عن الأولمبياد وجامايكا والمرأة

حجم الخط
0

عبد الحميد صيام اختتمت الدورة الثلاثون للألعاب الأولمبية في لندن بعد سبعة عشر يوما من المنافسات العالمية بين نحو عشرة آلاف لاعب ولاعبة لحصد أكبر عدد من الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية. سبعة عشر يوما من المتعة والتألق والمنافسات الشريفة. لم يعكر الألعاب أي حادث أو مفاجأة من صنع الإنسان أو الطبيعة. كانت في قمة التنظيم دون ضغط أو خوف أو تهديد. لم يكن أجمل من حفل الافتتاح إلا حفل الاختتام الباهر والذي انتهى بظهور جوهرة أمريكا اللاتينية اللاعب الأسطوري بيليه وعمدة ريو دي جانيرو الذي تسلم الشعلة إيذانا ببداية الاستعداد لدورة ريو عام 2016. وقد أبهرت الصين للمرة الثانية العالم برشاقة رياضييها وجاهزيتهم في كل المجالات حيث عاد الفريق مرفوع الرأس، يحمل 88 ميدالية من بينها 38 ذهبية ويحتل الموقع الثاني بعد أن استعادت الولايات المتحدة موقعها الأول الذي خسرته في دورة بيجين عام 2008. وقد حققت بريطانيا، الدولة المضيف، إنجازات لم تحققها في قرن من الزمان بحصيلة 65 ميدالية من بينها 29 ذهبية. مهرجان عالمي تعرض كل دولة مهارات أبنائها وبناتها في كل أنواع الرياضة القائمة أصلا على ترويض الجسد وتدريبه وإعداده وصقله ليكون في أعلى مراحل الجاهزية. لا نشك للحظة أن الدول ترتقي بأبنائها وبناتها الرياضيين وترفع رؤوسها عاليا بين الأمم وتتيه فخرا بانتصارات لا أجمل ولا أرقى دون أن يلجأ أحد إلى شتيمة أو تعنيف أو مسلك خارج عن المألوف. تفيض الدموع فرحا للانتصار أو تفيض حزنا على الهزيمة وفي كل مرة يتقدم الخاسر ليهنئ الفائز ثم يعود ليحتفل مع فريقه ومدربيه. كم يتمنى الإنسان لو أن سكان هذا العالم لا يتنافسون إلا في الرياضة أو الفن أو الموسيقى أو الرسم أو الشعر ولا يوجد منهزم أو منتصر إلا في الملاعب والمسارح وصالات العرض. ميداليات العرب وجامايكاعاد العرب مجتمعين بحصيلة متواضعة جدا من الميداليات حيث لم يحصدوا إلا 12 ميدالية إثنتين من ذهب كانتا من نصيب تونس والجزائر وبقية الميداليات الفضية والبرونزية تقاسمتها كل من تونس ومصر والمغرب وقطـــر والسعودية والكويت والبحرين. كل ما فاز به العرب يعادل ما حصدته دولة صغيرة تدعى جامايكا في البحر الكاريبي لا يصل عدد سكانها لثلاثة ملايين أي ما يعادل سكان حي من أحياء القاهرة أو الدار البيضاء أو بغداد. بل إن جامايكا حصدت أربع ذهبيات وأربع فضيات وأربع برونزيات. فلو كانت أمة العرب دولة واحدة، وهو ما نتمناه حتى لو لم تفز بأية ميدالية، سيكون ترتيبها بعد جامايكا رغم أن مجموع الميداليات واحد. أليس شيئا محزنا أن أمة بهذه العراقة والتاريخ والشواطئ والجبال والأنهار بالإضافة إلى ثروات خيالية تكون حصيلتها من الميداليات لا تعادل ما جمعته جامايكا؟ قد يقول قائل إن الكثير من هذه الألعاب لا علاقة لها بنا وبتراثنا وحضارتنا وتاريخنا ولم نسمع بها أصلا إلا من جديد. فما لنا وألعاب الجمباز والدراجات وكرة الماء وقوارب الكاياك؟ ولكن أليست الفروسية وركوب الخيل والسباحة والغوص من صلب تراث العرب. ألم يحض الرسول الكريم على تعلم هذه الأنواع من الرياضة؟ هل من مبرر أن لا يقلد العرب المزيد من الميداليات في المبارزة والمصارعة والملاكمة وحمل الأثقال والسباحة والقفز العالي وقفز الحواجز وهذه الأنواع من الألعاب نعيشها بشكل يومي وتدخل في مكونات نسيجنا الحضاري؟ أينقص العرب المال أم المرافق أم المدربين؟ لو كان هناك ميداليات تمنح لأكثر الدول فسادا وأكثر الحكام بقاء في السلطة وأكثر الدول تبديدا للثروات وأكثر الدول التي تسمح لزواج القاصرات وأكثر الدول انتهاكا لحقوق العمال الوافدين وأكثر الدول تهميشا للمرأة وأكثر الدول تغييرا لدساتيرها لبقاء الحاكم مرة وراء مرة، إذن لعاد العرب بنصيب الأسد من الميداليات الذهبية والفضية. وأتمنى على القارئ أن يراجع قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم على موقع منظمة الشفافية الدولية ليبدأ بعدها بتوزيع الميداليات.المرأة العربية والأولمبيادثلاث دول فقط لم ترسل أي أمرأة ضمن وفودها الرياضية للألعاب الأولمبية قبل دورة لندن هذه: قطر والسعودية وسلطنة بروناي. وقد تم إيصال رسائل لتلك الدول إذا لم يكن الوفد يحتوي على الأقل سيدة واحدة فقد تحرم الدولة من المشاركة. فقامت السعودية بإرسال سيدة واحدة هي وجدان شهرخاني وسلطنة بروناي أرسلت سيدة من وفد رياضي مجموع أعضائه ثلاثة، كما ضمت قطر لوفدها أربع سيدات. نوجه التحية لهؤلاء السيدات ونخص بالذكر السيدة المحترمة وجدان والسيدة التونسية حبيبة الغريبي الحائزة على فضية سباق ال 3000 متر. لقد هوجمت وجدان من قبل المتطرفين الإسلامويين لمجرد المشاركة وهوجمت حبيبة من نفس المجموعات الأكثر تخلفا وجاهلية لظهورها بملابس رياضية تتطلب المباراة ذلك واتهمت الفتاتان بكل أنواع التهم النابية من فئات ضالة نصبت نفسها خليفة لله على الأرض وكأن الله اصطفاها لتقوم بدوره في الحساب والعقاب في الدنيا قبل الآخرة متناسين تعليمات الدين في مسألة قذف المحصنات الغافلات. وقد أثارتني فتوى أصدرها أحد هؤلاء المتخلفين والذي خاف على جسد وجدان من نهش العيون. وأود أن أؤكد للشيخ المفتي أن العقول المريضة والمحبطة والجائعة هي التي لا ترى في المرأة إلا جسدا ينهش وكومة لحم تباع وتشترى. كم أود أن أطمئن سماحة الشيخ بأن الألوف الذين حطوا الرحال في لندن والملايين الذين يتابعون المباريات على الشاشات لم يخطر لأي واحد منهم أن الهدف من حضوره أو متابعته نهش أجساد المتسابقات بعيونه، ولو أراد ذلك لذهب إلى البحر أو النوادي أو الحدائق العامة، بل الهدف الأول والأخير الاستمتاع بالمهارات الخارقة لشباب وشابات من كل الكون والانبهار في كيف استطاع هؤلاء نتيجة التدريب والمثابرة أن يرتقوا بقدرات الجسد ليصل إلى حد الإعجاز. إن الذي يتابع الحركات الجميلة والخارقة لفتاة في سن السادسة عشرة وهي تعرض مهاراتها على المتوازيين لا يفكر أن ينهش جسدها بعيونه إلا إذا كان مريضا نفسيا بحاجة إلى علاج. كما أود أن أطمئن هذه الجماعات أن لا أحد يفكر بهذه الطريقة إلا من نصب نفسه قيما على أعمال البشر وحصر فكره المتخلف في جسد المرأة يصدر حوله الفتاوى دون وازع أو رادع أو خشية متلحفا بعباءة الدين وكم خادعة تلك العباءة وترتكب تحتها وباسمها الكثير من المعاصي والموبقات أكثر مليون مرة من ظهور سيدة محترمة في رياضة علنية لا تخرج عن قواعد الأخلاق والأدب والحضارة والتقدم. بل إن فوز سيدة عربية مثل حبيبة الغريبي بميدالية فضية مدعاة لفخر شعبها التونسي وأمتها العربية قاطبة حتى لو كان هناك مجموعة صغيرة غير راضية عنها من المحبطين والفاشلين والناعقين. وأخيرا نتمنى لأمتنا أن تبدأ الاستعداد منذ الآن لدورة ريو 2016 لعل سقوط الطغاة وانطلاق إمكانيات الشعوب في ظل من الحرية أرحب، أن يفتح مجالات أوسع للإبداع الرياضي للشباب والشابات بعيدا عن الخوف والتجريح والتدخل وفتاوى المتخلفين، لعل وعسى أن نتفوق في المرة القادمة على جامايكا.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية