د. عبدالوهاب الأفندي
خلال الأسبوعين الماضيين أعلنت الولايات المتحدة عن عزمها بيع أسلحة متطورة لدول خليجية في صفقة تقدر بأكثر من عشرين مليار دولار، كما أعلنت إدارة جورج بوش عن تقديم مساعدات عسكرية لدول عربية علي رأسها مصر، وذلك بهدف دعم الدول العربية المعتدلة بحسب التصنيف الأمريكي ضد الدول غير المعتدلة، وهي حالياً سورية وإيران.
ويأتي هذا القرار أيضاً في إطار تقديم دعم أمني واقتصادي لحكومات لبنان ولرئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية ضد المعارضة في كل من لبنان وفلسطين علي التوالي، إضافة إلي بناء تحالف بين هذه الدول العربية المعتدلة وبين الحكومة الإسرائيلية البعيدة عن الاعتدال حتي بهذا التوصيف بغرض خدمة السياسات المدعومة أمريكياً وغربياً في المنطقة.
ولكن هذا التحالف لم يكن علي ما يبدو من الصلابة التي ظهر بها، حيث أن إسرائيل اعترضت علي بيع الأسلحة المتطورة للسعودية، وقامت علي طريقتها بعملية ابتزاز مزدوج. فهي من جهة أصرت علي أن تشارك السعودية علناً في التحالف المعتدل عبر مشاركتها في المؤتمر الذي دعا إليه الرئيس بوش لمناقشة القضية الفلسطينية، كما طالبت بفرض قيود شديدة علي نوعية الأسلحة المقدمة للسعودية ومكان نشرها وطرق استخدامها. وهي من جهة أخري استخلصت من الإدارة الأمريكية وعوداً بتقديم أضعاف ما ابتاعته الدول العربية بحر مالها من الأسلحة الأمريكية مجاناً علي شكل معونات، وبصورة أكثر تطوراً وأفضل نوعية، حتي يتم حفظ التفوق النوعي الإسرائيلي علي كل العرب بحسب رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت.
وتصب التحركات الأمريكية الحالية توجهاً قديماً جديدة لإعادة صياغة المنطقة العربية بما يعززالتيارات الموالية ويضعها في مواجهة ما يري علي أنه تيارات معادية. ويعود هذا التوجه إلي مطلع فترة الحرب الباردة، حيث سعت الولايات المتحدة مع حلفائها الغربيين إلي بناء أحلاف تضم المعتدلين، مثل حلف بغداد والحلف الإسلامي وحلف السنتو، وهي أحلاف لم يكتب لها النجاح، سعت إلي توحيد الأنظمة الموالية للغرب في باكستان وإيران والمنطقة العربية في كتلة موحدة ضد الأنظمة التي يخشي أن تميل إلي الاتحاد السوفييتي. الطريف أنه لم تكن هناك في تلك الفترة الأولي أي أنظمة عربية معادية للغرب (تماماً كما أن سورية وإيران لا تشكلان أي تهديد لبقية الدول العربية في الوقت الحالي)، وأن ظهور هذه الأنظمة جاء تحديداً كرد فعل علي السياسات الغربية والتدخلات المتعسفة في المنطقة ضد طموحات الشعوب. هذه السياسات استمرت بعد قيام الأنظمة الراديكالية في مصر والعراق وسورية وليبيا وسورية واليمن والجزائر، وتركزت في دعم الأنظمة المعتدلة التي انضمت إليها مصر بعد كامب دايفيد (1978)، وهـــو العـــام الـــذي شـــهد أيضاً اندلاع الثورة الإيرانية وبدء الحديث عن الخطر الإسلامي. الثورة الإسلامية في إيران، التي كانت بدورها نتاجاً طبيعياً للتدخل الأمريكي في شؤون إيران الداخلية منذ الانقلاب علي حكومة مصدق المنتخبة ديمقراطياً في عام 1953، أعطت المبرر لسياسة تدخلات جديدة شاركت فيها للأسف أنظمة عربية كثيرة رضيت أن تلعب دور المدافع عن المصالح الأجنبية في المنطقة، بل وافتخرت بهذا الدور. وقد كانت النتيجة الحرب الدموية بين إيران والعراق وما نتج عنها من إزهاق لمئات الآلاف من الأرواح وتمزيق المنطقة وتدمير موارد الشعوب.
وقد فتحت حرب العراق بدورها الباب أمام التدخل الأجنبي المكشوف عبر الأساطيل الأجنبية والقواعد العسكرية في الخليج، كما أدت إلي كارثة غزو الكويت والتدخل المباشر لخلق وجود عسكري أجنبي دائم في المنطقة، وحصار العراق ثم غزوه والتمهيد لصدام يلوح في الأفق مع إيران. وقد امتازت هذه المرحلة بعسكرة السياسة الأمريكية في المنطقة، بمعني الاعتماد المتزايد علي القوة العسكرية لإخضاع المنطقة، والاستغناء عن الدبلوماسية والمؤسسات الدولية أو استخدامها كمجرد أدوات مساعدة للقوة العسكرية. وهي أيضاً نفس السياسة التي اتبعتها إسرائيل منذ غزو لبنان عام 1982، وهو غزو استظل باتفاقية كامب دايفيد وتفاهمات مع دول عربية أخري كما تم تحت ساتر الحرب العراقية الإيرانية.
