عن الانشطار الطائفي بالعراق

حجم الخط
0

عن الانشطار الطائفي بالعراق

يحيي اليحياويعن الانشطار الطائفي بالعراقلم يكن للمرء حقيقة أن يلحظ أن ثمة مشكلا طائفيا حادا بالعراق الا في أعقاب دخول الجيوش الأنجلوأمريكية له واستصدار عناصر سيادته وازاحة شتي أشكال الممانعة (المادية كما الرمزية سواء بسواء) التي كانت تطبع نظام الرئيس صدام حسين وثوت خلف كل مظاهر التحامل عليه لدرجة أضحي أمر اسقاطه شأنا استراتيجيا بامتياز.والواقع أنه لو تم التسليم بوجود اشكال طائفي من نوع ما بعراق ما قبل الاحتلال، فانه لم يكن بالحدة ولا بالقوة (ولا بالراهنية حتي) التي شهدها عقب غزوة آذار (مارس) ونيسان (أبريل) من العام 2003 علي الأقل في ظل أكثر من عقد ونصف حوصر خلالها البلد برا وجوا وبحرا وتم الشروع في الاجهاز علي وحدته من خلال ثلاث مناطق حذر جغرافية استشعرنا عبرها من حينه البعد الطائفي الذي يحكم الاستراتيجية الأنجلوأمريكية في التعامل مع عراق المستقبل . واذا كان من التجاوز حقا الالتفاف علي التنوع الطائفي الذي طبع ولا يزال يطبع التركيبة الاجتماعية للكيان العراقي منذ نشأته، فانه من غير المبالغ فيه أيضا الاعتراف بأن اذكاء نعرة الطائفية وتأجيج مداها الي ما يشبه، منذ مدة، الفلتان الطائفي انما ثوي خلفها الاحتلال بجعله عنصر المحاصصة ركيزة ترتيباته الحاضرة والمستقبلية لثلاثية الطائفة والسلطة والثروة بالعراق:ـ فتشكيل مجلس الحكم الذي رتب له الحاكم الأمريكي للعراق بول بريمر (شهورا فقط بعد سقوط البلاد تحت الاحتلال) تحكمت في توليفته الروافد الطائفية (والمذهبية والعرقية أيضا) لدرجة بدا معها الأمر كما لو أن القاسم/المفارق المشترك بين العراقيين في تقاسم السلطة انما هو القاسم الطائفي بداية وبمحصلة المطاف…لم يعمد الاحتلال فقط الي جعل الطائفية المظهر الأساس للمشهد العراقي العام، بل عمل علي شرعنتها لتغدو المعطي الناظم لكل مجريات ما بعد سقوط بغداد. ـ والانتخابات، كما توزيع المناصب كما التعيينات بالادارات والسفارات وما سواها، حكمتها الخلفية الطائفية واعتمد فيها مبدأ المحاصصة الطائفية كما لو أن لا مقياس آخر بالامكان علي أساسه افراز نخب سياسية تدير حال العراق تحت الاحتلال أو تفتح له في السبل مستقبلا للتداول السياسي علي السلطة كما وعدت بذلك ديموقراطية الاحتلال . ـ وتكوين الأحزاب (كما انشاء المنابر الاعلامية والفضائيات) كما تأسيس الميليشيات (وأعضاء الجيش العراقي أيضا) انما تم بالاحتكام الي مبدأ الطائفية الذي بات مصدر الهوية والانتماء والعنصر المحدد للتباري علي السلطة وبلوغ سدة الحكم .لم يقتصر الأمر عند حد اعتماد المحاصصة الطائفية كنمط في تحديد آليات اللعبة السياسية الجديدة ، بل اتخذت كمرتكز أساس باستحضاره أفرغت العديد من الوزارات والجامعات من كوادرها (لتعوض بمقربين من الطائفة) واعتمدت سياسات في التهجير والتطهير والتصفيات ثوت خلفها ميليشيات لم تعرف منذ احتلال العراق من ولاء الا ولاء الطائفة والعشيرة أو الحزب المعبر عنهما شكلا وبالمضمون، بل قل ان السقف الطائفي (والمشترك العقائدي) هو الذي أضحي الخيط الناظم للعملية السياسية التي ارتضت لنفسها الاشتغال من بين ظهــراني الاحتلال وتحت حمايته وعلي هدي من توجيهاته. وعلي هذا الأساس، فان عنصر الهوية (المرتكز علي العروبة والاسلام والانتماء للوطن الواحد) قد تحول ليتخذ له من الركيزة الطائفية المرجعية والفلسفة… والهوية أيضا.ليس من المبالغة في شيء القول بأننا، بالعراق المحتل، انما بازاء شرخ في التركيبة الاجتماعية يبرز مشهدها العام كما لو أن الكل بات مع الكل ضد الكل… دونما فارز جوهري اللهم الا فارز الطائفة أو العشيرة أو القبيلة (أو المذهب الديني) بصورة بدائية قاتمة أو متخذة لها تلوينات سياسية في اطار الحزب أو الجمعية أو الهيئة أو التكتل العقائدي وهكذا… لكنها بالأساس عنصر تناحر وتمنع يتقاتل بموجبها أبناء الوطن علي خلفية من الانتماء البدائي للطائفة أو للعشيرة أو للقبيلة أو لغيرها. انها (الطائفية أقصد) غدت العزوة بامتياز، بالاتكاء عليها تتحدد موازين القوة وبالركون اليها يؤشر علي قوة هذا الطرف أو ذاك. وهو أمر لا يعبر فقط عن ضيق أفق سياسيي العراق الجدد ، بل وأيضا عن عدم نضجهم السياسي واحتكامهم الي أشكال في الصراع هي بدائية بكل المقاييس. واذا كانت الاستراتيجية الأنجلوأمريكية قائمة، في توجهاتها الكبري علي الأقل، علي تقسيم العراق الي دويلات ثلاث أو أكثر (وهي التي مهدت بالأمس لذلك من خلال مناطق الحذر وتمهد له اليوم عبر تجذير الطائفية لدرجة اعتمدت في توزيع أطياف الهاتف المحمول) فانها تتخذ من الخاصية الطائفية الغاية والوسيلة وتدفع بجهة انمائها وتطعيمها لتصبح، بمرور الزمن، أمرا مستساغا، مقبولا ومبررا فضلا عن كل هذا وذاك. لا تعلن الاستراتيجية اياها ذات الغاية (تماما كالمتشبعين بالطائفية من أبناء العراق)، بل تدفع بها بالمضمر وتشجع أدواتها (الفردية كما الجماعية) حتي تغدو بقوة الأمر الواقع حالة طبيعية يقبل بها العراقيون (في ظل الفيديرالية غالبا) كما لو أنها المخرج من حالة الاحتقان الطائفي التي لازمت العراق لعقود طويلة… أو هكذا يقال.ليس من الموضوعية في شيء أن ينكر المرء التركيبة الطائفية التي تميز المجتمع العراقي (فهي لازمة تاريخية قائمة)، لكنها كانت ولعهود طويلة مضت أيضا، مصدر تنوع وعنصر تمازج وأداة تواصل بين أبناء العراق. بالتالي، فهي لم تغد عنصر فرقة وممانعة (ومدخلا للتقسيم) الا في ظل الاحتلال… لكنها لن تفتأ بزوال هذا الأخير أن تعود الي صورتها الأولي… صورة عنصر التمازج المرتكز علي مقومات الحضارة العربية/الاسلامية بتلويناتها المختلفة.واذا سلم المرء بأن ظاهرة التناحر الطائفي أضحت قائمة (ومحيلة حتما علي الاقتتال الأهلي ان تم الدفع بها الي أقصي مدي ممكن)، فان المطلوب هو العمل علي تجاوز الحالة اياها باعادة استنبات جسور التواصل بين التقسيم الطائفي الحاصل وبين المشروع الوطني الذي تدفع به المقاومة وتتخذ منه شعارا للتحرير.ليس من حق كائن من يكن أن يزايد علي العراق تنوعه الطائفي (أو العرقي أو المذهبي أو ما سواها)، فهو (التنوع أعني) كان ولا يزال مصدر ثرائه وغناه. وبالقدر ذاته، فليس من حق أحد (اللهم الا حماة الاحتلال ودعاة الفرقة والاقتتال) أن يخلق منه نعرة للاحتراب والاقتتال والتقسيم…واذا كانت ظروف التقسيم قائمة اليوم ويدفع بجهتها بقوة، فاننا نتساءل عن الكيفية التي من خلالها سيقتسمون فيما بينهم حضارة العراق وجغرافية دجلة والفرات…المخترقة لكل بساتين العراق. ہ باحث وأكاديمي من المغرب 8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية