عن الالتزام

حجم الخط
0

عن الالتزام

عزت القمحاويعن الالتزامالالتزام المقصود في هذا العنوان، ليس التيار الأدبي الذي يعني التزام الكاتب بقضية ما والدفاع عنها عبر نصه، وإنما تيار الجباية المالية. وكما أن الالتزام الأدبي لم يبدأ بسارتر، فإن شركات الخدمات التي تدير وتحتكر مرافق الدولة المصرية من الباطن وتسوق إلي المواطنين بوصفها آخر منجزات مابعد الحداثة الرأسمالية ليست سوي العودة المظفرة لنظام الجباية المملوكي.كان ذلك النظام الذي ينتمي إلي تيار ما قبل الكلاسيكية يقضي بمنح امتياز جمع الضرائب من مديرية أو ناحية لأحد المتنفذين علي أن يؤدي مبلغاً ثابتاً للدولة لا يحق لها بعده أن تعرف مقدار ما جمع من رعاياها أو الوسائل التي استخرج بها مكوسه والتي وصلت في بعض الأحيان إلي السحل وتقليع الأظافر والجلد بالكرباج.وكان نظام الالتزام الرث أحد أهم مساوئ تلك المرحلة الكئيبة من تاريخ مصر وأحد أسباب تقويض السلطة فيها، ولكنه ـ علي فحشه ـ لم يكن علي الدرجة من التعارض مع بنية الدولة التي يتمتع بها الآن؛ فلم يكن هناك بعد مفهوم الدولة الوطنية أو مفهوم المواطن الذي ينبغي أن يرضي عن إدراته، بما يستتبع ذلك من توافر لشروط الكرامة الوطنية والإنسانية الضروري لكل تعاقد اجتماعي حديث.في التعاقد الاجتماعي للدولة الوطنية تحتاج الإدارة أو الحكومة، أو ليكن ما يكون اسمها، إلي أن تكون موجودة في حياة المواطن، بأكثر من احتياجه هو إليها، فهذا المواطن ـ وإن لم يحتج علي انسحاب الدولة من حياته ـ لن يحتفظ لها بالفراغ الذي تركته، وإنما سيمنحه لأول عابر وهكذا يتقوض وجود الدولة المدنية.هذا هو الأثر المدمر الذي تعيه أو لاتعيه السلطة في السنوات الماضية في ظل تسابق وزرائها وإداراتها علي التقاعد المبكر ومنح اختصاصاتها لمحتكر ينوب عنها في إدارة مرافق الدولة، لتجلس بجيش موظفيها مثل مرابي تنبل يعيش من عرق الآخرين! وإلا من يفسر منح امتياز النظافة لشركات أجنبية في الوقت الذي توجد فيه إدارات الأحياء وهيئة ضخمة في العاصمة اسمها الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة ماذا ستنظف هذه الهيئة وماذا ستجمل بعد بيع المواطن للأجانب وإجباره علي التعامل مع تلك الشركات بعينها؟!بيع الزبون امتد إلي بيع الشوارع التي بدأت بشوارع وسط العاصمة وامتدت لتشمل الفراغ في أماكن صحراوية أمام الملاهي المقامة علي تخوم المدينة وأمام النوادي الرياضية. وأينما توجه الزبون بسيارته اليوم فثم ملتزم دفع للحي أو للمحافظة مبلغاً من المال ويضع عدداً من البلطجية لتحصيل رسوم الانتظار من الزبون. ولن يقف الأمر عند حدود رسوم انتظار السيارة، ففي داخل كل ناد وكل حديقة ثم ملتزم يبيع المنظر لزواره مقابل مبالغ باهظة لخدماته.وفي مقابل بضعة مئات من الآلاف أو بضعة ملايين من الجنيهات تدخل خزائن الإدارات المحلية سنوياً يصبح الخروج من البيت مغامرة لايقدر عليها غالبية المواطنين في مصر الذين لم يعد ينظر إليهم بوصفهم مواطنين بل مجرد زبائن تحت المطاردة بحيث لا يعودون يشعرون بالسلام إلا داخل جدران بيوتهم ، بكل ما ينطوي عليه هذا التصعيب للحياة المدنية من مخاطر اجتماعية ونفسية ترتد علي المجتمع كله.في مباريات الكرة، ثم محتكر عربي للبث التليفزيوني أعاق تواصل المصريين بأحزابهم الكروية، الوحيدة الموجودة علي الساحة، كما ساهم في قطع واحد من آخر الخيوط التي يمكن أن تربط المصريين مع تليفزيونهم الحي إكلينيكياً. وبفضل نظام الالتزام الجديد يمكن للعابر لشارع أية مدينة مصرية أن يري مشهداً ينتمي إلي أوائل الستينيات من القرن العشرين، عندما كانت هناك قلة تمتلك أجهزة تليفزيون يلتف حولها المئات؛ فبعد أن باعت الحكومة المصرية الزبون إلي ملتزم البث، أعاد الملتزم بيع الزبون المصر علي مشاهدة الكرة للمقاهي التي تتوفر بها هذه الخدمة وأصبحت هناك تسعيرة للمشاهدة جلوساً بالمشروب أو جلوسا بدون مشروب أو وقوفاً.إنها حلقة أخري في مسلسل التنكيل بالزبون في تفاصيل حياته اليومية.ومهما انتشر نظام الالتزام المملوكي فلم يكن من المطروح علي أكثر المخيلات شططاً تصور أن يمتد النظام ليشمل معرض الكتاب الذي أغلق أبوابه أمس! علي اعتبار أن الجمهور المثابر علي القراءة يستحق منحه جائزة وليس بيعه إلي شركة قطاع خاص ترفع ثمن بطاقة الدخول إلي جنيهين بدلاً من عشرة قروش رفعت إلي ربع فنصف جنيه خلال مايقرب من أربعين عاماً من عمر هذا الحدث الثقافي.ومثلما هو الحال في النظافة، يمكن أن نسأل في قضية تنظيم المعرض: ماذا تفعل الهيئة العامة للمعارض صاحبة الأرض، وماذا تفعل هيئة الكتاب صاحبة امتياز التنظيم، إذا كان دور كل منها ينتهي عند التعاقد مع الملتزم؟!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية