عن ائمة المساجد والمقاومة والانظمة العربية

حجم الخط
0

اسماعيل القاسمي الحسني ليس قنوطا من رحمة الله ولا يأسا، ولكنه شعور بالمرارة تولد عنه قيح ملء القلب حتى فاض على جوانح حياتي، هذه الجمعة ارتقى الأئمة المنبر عبر العالمين العربي والإسلامي، لا أعلم أبعد استئذان صاحبه عليه الصلاة والسلام أم لا، طبعا في بيوت الله وليس في مؤسسات السلطة، وبشروا الأمة جمعاء بدنو العشر الأواخر من رمضان، قالوا: إن هذه الأيام العشر أيام العتق من النار. طبعا يتحدثون باسم صاحب القول (ص)؛ شخصيا لولا الحياء من الله وإحداث فتنة لغادرت المسجد لحظتها، تساءلت جديا في ما بيني وبين نفسي: هل هذا فعلا ما يبشرنا به رسول الله لو كان بيننا وأهل غزة في قلب الأمة يعيشون الحصار؟ معرفتي المتواضعة بخير خلق الله تنفي ذلك بشكل قاطع والله أعلم. ولن أتنطع هنا فيما يمكن أن يفعله (ص) بهؤلاء بدءا وبنا جميعا تباعا.

لا أعتقد أن قراء صحيفة ‘القدس العربي’، والمتابعون عموما عبر أطراف هذه الأمة، في حاجة للتذكير بأوضاع إخوتنا في بلاد هاشم، ومعاناتهم وهم يرزحون تحت حصار ظالم جائر تجاوز حدود العقل البشري نذالة وسفالة وجرما، لا لشيء إلا لأنهم قالوا: ربنا الله ولا نشرك به الرباعية ولا الولايات المتحدة. وهنا يأتي السؤال: للمبشرين بالعتق من النار، من المسؤول عن أوضاعهم؟ عن عجائزهم وشيوخهم وثكلاهم وأراملهم وأيتامهم؟ طبعا الجواب السريع الذي يخلي مسؤوليتنا نحن المستبشرين بالعتق من النار هو: الأنظمة العربية المجاورة، تلكم التي أوصدت معابرها وبنت أسوارا حديدية تحت حدودها، وأما نحن فماذا بوسعنا والحال هذه أن نفعل، إذن فلنستبشر بالعتق من النار، ذلك أن الله يعلم منا لو كانت غزة على حدودنا لما حدث الذي نراه اليوم. انتهى الجواب ولنخلد إلى النوم مطمئنين فرحين.

هذا الجواب لم يقنعني شخصيا، بل واعتبرته هروبا جبانا من واقع مسؤولية الجميع، وعلى رأسهم أولئكم الذي اعتلوا منبر الرسول (ص) كما أسلفت باستئذان أو من دونه، والحجة التي دمغت الرد الجبان، هي قوافل الإغاثة التي تنطلق من خارج العالم الإسلامي، بل والمصيبة تحت رعاية من لا ينتسبون لأمة سيدنا محمد (ص)، تقطع آلاف الكيلومترات وتخوض صعابا ومخاطر جمة، بمبادرات مدنية وهيئات مستقلة عن الأنظمة الرسمية، لتضع من نتحجج بغلقهم المعابر أمام الأمر الواقع، وتدخل معهم في مواجهات وصدامات وتنتصر في النهاية، لماذا أئمتنا المبشرون بالعتق من النار لا يفعلون ذلك، ويقودون القوافل بأنفسهم؟ هنا في المغرب الشقيق، الجزائر، تونس، موريتانيا، ليبيا، كل سلطات هذه البلدان تصرح رسميا بأنها ضد الحصار، لماذا لا نضعها أمام الأمر الواقع ويدعوا هؤلاء الأئمة الناس لجمع ما أمكنهم مساعدة لأهلنا في غزة وكسرا للحصار عنهم!

حين أضرب بالجزائر مثلا فليس حصرا، إنما تفاديا لتلكم النزعة القطرية المقيتة، تعداد شعبها يناهز 40 مليونا، عدد محافظاتها 48، بوسع كل واحدة منها جمع مئة طن شهريا من المساعدات على أقل تقدير، ما مجموعه تقريبا 5000 طن (الكمية التي فاخر ذات يوم حسام زكي بعبورها لقطاع غزة على امتداد عام)، تحملها برا 250 شاحنة، ولكم أن تتصوروا هذا العدد من الشاحنات موقوفا على حدود مصر، تتناقله الفضائيات الدولية، ويرفض أصحابها الدخول عبر الأراضي المحتلة، كما يرفضون إنزالها، تصوروا الموقف البالغ الحرج الذي سيواجهه النظام المصري حينها، خاصة إذا واكبت قناة الجزيرة ومثيلاتها الحدث، ويزداد الحرج إذا أعلن عن انطلاق قافلة بذات الكمية والعدد من المغرب الشقيق بعد أسبوع ثم تونس ثم ليبيا، لا يهم من الذي يبدأ أولا، بالله عليكم أي شيء يمنع هذا؟ وأي قدرة لنظام مصر أمام شعبه وأمام العالمين العربي والإسلامي ليوقف طابورا من الشاحنات تعدادها يزيد عن ألف تحمل مواد غذائية!

من الذي يمنع الأئمة المبشرين بالعتق من النار عن العمل لمثل هذا الخير بل الفرض؟ أتدرون الجواب الحاضر دوما: ستمنعنا السلطات. إن كان هذا صحيحا فليفضحوها ولا يحمل النظام المصري وحده تبعات هذا الحصار الإجرامي، ليضعوها أمام الأمر الواقع وليقيموا الحجة عليها أمام الله وأمام الأمة لتشهد عليهم يوم الحساب، الله لن يقبل منهم الرجم بالغيب، بل الحجة العملية؛ أقطع هنا جازما لو أن الأئمة دعوا مخلصين لهذا الأمر، من دون تسييسه أو المتاجرة بآلام الشعب الفلسطيني سيجدون من هبة الأمة ما تذهل له العقول، ويطيش من عظمته فكر العدو ونفيره، كما أقطع وعن علم بأن الرقم الذي سبق ذكره سيتضاعف لو وجد دعاة مخلصين صادقين، وهذه الصورة من أبجديات واقع الأمة وليست صنيع خيال رجل يترنح مما ملأ قلبه قيحا، وإن كنت لست إماما فلست أبرئ نفسي من المسؤولية.

كرجل عادي مسلم ومؤمن بالله واليوم الآخر والحساب والعقاب والجنة والنار، أخاطب الأئمة هؤلاء بالواقعية التي جاء بها رسول الله (ص)، واختصارها أن الدنيا قطعا إلى زوال، وأن قادتنا سيقفون بين يدي الله كما ولدتهم أمهاتهم، وسيسألهم حتما عن أهل غزة، وأخشى أن يكون ردهم: ربنا لقد تركنا الأمر للأئمة ولم يفعلوا شيئا، وإن فعلوها ستدعون للرد ولا يسعكم القول: ربنا لم نتحرك لعلمنا بأنهم سيفعلون بنا كيت وكيت، فيكذبونكم ولا دليل عمليا مسجلا في كتبكم، فيفصل بينكم: ‘ قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد، ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد’ (ق/28).. والله يشهد أني أخشى ما أخشاه ألا عتق من النار وأهل غزة بيننا تحت هذا الحصار.’فلاح جزائري[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية