو الإشفاق. ومن المؤكد أن هذه التواطؤات، تندرج ضمن التعاقدات الاجتماعية والثقافية السائدة، والمعبر عنها جماليا في النصوص الشعرية والسردية، والأعمال المسرحية والسينمائية الكبيرة، فضلا عن الأمثال، والحكم، والمستملحات بألوانها كافة. فالتجليات المظهرية للأفراد، هي في حد ذاتها موضوع/ثيمة، غنية بدلالات لا حدود لاجتراحاتها الإبداعية، بحكم أن الكثير من المصائر الإنسانية، تتشكل على ضوء التأويل الصائب أو الخاطئ، العفوي أو المبيت، للسمت البشري، المنطوي على ما لا حصر له من الرسائل والخطابات. حتى أن الظاهر أصبح في كثير من المواقف، فخا دلاليا، يوقع بمتهوري القبض على المعنى، في هاوية «غواية» عديمة القرار. وندرج في هذه الإطار، أهم الأشرطة السينمائية، والعروض المسرحية، والنصوص الشعرية والسردية، التي اعتمدت في صياغتها لعوالمها، على عامل الفهم – أو سوئه – للدلالات السلوكية التي يوحي بها السمت/المظهر، غامضا كان، أم واضحا.

صخب أفرغ المكان من غموضه النبيل، ومن وشوشاته الخفيضة التي تغري أرواح القول بالإنصات. كما أفرغه من عمق ذلك التوجس الممهور بختم الدهشة. ومن سحر تماساته اللامتوقعة، كي لا يبقى ثمة شيء، عدا عدوانية مكشوفة، تجتث بهديرها جذور الحرف من ذاكرة الكتابة، ومن صفحة المكان.

غير أن الوسائط الحديثة، وعلى مراحل متتالية، أبت إلا أن تعصف بجمالية هذه الفخاخ، وبغواية سيميائيتها، التي تعودت الكتابة على توظيفها في بنائها لفضاءاتها. ويتجلى ذلك في تفجيرها لسرية السلوكات الخاصة والباطنية، الحاضرة داخل مختلف مرافق الفضاءات العامة، كي تصبح الذات خلسة، مكشوفة ومجردة من حميمية خلواتها والتباساتها، نتيجة استسلامها اللامشروط لعلاقتها المرضية، بسيول الفيديوهات المخزنة داخل متاهات الشبكة العنكبوتية. وهي علاقة ذات طبيعة تنويمية، يخضع لها «مرضاها» صاغرين، وقد انكبوا على استهلاك معروضات هذه الوسائط، في حالة تماه تام مع محكياتها المشهدية، حيث تراهم منقادين بفعل تأثيرها المخدر إلى دهاليزها، بدون أن يخالجهم أي إحساس، بما يتسببون فيه من تلويث سمعي، لكل من يتقاسم معهم هواء المكان.
وهو ما ترى فيه الكتابة أقصى درجات التشويش المجالي، حيث تكون أنت دائما أبدا تحت رحمة حصار عدواني، أينما حللت وارتحلت، ولو إلى أبعد كوكب سابح في مداراته النائية، وحيث تكون مجبرا على الإلقاء بذائقتك الخاصة، في أتون عاصفة هوجاء من الزعيق، الذي تتقاطع فيه مناحات الجنائز، بمواويل الأعراس، وتتداخل فيه أخبار سفاح المحارم، بجرائم القتل، وقد تخللتها آهات شهوانية صادرة عن دمى آلية، فضلا عن تلك الأبواق الدعوية المنذرة بقرب دخولك إلى جهنم. إلى آخر ما يمكن أن تستحضره مخيلتك المجنحة من هرج ولغو، حيث أنت مدعو ضدا عليك، للإقامة داخل طقس هجين، لم يكن للكتابة من قبل علم بـ«خوارقه»! وتبعا لذلك، سيكون عليك أن تجد نفسك محشورا في معترك مفارقات لا حدود لغرابتها، كأن ترتطم مثلا برؤية نجاسات مجللة بوقارها الخادع، تؤدي إلى ارتجاج ذاكرتك التأويلية، فتختلط عليك دلالات المفاهيم، من قبيل السمت، والهيئة، إلى جانب مفاهيم أخرى، كالقناع، والتكتم، وغيرها مما أنت معني بإعادة النظر في ما تفرع عنها من دلالات، بفعل التدخل المتوحش للوسائط الجديدة.
وأيضا في ظل الوجه المعتم لتقنيات وسائط الاتصال، سيكون على الكتابة أن تتخفي مؤقتا، بانتظار ما ستسفر عنه ضراوة وبؤس ما تنتجه من مفارقات. لعل أكثرها بشاعة، تفجيرها للبنيات اللاواعية لدى الأفراد والجماعات، ولو داخل محابس الفضاءات العامة، حيث تتبخر إمكانية ضبط العلاقة القائمة بين هيئة/صورة الفرد، وما هو بصدد استهلاكه، لهول التباين الفاضح القائم بينهما.
وها أنت ذا الآن كما ترى أو لا ترى، وجها لوجه أمام دوامة موبوءة من التصاديات التي تستعجل رحيلك باتجاه اللامكان، وهي تتطاير من فوهات تلك الأجهزة المتكلسة بين أصابع فولاذية تنسلت تماما من حالة التحفظ التي يمكن أن تساور خصوصية الذات، ما يلغي الحاجة لوضع أي خطاطة، من شأنها التساؤل عن كنه الهوية، أو أي بعد من أبعادها. إنها إذن، الشفافية الخرقاء، التي تكتسح المكان. مستحثة الكتابة على التنحي، بعد أن أجبرتها على التخلي عن هوسها المعهود باستبطان الفراغ، الذي كانت تستمتع باستجلاء ضوء شفافيته الخاصة والاستثنائية من قلب العتمات. وحيث كانت بهذا المعنى، شفافية تخص باطنا محروسا بحجبه، ضمن حرصها على الارتقاء بهباتها إلى تلك المقامات العالية، التي يحلم الحرف بتملكها.
مقابل ذلك، تصبح الشفافية الجاهزة، والمعطاة عبر الصخب الصادر عن حناجر الوسائط الحديثة، عائقا حتميا، يقطع على الكتابة طريقها المفضي إلى محتمل القول، معمما بذلك مأساوية فك الارتباط بجمالية تعقب الكائن، ومعلنا نهاية الانتشاء بسبر أغواره وظلاله. فحالما أشيعت الشفافية إلى أقصى حدود الابتذال. وحالما شمل المحو ثنائية الظاهر والباطن، التي تعودت الكتابة على الرقص بين حافتيهما، لم يعد ثمة شيء جدير بالسماع أو الرؤية،عدا لؤم ذلك الصخب النشاز المهيمن عليهما.
صخب أفرغ المكان من غموضه النبيل، ومن وشوشاته الخفيضة التي تغري أرواح القول بالإنصات. كما أفرغه من عمق ذلك التوجس الممهور بختم الدهشة. ومن سحر تماساته اللامتوقعة، كي لا يبقى ثمة شيء، عدا عدوانية مكشوفة، تجتث بهديرها جذور الحرف من ذاكرة الكتابة، ومن صفحة المكان.

شاعر وكاتب من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية