عن الإلغاء الثقافي والفنانين الأشرار

تعود ظاهرة «الإلغاء الثقافي» في أيامنا لتطرح عدداً من الأسئلة الاجتماعية المهمة، فمن الولايات المتحدة إلى أوروبا وصولاً للعالم العربي، نرى صراعاً حول المنتج الثقافي، وما يجوز عرضه وتلقيه، بالارتباط بمسائل الأخلاق والسياسة والأيديولوجيا. ليس اقتران القيم الفكرية والجمالية بهذه المسائل بالأمر الجديد، فلطالما قامت المجتمعات بعمليات إنتقاء وفرز واستعادة لأعمال ثقافية على حساب أخرى. بما يرتبط بسيرورة الصراع الاجتماعي، وتوازنات السلطة، ومدى تطور البنية الحقوقية، وما تتيحه من ضمانات تتعلق بالحريات الأساسية، الأمر الذي يؤثر على القيم الجمالية ذاتها، وذائقة الأفراد والجماعات في التعاطي معها. ورغم هذا فمن الصعب الحديث عن إلغاء ثقافي تام. فما يتم إقصاؤه اليوم قد يعود في ما بعد بشكل أقوى وأكثر جاذبية. وليس من النادر أن تقترن الهزيمة الاجتماعية والسياسة لفئة ما بانتصار ثقافي ساحق لها.
في كل الأحوال فإن عمليات الإلغاء والاستعادة هذه تحدث عادةً بشكل تدريجي، ولا ترتبط بحملات منظمة بشكل فوقي، إلا في فترات تصاعد الشمولية، عندما تقرر جهة مسيطرة ما أنه يجب تطهير الثقافة بما يتناسب مع «روح العصر» أو التقاليد والدين، أو صعود فئات أو طبقات جديدة. ويصبح على المبدعين ومنتجي الثقافة أن يحددوا أنفسهم بأطر ضيقة ليتماشوا مع ما هو «صوابي» في عصرهم. إلا أن هذه الحملات تحمل جذور فشلها في ذاتها، فمحاولة النازيين تطهير «الروح القومية» من «الفكر اليهودي» أدت إلى انتشار أفكار الفلاسفة والفنانين اليهود المنفيين على الصعيد العالمي. العريضة التي وقعها الآلاف في أمريكا لمنع عرض أعمال الفنان الأوروبي بالتوس في نيويورك لم تنفع إلا بتعريف الناس من جديد بأهمية هذا الفنان، وإعادة اكتشاف القيمة الجمالية للوحاته. منع حفلة فرقة «مشروع ليلى» في مهرجان بيبلوس اللبناني جعلها رمزاً لحرية التعبير والفن في العالم العربي، حتى موجة التشهير والنبذ التي لحقت ببعض الفنانين المتهمين بالتحرش، أو سوء السلوك الجنسي، مثل الممثل الأمريكي كيفن سبيسي، والكوميدي لويس سي كي، لم تمنع عودة بعضهم، بأسلوب جديد، مسنودين بهالة تعاطف أكبر من المعجبين. فما هي الآلية التي يرتبط بها الجمالي بالاجتماعي والسلطوي؟ ولماذا يستحيل عملياً وتاريخياً الوصول إلى حالة «النظافة» التامة، التي يعد بها الإلغاء؟

ليس مطلوباً من الفن أيضاً أن يعكس بشكل حصري تصورات النخب المعولمة عن نفسها، بوصفها أخلاقية ومنفتحة وحريصة على البيئة وحقوق الأقليات.

الجمال الشرير

كثيراً ما يعبّر المنتج الفني عمّا هو غير فني: الأخلاق، السياسة، التاريخ، الحياة اليومية، إلخ. ولكن ما يجعل الفن نظاماً اجتماعياً مستقلاً، ويميّزه عن بيئته الخارجية، هو قدرته على تحويل ما هو ليس بشكل فني إلى شكل يمكن وصفه بـ«الفن»، وفقاً لترميزات وأساليب متغيرة تاريخاً، ومتضاربة كثيراً من الأحيان. ليس السؤال هنا عن صدقية عمل فني في التعبير عن أفكار أو قيم معينة، أو مدى تطابقه معها، بل كيف انتزع مادة ما، من الطبيعة أو التراث أو الأيديولوجيا أو الذاكرة، ليجعلها مساحة للتلقي الفني. وبالتالي فالفن منفتح معرفياً على كل الأنظمة الاجتماعية والنفسية الأخرى، ولكنه لا يشتغل داخلياً إلا بمنطقه الخاص، وعندما يعالج قضايا اجتماعية غير متسامية، مثل الشر والقبح والجريمة والشهوة، فهو ينتج لها جماليات خاصة، لأنه قام بإعطائها الطابع الفني.
سبق لعالم الاجتماع الألماني نيكلاس لومان التأكيد على أن غياب التسامي والروعة من الأعمال الفنية المعاصرة لن يؤدي إلى العشوائية والفوضى الفنية، فالسؤال الذي يجب طرحه على الفنون ليس سؤال التسامي، بل القدرة على تلبية المعايير الذاتية لنظام الفن، وهي أبعد ما تكون عن العشوائية. يمكن مقارنة هذا بموقف المفكر الفرنسي لويس ألتوسير، الذي رفض اعتبار الفن خطاباً أيديولوجياً، رغم أنه لا يوجد فن لا يستند إلى أيديولوجيا عصره أو ينبع منها. فالفن الحقيقي، حسبه، يتخذ دوماً مسافة من أيديولوجيته، تمكّنه من إلقاء الضوء عليها بأسلوب جديد، هذه المسافة بالذات هي ما يفصل الفني عن غير الفني.
بالعودة لمثال لوحات بالتوس، التي وصفها البعض بالفن البيدوفيلي، السؤال الذي يجب طرحه ليس ما إذا كان اشتهاء القاصرين أمراً صحيحاً أو خاطئاً، فهذا سؤال نظام الأخلاق، بل كيف حوّل بالتوس فانتزماته ورؤاه الخاصة إلى عمل فني. أما حماية المجتمع من البيدوفيليين فهي قضية أخرى تتعلق بنظام القانون. العمل الفني بحد ذاته لا يمكن أن يُعتبر جريمة. والاعتقاد أن التعرّض لفنون معينة سيحوّل البشر إلى مجرمين أو ملحدين أو متحرشين، يعكس اختلالاً اجتماعياً، تطغى فيه الأخلاق أو السلطة السياسية أو الدين، على غيرها من المجالات الحياتية، فلا يؤدي هذا إلا للشمولية والفقر الثقافي والصراعات الاجتماعية ذات المحصلة الصفرية.
ليس مطلوباً من الفن أيضاً أن يعكس بشكل حصري تصورات النخب المعولمة عن نفسها، بوصفها أخلاقية ومنفتحة وحريصة على البيئة وحقوق الأقليات. كيفن سبيسي، المنبوذ من الجنة الهوليوودية، استطاع أن يحوّل ما تعرض له من «لا جمال»، مثل النميمة والتشهير والإدانة المطلقة غير القابلة للاستئناف، التي ينطق بها، خارج إطار القانون، جمهور وسائل التواصل الاجتماعي، والمؤسسات الإعلامية والثقافية غير المخولة بالحكم، إلى أداء فني راقٍ في متحف روما الوطني، يصرخ فيه بنبرة نيتشويه: «حمقى!». ربما كان من الطريف أيضاً لو أن فرقة «مشروع ليلى» تحدت من حاولوا قمعها، وأكدت أنها فعلاً تمثل «ليليث»، المرأة المتمردة مصاصة الدماء، حسب الأساطير العبرية القديمة.

ديالكتيك الإلغاء

في مقالة لجريدة «دي فيلت» الألمانية، تلاحظ الكاتبة هانا لومان أن «ثقافة الإلغاء»، المقبلة من الولايات المتحدة، تحمل جدليتها الخاصة: عندما تحاول فئات ترى نفسها مضطهدة ومقصاة، حقاً أو ادعاءً، نبذ أفراد معينين ومنتجاتهم الثقافية، بوصفهم مساهمين في التمييز والاختلال الهيكلي للسلطة، فإن هذا النبذ لن يؤدي إلى شطب الوجود الثقافي لهؤلاء الأفراد، فالثقافة ليست مجموعة من العناصر البسيطة التي يمكن محوها وإزالتها، بل سيمنحهم صفة الغرباء عن المنظومة. وبالتالي سيصبحون هم «المهمشين» الجدد، باعتبارهم ضحايا الضحايا، ما سيعطيهم صوتاً ثقافياً جديداً.

الفن نظامٌ مستقلٌ لا ينفي دوره الاجتماعي والسياسي، فالاستقلالية تكمن في تمييز ما هو فني عن غيره من المجالات، وأسلوب تذوقه ونقده، ولكنّ تأثير العمل الفني، الذي استوفى شروطه، يتجاوز مجاله الخاص، ويلعب دوراً في الصراعات الاجتماعية الدائرة.

الأمر أشبه بوضع من كانوا يسمّون في العصر الروماني Homines sacri (تُرجمت للعربية: «مستباحو الدم»)، أي الأشخاص الذين رُفعت عنهم الحماية القانونية، لأنهم حنثوا قسمهم بإله معين، ويمكن بالتالي لأي شخص قتلهم أو إيذاءهم بدون عقوبة، وفي الوقت نفسه يتمتعون بقداسة تمنع التضحية بهم بشكل رسمي، فهم يكونون في عهدة الإله الذي خانوه، وله وحده حق تقرير متى يُنزل العقاب بهم. هؤلاء الملعونون – المقدسون قد يكونون رمزاً «للحياة العارية» التي يمكن استباحتها، كما يرى الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، في نقده للسيادة الحديثة. ولكنَّ وضعهم من جانب آخر يمنحهم حرية واستقلالية عن التراتبية الهرمية القائمة، ما يتيح لهم الترحال والهرب، وابتكار أشكال جديدة للتعبير. بالنسبة للكاتبة الألمانية، فإن كيفن سبيسي ولويس سي كي مثالان جيدان على هذا الوضع. فقد أثبتا أنهما قادران على إنتاج أشكال إبداعية مختلفة من موقعهما الجديد. استيعاب «ديالكتيك الإلغاء» هذا قد يتيح لنا نظرة أكثر رحابة لما تحويه الثقافة المعاصرة من إمكانيات، بدلاً من النظر للبشر بوصفهم شياطين أو ضحايا.

معركة الفن

القول إن الفن نظامٌ مستقلٌ لا ينفي دوره الاجتماعي والسياسي، فالاستقلالية تكمن في تمييز ما هو فني عن غيره من المجالات، وأسلوب تذوقه ونقده، ولكنّ تأثير العمل الفني، الذي استوفى شروطه، يتجاوز مجاله الخاص، ويلعب دوراً في الصراعات الاجتماعية الدائرة. بهذا المعنى فإن المعركة حول الحريات الفنية، والدفاع عن التراث الإنساني في وجه المحاكمات السياسية والأخلاقية، هي أحد أبرز سمات عصرنا. لا يمكن الحديث عن الديمقراطية، الرغبة في التغيير أو استعادة الحقوق والحريات الأساسية، بدون فنون حرة، وإعادة الاعتبار لقيمة حرية التعبير، وهي أساس كل الحريات. يمكن لهذه المعركة أن تحرّك ركود الثقافة البورجوازية المعاصرة، التي تخلّت، بعد غياب أي منافس فعلي لها، عن كثير من قيمها، واستعدادها لحماية مكتسباتها الخاصة. كما يمكن بفضلها استعادة مفهوم «الثقافة المضادة»، في وجه طغيان فنون «التيار الأساسي»، وإلغائها كل الهوامش.
عربياً الصراع لم يتوقف يوماً، ومازالت الفرصة قائمة لخوض المعارك الصحيحة، بدلاً من الغرق في النزعات التطهرية للصوابية السياسية. فمن ساحات الثورة السودانية، وصولاً للصراعات الاجتماعية اليومية في بيروت والقاهرة وتونس، وغيرها من المدن العربية، يصبح الحق في الهتاف والغناء والرقص والكتابة أمراً أساسياً لاستعادة الناس سيطرتهم، ليس فقط على الحيز العام وموارد بلدانهم ونتاج عملهم، بل أيضاً على أجسادهم ذاتها، التي طالما تمت مراقبتها وتطويعها ومعاقبتها والحد من قدراتها. ليس الأمر ترفاً نخبوياً، بل ضرورة تكمن في أساس ما هو اجتماعي وطبقي.

٭ كاتب من سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية