عن أحلام ليست في متناولنا: معرض لفنانين شباب في دمشق

زينة شهلا
حجم الخط
0

تختلف إضاءة غاليري “آرت فيجين” في دمشق، وهي تفتح أبوابها لمعرض “شباب لم يكتمل” عما اعتاده الزوار في معارض سابقة، إذ تبدو معتمة أكثر إلى حد ما، واضعة عشرات اللوحات وأعمال التجهيز الفني التي أنجزها فنانون وفنانات سوريون شباب، في جو يختلط فيه الحزن واليأس والأمل والقيود والحرية.
عند باب الصالة نقرأ على ملصق أبيض كبير: “وسط هذا الضياع… هل تشعر بالنقص؟ هل عبّرت لنفسك؟ هل سمعت صوتك؟… على الرغم من مساعينا اليومية إلا أننا نبقى فارغين، نتوق إلى شيء أكثر، شيء غير محدد. حتى الأحلام التي ترقص بعيداً عن متناولنا، تسخر من جهودنا للوصول إليها”.
تبدأ الأحلام مع مجموعة “شمينتو” للفنان كريم الخياط، وفيها نرى ضمن أعمال متباينة الأحجام، طبقات من الذكريات والأحداث والمشاعر المتراكمة فوق بعضها البعض، في محاكاة لجدران معظم المدن السورية التي تمتلئ ببقايا ملصقات وأوراق نعوات وإعلانات وألوان وعبارات عشوائية، تحكي عمّن “مروا من هنا” وتعبّر عن مخزون كبير تجمع لدى الفنان الشاب على مدار السنوات الفائتة وهو يتجول ويراقب ويصور، خاصة ما شاهده من بقايا جدران مدمّرة تحمل آثار وذكريات أناس كانوا هنا ورحلوا.
هذه الجدران ليست مجرد جماد لا يعني شيئاً كما يقول الخياط للقدس العربي، فهي تملك هوية خاصة بها، ومفردات مرتبطة بالشارع والناس، وبعد سنوات من المراقبة والتصوير تعلّق بها الفنان وصار يراها كلوحات حقيقية، فبدأ منذ قرابة عامين تحويلها لأعمال تبيّن في الوقت ذاته كل التراكم الذي أوصله إلى ما هو عليه اليوم.

كريم الخياط

الحرائق في سوريا

وفي رحلة “من السماء” وبتقنيات تنوعت بين التصوير والنحت، تحكي الفنانة شهد الرز ضمن لوحة كبيرة تتوسط أربع لوحات مربعة أصغر، عن موضوع الحرائق في سوريا والذي تعمل عليها منذ سنوات، فنرى جبالاً وصخوراً وألواناً نارية تغطى على المشهد، وطيوراً تحاول التحليق بعيداً، لكن طبقة من قماش شفاف أضافتها الفنانة للوحات، تحد من قدرة بعض تلك الطيور على الهروب، وفي الوقت ذاته تصنع فاصلاً ما بين اللوحة والمتلقي.
يمثل ذلك كما تشير الرز إلى تقاطع بين موضوعها الأساسي وبين فكرة المعرض، فاليوم تطغى فكرة السفر على تفكير معظم الشباب في سوريا وتحيط بهم من كل زاوية، سواء كانوا هم من يرغبون بذلك، أو يودّعون أحبتهم المسافرين. ومع ذلك، ومهما بدت السماء مفتوحة ومداها مليء بالخيارات، تبقى هناك حدود تعيدنا إلى ذات المكان. وتقول الفنانة في التعريف عن عملها: “ولنا دروب السماء كلها، ولكن قلوبنا تموت بعيداً عن أرضها”.
في الفراغ المجاور، اختار الفنان بيير حاماتي أن يعلّق بخيوط رفيعة شفافة سلكاً معدنياً شائكاً، وتحته نثر بقايا من بذور الزيتون المسحوقة، وأطلق على التجهيز الفني اسم “مقيّد”، معرّفاً عنه بالقول: “لن تراها، فقد اعتدت المشهد. انظر، إنها في كل مكان، تذكرك بأنه لا طريق لك… قدماك عالقتان ورأسك حر. في الأسفل قيود من حديد وفي الأعلى قيود من أحلام”.

دانا السلامة

يتحدث حاماتي في عمله عن القيود بكافة أشكالها، سواء كانت داخلية نخلقها نحن بأنفسنا ونتيجة أفكارنا وحتى أحلامنا، أو خارجية قادمة من الأهل والمجتمع والدين والعادات، وأحياناً مادية كتلك الأسلاك الشائكة القاسية التي تضع حدوداً بيننا وبين أماكن نُمنع من دخولها تحت مسميات مختلفة. ويرى بأننا ما عدنا قادرين على رؤية هذه القيود، فهي صارت جزءاً من حياتنا، وباتت تمنعنا عن المضي قدماً والعبور نحو الضفة الأخرى، وما يجمعها كلها هو الأرض والبلاد التي نعيش فيها، والتي تقيدنا بدورها سواء بصيغة إيجابية أو سلبية.
يحاول الفنان مجد الحناوي بدوره التعبير عن هذا الاعتياد ضمن مجموعة لوحاته التي لم يضع لها عنواناً، وكتب بجانبها “لكن المشكلة يا صديقي أنها حياةٌ ألِفناها”. يرسم الحناوي ضمن جدارية كبيرة بعرض خمسة أمتار مقسومة إلى مربعات، عشرات المشاهد بالأبيض والأسود، تعبر عن مفردات وتراكم لمشاهد في ذاكرته الصاخبة، فنرى فيها بيوتاً وطبيعة وشوارع وأزقة وأشكالاً مجردة وأسلاكاً وسياجاً وغيرها من العناصر التي يكررها في بعض الأحيان كرغبة للتأكيد على ما يريد قوله، وفي نهاية المطاف نرى كل هذه العناصر مترابطة وكأنها مشهد واحد متكامل.
وضمن مجموعة مجاورة تضم ستة عشر لوحة مربعة صغيرة، يرسم الفنان أيضاً بالأبيض والأسود تنويعات لأبواب بعضها مكسور والآخر مقلوب أو مائل، وكأن كلاً منها يدخلنا نحو عالم مختلف. وتضم المجموعة الثالثة والأخيرة أربعة مشاهد بانورامية بألوان ترابية، تصوّر بيوتاً متراكبة ومائلة فوق بعضها البعض، وسماء مليئة ربما بالطيور أو بقذائف وصواريخ تعبُر المشهد من جهة إلى أخرى.

أحمد المقداد

كيف حالك الآن؟

لا يمكن أن ينهي المتفّرج هذه الأعمال دون أن يسمع صوت “صفع” مثير للانتباه من الغرفة المجاورة. تحت عنوان “كثيراً ما أتمنى الوجود/الخروج” علّق الفنان حمود رضوان مجموعة صور لشبان وشابات سوريين، وأمام كل صورة كف مطاطي يتحرك بسرعة بشكل دوراني، ليصفع وجناتهم ويترك أثراً واضحاً عليها. كُتب بجانب هذه الصور: “كيف حالك الآن؟ لا تجب، فأنت وأنا نعلم الجواب. هل ترغب في الصراخ؟ اصرخ! لكن في عالمنا، الظالِم ليست لهُ أذن تسمع. يسكننا الحنين يا صديقي، خاننا الموت في شبابنا، ونحن ما زلنا نبتسم!”.
يرى رضوان كما يبوح لـ”القدس العربي” بأن “من يعيشون اليوم في هذه البلاد، يختبرون الموت كل على طريقته، باتوا معتادين على تلقي الصفعات، لدرجة نسيانها والتأقلم معها كجزء من الحياة. أحياناً تكون ضرورية لتجعلنا نستفيق، وربما تحمينا وتكسر الصقيع من حولنا، وأحياناً أخرى تساعدنا على التغافل عن الألم الحقيقي الذي نختبره يومياً، والذي لن نشعر به إلا لو خرجنا من هذا المكان وتوقفنا عن تلقي الضربات”.
تتحوّل هذه الأكف في التجهيز الفني المجاور، والذي يحمل اسم “وتر” بتوقيع الفنانة دانا السلامة، إلى أيدٍ بعضها مخضّب بالأحمر ومرفوع في الهواء، وأخرى سوداء متراصة فوق بعضها، وثالثة تبدو وكأنها متعانقة بحنيّة، ورابعة وحيدة في الفراغ. تعرّف البطاقة المجاورة عن العمل: “إنني أرى ندبة معلقة في الهواء، صامتة لكن صوتها حاد. أهي حلم أم واقع؟ حرية أم سجن؟ وهم أم حقيقة؟”.
الأيدي بالنسبة للفنانة ليست مجرد عضو من جسدها، وإنما أداة لتوثيق كل فترات حياتها، وبصمة وتراكمات لما تفعله، كما أنها محمّلة بالكثير من المعاني، فهي أساس القدرة على العمل، وتكبيلها يعني العجز التام. وتضيف: “عندما أفكر بأصعب شعور يمكن أن أختبره، فهو أن أخسر يداي، لكنني اكتشفت بأنني كل يوم أحس بهذا ويداي موجودتان! كل يوم أشعر بأنني عاجزة وثابتة في مكاني وغير قادرة على الحركة أو تغيير أي شيء”.
وإلى جوار مجموعة الأيدي، تتلقفنا مدينة الدمى الملونة للفنان عبد قاشا، وفيها نرى عشرات الدمى المنحوتة بأشكال وأحجام مختلفة، ملتصقة ببعضها البعض ومعلقة على الجدران، ودمية وحيدة مبتسمة ترفع رأسها نحو الأعلى، وما يلفت النظر صخب ألوانها التي تبدو كما يقول قاشا وكأنها ردة فعل على واقعنا ذي الألوان القاتمة، فهي قوية متمردة مثل ذاكرة الطفولة.
ورغم مرونة وعفوية هذه الدمى وألوانها وضحكاتها العبثية التي تهزل من واقعنا اللامنطقي، إلا أنها لا تصل إلى مرحلة الحرية المطلقة وفق ما كتب الفنان بجوارها، فهي تبقى ضمن إطارٍ مسيطر على رغباتها وأحلامها وشهواتها، وجزءاً من مسرح مليء بالدمى والأشكال والأحجام والألوان والأحلام والغايات والمشاعر، لا نتمكن من تجاوز أبعاده.

عبد قاشا

بين الواقع والحلم

ومن دون عنوان، يعرض الفنان صلاح حريب لوحتين بقياس مترين ومتر ونصف، عرّف عنها بالقول: “بين الواقع والحلم، بين الرغبة والفعل، بين الضوء والظل، بين المساحة والخط، كل شيء لم يكتمل”. تبدو هذه الثنائيات واضحة ضمن العملين، إذ يرى المشاهد شخصيتين أساسيتين بملامح متعبة ومتألمة، وينتقل بين مساحات كثيفة الخطوط وبألوان يغلب عليها الأحمر القاني وتدرجاته، إلى أخرى أكثر هدوءاً وراحة وأقل صخباً.
وعن التجربة يقول حريب إنه سعى للحديث عن مشاعر صادقة نفتقدها، وعن سعينا الدائم لأن نكون أفضل، ولأن يعكس مقاربة بين حياتنا الواقعية ورغباتنا، وتجاربنا التي لن تكون مكتملة يوماً.
ومن خلال ست لوحات تبيّن حالات إنسانية متباينة، سعى الفنان أحمد المقداد للحديث عن مرحلة شبابه “غير المكتملة” والمليئة بتحديات وضغوطات هائلة، يرى بأنه عاشها في مرحلة مبكرة لكونه “ابن الحرب” المستمرة في بلده منذ أكثر من عقد، فأعطته خبرة لم يكن ليحصل عليها في ظروف أخرى “طبيعية”. وكتب بجانب اللوحات: “متى وكيف وصلت إلى هنا، لا أعلم، ولكنني هنا. شيء ما ليس في مكانه، ولكن ما مدى أهمية هذا الشيء أساساً؟”.
“هذه التجارب الصعبة كوّنت شخصيتي”، يقول للقدس العربي متابعاً: “هل كنت أتمنى لو أنها لم تحدث؟ بكل تأكيد. هل سأكون الشخص ذاته من دونها؟ لا، فكل ما مررت به وتعاملت معه وخرجت منه، صنع مني ما أنا عليه اليوم، وهو أمر مشترك بيني وبين معظم الشباب هنا، على عكس من يعيشون في بلاد أخرى لم تختبر حروباً، فنحن نرزح تحت وطأة ضغط كبير كي ندرس ونعمل ونسافر ونحقق ذواتنا ضمن ظروف صعبة للغاية، فنجد أنفسنا وحيدين في نهاية المطاف”.

حمود رضوان

وفي أرجاء صالة العرض وعلى جدران مختلفة، تتوزع أجزاء من عمل الفنان آدم عجيب والذي يحمل اسم “تذكارات متفرقة”، ومما جاء في التعريف عنه: “في رأسي آلاف التذكارات الممزقة، في رأسي آلاف القصص التي أحلم بإكمالها”. ويتألف من 35 قطعة هي عبارة عن صور التقطها سابقاً وصنع من كل منها عملاً بمواد مختلفة على ورق قماشي.
يقول الفنان بأنه عندما قرر المشاركة بالمعرض، “فتح ذاكرته” واختار منها مجموعة صور كل منها مرتبط بلحظة تعنيه كثيراً، لحظة تمزقت ولم تكتمل، فجمع الصور وعمل عليها بطريقة الكولاج، فرسم فوقها أو وراءها وفق إحساسه، لينقل للمشاهد كل تلك اللحظات التي انتزعت من حياته دون أن تنتهي.
ختاماً، تشير المنسّقة الفنية للمعرض الفنانة نور سلمان إلى أن “المعرض الذي يحاكي أفكار عشرة فنانين وفنانات من جيل الشباب، لا يتحدث فقط عن سوريا، فالمنطقة برمتها تعيش ذات الحال من عدم الاستقرار والأحداث المأسوية المتتالية التي تدفع الجميع للتفكير بالسفر، ورغم القيود الكبيرة فنحن قادرون على يوم على الاستيقاظ والعمل والحلم، وهذه الأحلام حتى لو تكن مكتملة، هي ما يجمعنا في نهاية المطاف”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية