عن «الثلاثاء الأحمر» في غزة وتقارب حروب نتنياهو الأبدية مع إملاءات ترامب ورؤيته المسيانية

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

الشيء الوحيد الذي يتقنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو إعلان الحرب والتلويح بشعارات «النصر الكامل»، وهو يعرف ومن معه من اليمين المتطرف الذين دفعوه لانتهاك وقف إطلاق النار الذي رضي به وبمباركة أمريكية في شهر كانون الثاني/يناير، أنهم لا يستطيعون تحقيق النصر، حتى بعد تحويلهم غزة إلى أرض يباب وصحراء قاحلة، باتوا يحلمون بالعودة إليها وتحويلها إلى شقق سكنية، ويتنافسون مع الرئيس الأمريكي في حلمه لامتلاك القطاع وتحويله لمنتجع خاص لكل العالم وليس لسكانه.
وبعد 18 شهرا على الحرب المدمرة التي تشنها إسرائيل في غزة والضفة الغربية، لا يبدو أن النصر الذي يريده نتنياهو قد تحقق، وهي في النهاية هروب من أزماته الداخلية إلى الأمام. ويحب نتنياهو وجنرالاته التفاخر والظهور بمظهر القوة الغاشمة، ففي 18 كانون الثاني/يناير شنت الطائرات الإسرائيلية أكبر حملة غارات على القطاع منذ بداية الحرب في 7 تشرين الأول/أكتوبر وأدت الغارات لمقتل أكثر من 500 فلسطيني غالبيتهم من الأطفال والنساء.
وكان اليوم الأكثر دموية، حيث وقت نتنياهو العملية في الساعة الثانية من صباح ذلك اليوم، وحولوه إلى «الثلاثاء الأحمر» ومات الكثيرون حالا وظل البقية تحت الأنقاض على أمل إنقاذهم.

لا يريد السلام

ويجمع كل من راقب المشهد الدموي أن العودة إلى الحرب هي ما تناسب نتنياهو الذي لم يكن يرغب بالمضي في اتفاق المراحل، وحاول فرض تسوية على حركة حماس لتمديد المرحلة الأولى، وإطلاق سراح نصف الأسرى الباقين دفعة واحدة مقابل 51 يوما من الهدنة.
لكن حماس التي التزمت بالهدنة وأفرجت عن 38 أسيرا مقابل إفراج إسرائيل عن أكثر من 1.500 أسير فلسطيني في سجونها، أصرت على بنود الهدنة والمضي نحو المرحلة الثانية بما فيها من تسليم ما تبقى من أسرى لدى حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة ومتابعة الحديث عن اليوم التالي. ويبدو أن هذا اليوم هو ما رسمه نتنياهو أو ما يريده اليمين له من بقاء دائم في القطاع واستمرار تركيع الفلسطينيين، كما يفعلون في الضفة الغربية. وليس غريبا أن يهدد إسرائيل كاتس، وزير الدفاع باحتلال أجزاء من غزة وضمها إلى إسرائيل، إن لم تفرج الحركة عما تبقى من أسرى لديها.

تغيير المنطقة

ولم يغيرنتنياهو استراتيجيته للحرب التي يرى فيها أن القوة هي الكفيلة بالإفراج عن الأسرى، مع أن الحقيقة هي أن معظم من أفرج عنهم كان عبر المفاوضات وليس الحرب المدمرة التي أدت إلى مقتل أكثر من 60.000 فلسطينيا
وتشعر إسرائيل اليوم وبعد هجمات حماس في عام 2023 أنها قادرة على إعادة تشكيل المنطقة. فقد تراجعت عن اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان وأكدت أنها ستحتفظ بخمس نقاط في الجنوب. وفي سوريا لم تتوقف الطائرات الإسرائيلية عن غاراتها ضد المواقع العسكرية والقواعد وباتت تهدد النظام السوري بأنها ستظل محتلة للجولان والمنطقة العازلة، بل وتريد إبقاء الجنوب السوري من القنيطرة والسويداء حتى درعا منطقة منزوعة السلاح، في تحد للإدارة الجديدة التي تسعى للحصول على اعتراف دولي يفضي لرفع العقوبات التي فرضت أثناء النظام السوري السابق لبشار الأسد. أما في الضفة الغربية التي تعيش أوسع حملة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في كانون الثاني/يناير فتهدد إسرائيل إلى جانب ضمها، لتقسيمها إلى مناطق معزولة، كما ورد في الصحافة الإسرائيلية. وتقوم إسرائيل نتنياهو بفرض حقائقها بعيدا عن الضغط الدولي، وبشعور من انتصر، فهي ترى أن حماس باتت ضعيفة، وكما أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» (20/3/2025) فهناك اعتقاد لدى المسؤولين الإسرائيليين ومسؤولين أمنيين عرب بأن حماس قد ضعفت. وكان تأخرها عن الرد على تدمير إسرائيل اتفاق النار متأخرا، حيث أطلقت ولأول مرة منذ عدة أشهر صواريخ ضد إسرائيل. ويعتقد محللون أن حماس لا تزال قادرة على التسبب بضرر للقوات الإسرائيلية، وربما كان تأخر الرد جزءا من استراتيجية الانتظار ولمعرفة ما إن كان الهجوم الإسرائيلي هو محاولة للضغط عليها للإفراج عن الأسرى أم عملية عسكرية واسعة، حيث دخلت القوات الإسرائيلية منطقة بيت لاهيا، فيما أمرت سكان الشمال لإخلاء المناطق التي عادوا إليها.
ويعتقد نتنياهو أن سياسة الضغط على حماس قد تجدي، حيث منع دخول المساعدات الإنسانية وأغلق الكهرباء قبل أن يعلن شن العملية الأخيرة. وحمل كعادته حماس مسؤولية رفض مقترحه تمديد المرحلة الأولى، لكن الحركة التزمت كما تقول صحيفة «فايننشال تايمز» (20/3/2025). ودعت الصحيفة إلى العودة لوقف إطلاق النار، قائلة إن دونالد ترامب وهو الزعيم الوحيد الذي يتمتع بنفوذ على نتنياهو شجع الأخير. فمع أن فريقه ساهم بالتوسط في اتفاق وقف إطلاق النار متعدد المراحل الذي أُبرم في كانون الثاني/يناير، لكنه كشف عن خطة خطيرة لإفراغ غزة من الفلسطينيين وأصدر تهديدات عدوانية ضد حماس بالتزامن مع نتنياهو. وعندما أوقفت إسرائيل إيصال جميع المساعدات إلى غزة وقطعت آخر خطوط الكهرباء هذا الشهر للضغط على حماس، التزمت إدارة ترامب الصمت. وعندما استأنفت إسرائيل هجومها على غزة، دعم البيت الأبيض الهجوم وانضم إلى إسرائيل في إلقاء اللوم على حماس. وتضيف أن نتنياهو رفض مرارا إنهاء الحرب أو سحب قواته سعيا وراء أهدافه المتطرفة. ولم ينخرط قط في محادثات جدية بشأن المرحلة الثانية. وعوضا عن التعاون مع الوسطاء، أطلق نتنياهو، في ظل الضغوط الداخلية والتدقيق في فضائحه، العنان لجيشه. وهناك سبب يدفع منتقديه إلى اتهامه بتقديم مصالحه على مصالح الإسرائيليين. فالقصف وإراقة المزيد من الدماء لن يؤدي إلا إلى تعريض حياة الأسرى للخطر، ولن يعجل بإطلاق سراحهم. وإذا كان ترامب جادا في وعده الانتخابي بإحلال السلام في الشرق الأوسط، فعليه أن يبدأ باستخدام نفوذه الكبير لوقف المذبحة في غزة. وهو نفس ما أوردته صحيفة «واشنطن بوست» (19/3/2025) في سياق الربط بين غزة وأوكرانيا، حيث قالت إن ترامب لن يكون صانع سلام لو لم يضغط على نتنياهو والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وقالت إن كلا الزعيمين لديهما مصالح داخلية في استمرار الحرب، وبالنسبة لنتنياهو، فقد حذر المتشددون في ائتلافه من أنهم سيتخلون عن حكومته إذا وافق على إنهاء الحرب بشكل دائم بينما لا تزال حماس تشكل تهديدا. لكنه وضع الأسرى الأحياء المتبقين في غزة الذين احتجزتهم في النسيان. وبعد عام من الهجمات الجوية المدمرة والعمليات البرية الإسرائيلية التي دمرت الكثير من البنية التحتية للأنفاق وترسانات الأسلحة لحماس، فإن الحركة حريصة على التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب تماما. ومع ذلك يسعى نتنياهو وبوتين لتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه من الحرب. فنتنياهو لا يزال يعتقد أنه قادر على محو حماس ولا يريد أي دور لقوات حفظ سلام دولية أو للسلطة الوطنية في رام الله.

عقيدة الحرب

ويرى سايمون تيسدال في صحيفة «الغارديان» (18/3/2025) أن أول وآخر قاعدة في عقيدة نتنياهو هي الحرب الأبدية، ويجب عدم منح السلام فرصة، وتساءل إن كانت الهدنة الغالية التي تمسك بها الغزيون قد انتهت، مجيبا أن السؤال لا يهم في النهاية، لأن وقف إطلاق النار تمزق إلى مليون قطعة، كان وقفا مخادعا للنار لأن الحرب لم تنته أبدا. فهي لم تتوقف لأن نتنياهو لا يزال في منصبه بسبب حالة الطوارئ المتواصلة التي تمسك بها هو وأنصاره وأطالوا أمدها منذ هجمات 7 أكتوبر 2023. ولم تتوقف الحرب لأن هدف نتنياهو الأسمى وهو تدمير آمال الفلسطينيين في إقامة دولة، محكوم عليه بالفشل. ولم تتوقف لأن أولئك الذين ينتقدون تصرفات الحكومة الإسرائيلية، داخل إسرائيل وخارجها، يواجهون الاستبعاد والإساءة بزعم أنهم يتصرفون ليس بحسن نية أو بدافع الفزع من الخسائر البشرية، بل بدوافع معادية للسامية. ولعل الأهم من ذلك كله، أن الحرب التي اندلعت قبل 18 شهرا مستمرة لأن نتنياهو وشركاءه من القوميين اليهود اليمينيين المتطرفين والمتدينين المتطرفين وجدوا فيها وسيلة لتحقيق الهدف الأكبر المتمثل في إسرائيل الكبرى. إنهم وحلفاؤهم من المستوطنين العنيفين يستخدمونها كذريعة لتوسيع نطاق الاستيلاء على الأراضي وترهيب السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة. ومع ذلك فنتنياهو لا يريد التوقف رغم تدمير غزة ومقتل عشرات الآلاف وتهجير مليوني غزي، لمعرفته أن اليمين المتطرف لن يتسامح مع أي قرار ينهي الحرب. واللافت للانتباه أن إيتمار بن غفير الذي استقال بعد توقيع الهدنة، سارع بالعودة إلى الحكومة بعد استئنافها. ومن هنا فنتنياهو يشن معركة بقاء وعلى كل الجبهات، ضد انتخابات مبكرة وضد مدير الأمن الداخلي «شين بيت» رونين بار وضد لجنة التحقيق في أحداث أكتوبر وضد أي صفقة تؤدي للإفراج عما تبقى من الأسرى، كما قال عاموس هرئيل من صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية. ويلقى نتنياهو الدعم من ترامب الذي يهدد كل الأطراف في الشرق الأوسط، من حماس إلى الحوثيين وإيران. ويشعر الرئيس الأمريكي في عالمه المبسط أنه قادر على إعادة تشكيل المنطقة العربية من خلال إرادته الإمبريالية، ولكنه يتجاهل التاريخ، فعلى خلاف باراك أوباما في خطاب جامعة القاهرة عام 2009 الذي حلم فيه بنهضة ديمقراطية، يشعر ترامب بانه قادر على الإملاء واستخدام القوة الغاشمة. وفي فلسطين التي يخيم عليها الظلام، تلتقي عقيدة ترامب المسيانية وعقيدة الحرب الدائمة لنتنياهو. ولا أحد يدري ماذا يحدث ومن سيساعد الناس العزل الذين لا يستطيعون مساعدة أنفسهم.
وحسب ألوف بن، محرر صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية الذي كتب مقالا في صحيفة «الغارديان» (20/3/2025)، فما يريده نتنياهو هو التخلص من سكان غزة وأعدائه في الداخل وإبقاء حكمه المستبد وسلطة اليمين المتطرف للأبد. وقال إن نتنياهو ورئيس هيئة الأركان الجديد عبروا عن نيتهم للعودة إلى الحرب وسحق حماس وللأبد. وقد أعطتهم إدارة ترامب اليد المطلقة والحرة ضد الفلسطينيين. وكان مقترح ترامب بتهجير مليوني نسمة من قطاع غزة مثل «تدخل» العناية الإلهية لليمين الذي يدعو ولعقود لطرد الفلسطينيين من الأراضي المحتلة. وما كان ينظر إليه تقليديا على أنها فكرة متطرفة وهامشية، أصبح الآن سياسة أمريكية، مقنعة بقناع «حل إنساني» بدل اسمه الحقيقي: جريمة حرب صريحة. بمجرد أن طرح ترامب هذه الفكرة، حظيت بدعم واسع بين الأغلبية اليهودية في إسرائيل كعقاب مناسب على هجمات أكتوبر. ولا ريب أن نتنياهو يعول على تحقيق مكاسب سياسية أخرى من استمرار الحرب على غزة، فإلى جانب تمتين جبهة اليمين، كما تقول صحيفة «الغارديان» (18/3/2025) وإن جاء على حساب مطالب عائلات الأسرى التي اعتبرت أن نتنياهو ضحى بأبنائهم الذين لا يزالون في الأسر. وانتقد الجنرال المتقاعد عاموس يادلين، الرئيس السابق لمديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، بأن استئناف الحرب بينما لا يزال الأسرى في غزة سيقوض فعالية الجيش في العمليات هناك ويضر بالروح المعنوية. وكشفت صحيفة «فايننشال تايمز» (20/3/2025) في تقرير عن تشتت قدرات الجيش للقتال في أكثر من جبهة وأثر هذا على جنود الاحتياط. إلا أن نتنياهو لا تهمه هذه بقدر ما يهمه تمرير الميزانية في 31 آذار/مارس حسب صحيفة «واشنطن بوست» (18/3/2025) التي نقلت عن مسؤولين ومحللين قولهم إن نتنياهو بعودته للحرب، لم يسع فقط إلى تحويل انتباه الرأي العام، بل وتعزيز أيضا ائتلاف حاكم قادر على مساعدته في تجاوز أهم عقباته السياسية. وبينما كان نتنياهو يستعد للدخول في مناقشات حساسة مع شركائه في الائتلاف بشأن الميزانية هذا الأسبوع، هدد بعض أعضاء الأحزاب اليهودية المتشددة المتحالفة معه بحجب أصواتهم وإفشال إقرارها. وفي النهاية يكشف قتل نتنياهو لهدنة رعتها أمريكا أنها لا تساوى الحبر الذي كتبت به.

مجزرة رمضان

ورآى ديفيد هيرست في مقال بموقع «ميدل إيست آي» (19/3/2025) توقيت الغارات التي تزامنت مع تجمع السكان للصلاة وتناول السحور رغم قلة الطعام، ما جعلها أسوأ عملية ذبح في غزة خلال الأشهر الـ 18 الماضية. و«هكذا أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن بداية عهد جديد في الشؤون العالمية بموافقته على موجة من الهجمات التي انتهكت كل بنود اتفاق وقف إطلاق النار، الذي وقع بحضور الضامنين الدوليين. وفي خطوة واحدة، حول ترامب الغرب الذي تزعم بلاده قيادته إلى غرب متوحش». وبات الرئيس الأمريكي الذي أقنع أئمة سذجا في ميتشغان بأنه صانع سلام بل وحتى المرشح المحتمل لجائزة نوبل للسلام، يستخدم الآن وصف «فلسطيني» كإهانة سياسية ضد السياسيين الديمقراطيين اليهود. والرئيس الذي تعهد بوقف جميع الحروب شن أو سمح، غارات جوية في اليمن وغزة ولبنان وسوريا في آنٍ واحد، ويتوعد بتصعيد خطير على إيران إذا لم تستجب لمطالبه.
وهي تهديدات مصيرها الفشل، فهو لن يكون قادرا على هزيمة الحوثيين التي تقول مجلة «إيكونوميست» (20/3/2025) إن حملات بايدن فشلت في الحد من قوتهم، كما أن تاريخ اليمن يعطي صورة عن هزيمة القوى الخارجية التي حاولت فرض إرادتها على اليمن. وبحساب النسبة والتناسب، فالحوثيون في اليمن لديهم قاعدة شعبية أكبر من تلك التي يتمتع بها حزب الله في لبنان، كما ان شعبية الحوثيين ارتفعت في العالم العربي. وعليه فمحاولات ترامب للقضاء عليها أو أخذ إيران بجريرة ما تعمله، فكرة خاطئة وواهمة، بل وستؤدي إلى حرب إقليمية. وذكرت مجلة «بوليتيكو» (18/3/2025) أن محدودية القدرات الأمريكية وتصاعد الأزمات بالمنطقة تعتبر عائقا أمام تحقيق أهداف ترامب في القضاء على الحوثيين. ورآى الصحافي دبليو جيه هينيغان في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» (20/3/2025) إن لغة الصفقة وليس القوة هي الكفيل بمواجهة إيران. وأشار إلى أن استراتيجية ترامب غير المتوقعة لاحتواء تكنولوجيا الصواريخ والأسلحة النووية الإيرانية وضعت واشنطن وطهران على مسار تصادمي يحمل في طياته احتمال اندلاع أزمة أوسع نطاقا في الشرق الأوسط. وإذا كان جادا في التوسط للتوصل إلى اتفاق لكبح جماح البرنامج النووي الإيراني، فعلى إدارته التراجع عن التصعيد الحالي.
ومن الواضح أن العنصر الإكراهي في هذه الحملة لا يجدي نفعا. فقد أصبحت طهران الآن أبعد عن طاولة المفاوضات، والقيادة الإيرانية تبدي تحديا متزايدا بشأن المشاركة، واصفة إطار البيت الأبيض للمحادثات بأنه يتبع منطق الاستسلام وإلا.
وأكد الكاتب أن هناك زخما جيوسياسيا يدفع إيران نحو التوصل إلى اتفاق، مشيرا لأحداث العام الماضي. مضيفا أن ما يقلق إيران أكثر هو اقتصادها المتعثر. ورغم ما يحمله حصول إيران على القنبلة النووية من مخاطر، إلا أن إدارة ترامب ليس لديها أي خيارات عسكرية جيدة في إيران. وقد حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الضغط على ترامب لتدمير منشآت الأسلحة النووية الإيرانية في عملية جوية مشتركة. لكن من غير المرجح أن تلحق ضربة عسكرية بالبنية التحتية النووية الإيرانية، التي يقع معظمها في أعماق الأرض، أضرارا لا رجعة فيها. ثم هناك خطر إضافي يتمثل في بدء حرب أوسع.

لم يتعلم من الدروس

وفي النهاية لن تجدي لغة التهديد والوعيد في تحقيق الاستقرار بالمنطقة. ومن السهل بدء الحروب أكثر من وقفها. ويرى دينس روس، المبعوث الأمريكي السابق للشرق الأوسط، أن الولايات المتحدة عاشت بعد انهيار المنظومة الشيوعية لحظتها كقوة هيمنة عالمية وحيدة، إلا أن العالم قد تغير ولن تستطيع أمريكا تجاهل الديناميات الجديدة. وجاء في مقال نشرته مجلة «فورين أفيرز» (19/3/2023) أن على أمريكا المقاربة بين النهايات والوسائل في الشرق الأوسط وأن تعود إلى ممارسة سياسة الدولة. فبعد محاولات فاشلة أو نصف فاشلة لإعادة تشكيل المنطقة، يجب على ترامب إن أراد النجاح، استيعاب هذه الحقيقة. فبعض أهدافه، مثل إنهاء الحروب في غزة وأوكرانيا، جديرة بالثناء، لكنها هائلة لدرجة أنها ستتطلب من الولايات المتحدة بذل كل ما في وسعها. وحتى في هذه الحالة، ستحتاج واشنطن إلى مساعدة بعض شركائها. ورغم موقف ترامب من حلفائه باعتباره مستغلين لأمريكا، إلا أنه سيكون من الصعب عليه إنهاء الحرب في غزة بدون دعم الدول العربية، تماما كما سيكون من الصعب فرض «أقصى ضغط» على إيران بدون موافقة من شركاء الولايات المتحدة. وإذا أرادت إدارة ترامب استعادة الولايات المتحدة لهيمنتها، فعليها أن تحدد كيف تنوي القيام بذلك وما تحتاجه لتحقيق النجاح. قد يبدو هذا الكلام بديهيا للغاية. لكن التاريخ الأمريكي مليء بالسياسات الخارجية التي فشلت لأن الرؤساء لم يتمكنوا أو لم يرغبوا في حشد الموارد الكافية لتحقيق الأهداف التي حددوها لأنفسهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية