من الأدوات المتاحة في موقع التواصل الاجتماعي، فيسبوك، والتي كثر استخدامها في الآونة الأخيرة، أداة البث الحي، أي أن يصور أحدهم مقطعا للفيديو، ويجلس خلفه، ينتظر التعليقات، أو يجلس على مقعد أو سرير أو حتى على الأرض في أي مكان في الدنيا، ويتحدث في كل شيء، وينتظر التعليقات أيضا.
ولأن فيسبوك يعتبر البث الحي، أمرا هاما كما أعتقد، تأتي التنويهات إلى وجوده، لتطارد أصدقاء الصفحة التي يبث فيها الفيديو، ودائما ثمة همسة صغيرة تتكرر مرات عدة، بأن هناك من يبث فيديو في هذه اللحظة.
أنا شخصيا لست من عشاق البث الحي، ولم يحدث أن تابعت بثا حيا حتى لو كان المتحدث يبث تقريرا حيويا هاما، أو يتحدث عن تخصص أعمل فيه، إلا نادرا وبناء على اعتبارات معينة. ولطالما استغربت من ذلك الزمن الطويل الذي يقضيه أحدهم في تصوير حائط صلد، أو حوش مغبر في بلدة مغبرة، أو شجرة تهتز مع الريح، وأولئك الذين يكتبون التعليقات، ويظلون يكتبون حتى نهاية المقطع أو ملل الشخص الذي يبثه.
هناك سياسيون مغمورون، يظهرون هكذا، يشتمون الأنظمة والقوانين، ويتلقون الشتائم ويذهبون. هناك كتاب مغمورون بدرجة بعيدة، يتحدثون عن تجارب لم يسمع بها أحد، ويعثرون على الكلمات الروتينية: رائع، جميل، مبدع، ويذهبون ليأتوا مرة أخرى في بث جديد، وهكذا. وعثرت مرة حين تابعت مثل هذا البث، بدافع المعرفة، على ولد صغير يتحدث عن حبه للآيس كريم، خاصة آيس كريم الفانيليا، وهناك للأسف من يتابع، ويكتب عبارات الابتهاج بكل أريحية.
أيضا دخلت منذ عامين إلى صفحة واحدة تبث الفيديوهات الحية طوال اليوم، حين كنت أريد توظيف تلك الأداة في نص روائي، كنت أريد أن أفهم ضرورة البث المستمر وإن كان مهما لدرجة أن يترك الناس أشغالهم ويتابعونه بالتهليل، والعبارات الرنانة، وعثرت على ما كان مدهشا فعلا. إنها مشادة افتراضية طويلة المدى بين أشخاص عدة، من الواضح أنها ابتدأت منذ زمن وما تزال مستمرة بالحماس نفسه، مشادة فارغة ولا شيء آخر.
ومنذ فترة أرسل لي أحد الافتراضيين رسالة، قال فيها إنه مطرب عظيم لكن الإعلام لم ينصفه، وقد اعتاد على بث أغنياته مباشرة أثناء تأليفها وتلحينها وقبل أن يسجلها لأي جهة، ودعاني لمتابعته والكتابة عن عبقريته التي لم يكتب عنها أحد حتى الآن.
في البداية استغربت من اختيار المغني العظيم لي بالذات لأقوم بهذه المهمة، ولم يُعرف عني أكثر من كوني كاتبا فقيرا، أقصى ما أفعله أن أقرأ أو أكتب رواية، وأحيانا أكتب عن روايات أعجبتني، وروايات لم تعجبني أيضا، ولم يحدث أن كتبت عن أغنية أو مغن، أو شريط سينمائي. وجربت مرة أن أكتب عن الفن التشكيلي، مستندا إلى تجربة أخي فيصل، ولم أستطع أن أقرأ اللوحات جيدا، فأقلعت. لكني ما لبثت أن تذكرت اختلاط الحابل والنابل الافتراضيين في مجتمع مثل مجتمع تويتر وفيسبوك وأنستغرام، وأن أي شخص مهما كان لا يصلح لشيء، تجعله الافتراضات يصلح لكل شيء. ودليل على ذلك تلك الكلمة الفخمة المستخدمة في كل وقت، وفي حق أي شيء، وأعني بها كلمة: رائع، وهناك كلمة أخرى تستخدم بكثافة أيضا، وهي كلمة: أنيق، وهنا لا تعني جودة الملبس وتناسقه وإنما تعني تناسق الإبداع، وهو شيء قد لا يكون موجودا كما ذكرت.
علقت إذن في قناة المغني الافتراضي، ووجدت نفسي أستمع لأغنيات بلا أي مغزى عاطفي أو اجتماعي أو وطني، أغنيات تردد بطريقة الراب، التي يمكن قول أي شيء فيها من دون الالتزام بكلمات مصاغة سلفا، أو لحنا طيعا شجيا. ولا أبالغ إن قلت أن أي فظاعة محتملة وغير محتملة، يمكن حشرها بسهولة في أغنية من تلك الأغنيات.
كتبت للمغنى في رأيي في قناته المباشرة وأنها مضيعة للوقت، وعليه إن أراد أن يصبح عظيما فعلا، أن يحسن صوته وأداءه ويلجأ إلى متخصصين في الغناء يعلمونه الحيل الفنية. لم يرد وقام بحظري، وكانت سعادة كبيرة أنني حظرت عن تلك الصفحة بالذات وكنت سأشعر بحرج كبير وأنا أغادرها طوعا.
بعض الذين يبثون ذلك البث الحي، متمكنون بلا شك، وفيهم إعلاميون إما تقاعدوا عن العمل في الإذاعة والتلفزيون في بلدانهم، أو ما زالوا ينشطون، وهؤلاء لا يفتحون الكاميرات على الفراغ أو الهلوسة، ولا يضغطون على أحد ليشاهد ما يبثون. إنهم في الغالب يتابعون أحداثا مهمة، يودون توثيقها وإيصالها للناس مباشرة. ونعرف نحن الذين نعمل في الثقافة أن التونسية سماح قصد الله، والسورية نوال الحوار، والفلسطينية بديعة زيدان، على سبيل الأمثلة، يمددننا ببث حي لأحداث كثيرة نحتاجها، وإن كنت شخصيا لا أتابع كل ما يبث حيا كما ذكرت في البداية، لكن غيري يتابع بكل حرص.
بالنسبة لاستخدام البث الحي في الدعاية للمادة الثقافية، مثلا أن يتابع البث كتابا جديدا من لحظة خروجه من المطبعة، حتى استلامه بواسطة الناشر، ويتابع في ما بعد استلام المؤلف له، والحديث عنه، ليس بالضرورة في ندوة أو أمسية، وإنما في أي مكان وحتى في الشارع العام. أظنها فكرة ليست سيئة، وما دام الناس يبثون أي شيء ذا قيمة وبلا قيمة، فلتكن المادة الثقافية جزءا من ذلك البث.
التقنيات في الإنترنت كثيرة بلا شك، وفي كل يوم تظهر تقنية جديدة، أو يتم تطوير تقنية موجودة أصلا. كان رفع الفيديو مثلا على موقع يوتيوب سابقا، لا يتم إلا للأفلام القصيرة التي لا تتعدى دقائق معدودة، والآن يمكننا الحديث عن ساعات، وأفلام طويلة يمكن مشاهدتها كاملة.
أخيرا أنوه إلى أنني أكتب آراء قد تكون خاصة بي وقد تكون مشتركة بيني وبين آخرين، لكن في النهاية هي آراء، تحتمل تقبلها وعدم تقبلها.
* كاتب سوداني