ويلاحظ أن المرحلة الحالية في السياسة الأمريكية في المنطقة تسعي إلي تعزيز هذا التوجه، كما ظهر من اعتماد الدعم العسكري لدول الخليج والمعونات العسكرية لمصر والأردن والسلطة الفلسطينية، وأيضاً الاعتماد علي قادة عسكريين مثل برويز مشرف في باكستان، والدكتاتوريات المعروفة في المنطقة. وتأتي هذه التحركات بعد انحسار مؤقت لهذا التوجه في أعقاب كارثة غزو العراق التي مثلت القمة في اعتماد الحل العسكري لخلافات سياسية. فقد كان الهدف من غزو العراق كما أكد السياسيون الأمريكيون وقتها إعادة تشكيل المنطقة عبر أسلوب الاستعمار القديم المباشر، ثم تعميم هذا النموذج، عبر المثال أولاً، وعبر العبرة ثانياً. فمن جهة كان مهندسو هذه السياسة يعتقدون أن تحويل العراق إلي ديمقراطية مزدهرة بحد السيف سيثير حسد وغيرة بقية الشعوب العربية، ويدفعها إلي الاقتداء بها. ومن جهة أخري فإن عملية الغزو في حد ذاتها وظهور استعداد أمريكا إلي سلوك هذا الطريق الوعر سيكونان رادعاً لكل من تسول له نفسه تحدي الإدارة الأمريكية. وقد استشهد بعض عرابي هذه السياسية بمسارعة ليبيا إلي تسليم مركبات أسلحتها النووية بغير قتال للتدليل علي نجاعة هذه السياسة.
بعد تحول غزو العراق إلي واحدة من أسوأ كوارث السياسة الخارجية الأمريكية في العصر الحديث، واضطرار الإدارة إلي تسول الدعم لسياستها المتهاوية ممن كانت تهددهم بها، بمن في ذلك قادة إيران، لم يعد هناك مجال للحديث عن التمادي في هذا التوجه، مما أدي إلي خفوت الأصوات التي كانت تصدع به، وسقوط أو تواري الكثيرين من رموز هذه السياسة من أمثال دونالد رامسفيلد وبول وولفويتز وغيرهما. ولكن التصدعات (الإضافية) التي وقعت في الجبهة العربية مع حرب لبنان الأخيرة والخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية، وتصاعد المعارضة ضد الأنظمة العربية التي شاخت وفقدت مبرر وجودها، كل ذلك أطمع إدارة بوش وبعض الجهات الغربية الأخري في أن تعاود الكرة. وقد وجدت في الزعامات العربية شريكاً متحمساً في هذا المشروع، حتي لا نقول مطية ذلولاً.
هناك بالطبع إشكالية متأصلة في هذا الترتيب، تنبع من أن هذه الشراكة هي ثمرة فشل مزدوج. فالولايات المتحدة أجبرت علي التعامل مع هؤلاء الشركاء العرب بعد فشل خيارها الأول في التصرف الفردي في العراق والمنطقة، بينما ينطلق الشركاء من نفس المنطلق، بعد فشلهم في تحقيق الاستقرار الداخلي أو القدرة علي التحرك اقليمياً. وهذا الفشل هو بدوره عربون فشل قادم، حتي في مهمة مواجهة إيران. والسبب هو نفس السبب الذي أدي إلي الفشل والعجز في مواجهة إسرائيل، وقبل ذلك إيران والعراق، ألا وهو البنية السياسية المشوهة التي تجعل الأنظمة في حالة حرب مع شعوبها. حالة الحرب هذه ليست موجهة ضد الشعوب فقط، بل ضد الدولة نفسها: ضد مؤسساتها من قضاء وخدمة مدنية وجيش، وضد الاقتصاد الذي ينخر فيه الفساد ويمنعه من تحقيق الفعالية. ولهذا فالبالرغم من الإنفاق الخرافي علي التسليح لم تبلغ الدول المعنية قدرة عسكرية تجعلها قادرة علي الدفاع عن نفسها ضد إيران أو العراق أو إسرائيل. الفئة الحاكمة في كل بلد عربي لا تريد لقضائها أن يكون فاعلاً حتي لا يغل يدها في التصرفات الاستبدادية، ولا تريد للجيش أن يكون مهنياً مقتدراً لأنه قد يهدد تفردها بالحكم. ومثل ذلك في كل مؤسسة عامة أو خاصة. إضافة إلي هذا فإن هذه الأنظمة تمزقها الصراعات بين مراكز القوي وأفراد الأسر الحاكمة وأقرباء الزعماء.
من هنا فإن مراهنة الإدارة الأمريكية علي جواد الاعتدال العربي هو رهان خاسر، لأن هذا ليس اعتدال الإرادة والقدر، بل هو اعتدال العجز والحيرة، اعتدال من يريد الانحناء للريح من أي مكان هبت، ومن لا يردون الماء إلا عشية، إذا صدر الوراد من كل منهل. ولهذا فإن وضعهم في خط الدفاع الأمامي عن أي قضية هو أقصر الطرق لخسارتها. فمن كان عن مقاتلة إسرائيل عاجزاً فهو عن منازلة إيران أعجز. وما ستقدمة أمريكا من أسلحة ومعدات لهذه الأنظمة هو مثل عدمه، لأن الإشكال لم يكن يوماً نقص المعدات والأسلحة وإنما فقدان الإرادة لاستخدامها.
لكي تصبح الدول العربية شيئاً يحسب حسابه، سواء في معسكر الاعتدال أو التطرف، فإنه يتعين أن تتحول هذه الدول إلي أوطان عوضاً عن وضعها الحالي كضيعات خاصة للزعماء. الأوطان يحميها أبناؤها الذي يشعرون بالمساواة في ملكيتها، ويجدون الكرامة في أحضانها. أما الضياع الخاصة فلا يدافع عنها إلا المرتزقة، محليين أو أجانب.