نائل بلعاويما الحب؟… ما الموت؟.. كيف يفتح الاول: (هذا الجاذب الابدي) درب الرجوع.. او ربما البحث الطوعي عن الثاني: (سليل الظلام) ! ؟… ما القوة الخفية الجامعة، حين يكون الحب هو المرجع والهدف، بين النقائض.. تلك التي نخالها لا تلتقي، ولا يصح تساويها.. كيف نساوي الحب بالموت.. الرحيل بالرجوع.. الولادة بعذابات المرض، والجنس بآطلاق الرصاص على السجين؟
قد لا يصح ولا يجوز، قد لا نوفق بالعثور على المفيد من المرجعيات العلمية او العقلانية، الموكلة اليها مهمة تبرير ذاك اللقاء غير العلمي او العقلاني بين المتناقضات، ولكننا، حين نذهب قليلا: للبحث في كتب التاريخ والاديان وانواع الادب، كما الاساطير بأنواعها، سوف نٌصدم هناك بأمثلة بديعة عن اشكال ذاك اللقاء البديع بين الشيء وضده، لنعرف حينها، وبصرف النظر عن مستويات المنطق، ان وجدت اصلا، في تلك الحكايات والكتب: ان الحب والموت: (علامات الوجود الاهم) هما الظل الواحد.. المتداخل للبقاء الادمي، فلا قوة قادرة على فصل الظل عن نفسه.. هي: (القصائد وحدها القادرة، هي الحالمة بذاك الانجاز الخرافي.. وهي التي تطاله خارجيا على الاقل، ولكنها لا تناله في الحقيقة ابداَ)، لان القصائد، يضيف باتريك سوسكيند (1949 امباخ / المانيا) في واحدة من فقرات كتابه الجميل: (عن الحب والموت)..(لانها عكس المنطق.. هل نستطيع تمديد القصائد فوق مشرحة في كلية الطب؟ كيف نحلل دم القصيدة في المختبر؟ او نخضعها لشروط الفلسفة ونظريات تفسير الكون؟).. يستحيل يجيب صاحب (العطر) روايته الاسرة.. لكننا نستعين بالشعر و: (الاديان والاساطير: على الحب والموت، نعمل عبر المصادر الشفافة وغير المنطقية تلك على تفسير ما هو شفيف وغير منطقي ايضا.. تبدو المعادلة صحيحة وعادلة في ان، فما هو عكس منطقي يتم تفسيره بمنطقه كذلك)، فالحب، عند سوسكيند، هو اللامنطق، والموت هو اللامنطقي الكبير، وعلينا، والحال هذه، ان نبحث عنهما معا،: (لان سيرهما الاثير يدا بيد هو الذي طغى على صور الوجود)، وهو الذي يترك الباب مشرعاَ، منذ عرفنا اصول التدوين ونقل الحكايات، امام نزوح الشعر والادب (حال الاساطير والاديان في السابق) الى تلك الثيمات المركزية عاملين (او هكذا نعتقد) على تفكيك سحرها الازلي.
لا يفكك سوسكيند، او يحاول تحليل: (ما لا يفسر بسهولة ويسر)، ولا يصل، بالتالي، الى خلاصات محددة حول ما يفكر به: (بصوت مرتفع لا اكثر)، بل يعاود: (احياء الاسئلة التي اعتدنا على طرحها بلا فائدة) ولاسباب مجهولة.. هي ذات الاسباب التي تدفع الشعراء للكتابة عما لا يعرفون: (لا يكتب الشعراء، كما هو معروف، عن ما يعرفون، بل، ولدوافع غير معروفة: يكتبون عن ما لا يعرفونه.. من اجل الوصول لمعرفة واضحة).. هي المعرفة: (التي لن تكتمل) كما يؤكد في موضع اخر من الكتاب، فما يقدمه الحب من صور غير متخيلة (لا منطقية غالباَ) وغير متزنة كذلك، لن تساعدنا على ادراك جوهره الفعلي او ارهاصاته وتجلياته المدهشة: (في اول العشرين من عمرها.. جميلة، جذابة، تدعوك مرغما لاستحضار المثير من الصور الايروتيكية، على العكس من جارها على المقعد المجاور: ضخم الجثة.. بليد الملامح، سيىء الثياب وكذلك النظرات وسلوك الجسد.. لا شيء يذكر فيه بجاذبية الذكر.. ولكن العشرينية تضمه بفرح، تقبله بشغف لا يمكن اغفاله.. يصدها هو بلا اكتراث، وتعاود هي بلا انقطاع)! ؟ راقب سوسكيند ذلك (المشهد الغريب) في سيارة مجاورة لسيارته اثناء فترة الانتظار الاجباري على الطريق العام: (مجبرا اوقفني الازدحام المروري ومجبراَ راقبت المشهد الغريب في السيارة المجاورة)، وهو المشهد الذي سيعتمده الكاتب كواحد من ثلاثة امثلة يشير عبرها الى غرابة هذا الشيء الذي نسميه الحب: (هل هو الحب.. الجنس.. دوافع لا اعرفها: تجمع تلك الجذابة الجميلة مع رفيقها القبيح!)، وهو السؤال عينه الذي يقدمه المثال الثاني ويفرضه: (تحولت حفلة العشاء الكبيرة المقامة على شرفهما، الى حفلة لمراقبة سلوكهما الغريب، اذ لم يكن لهما من هم طوال الوقت سوى تبادل القبل الحارة وكلمات الغزل المسموعة على الرغم من التصاقهما الملفت للانظار ببعضهما البعض.. هو راقص مشهور وفي اول العقد الخامس من العمر، ذكوري الملامح وجميلها. وهي في السبعين من عمرها على الاقل.. شقراء، لم يبق الكثير، لتحتفي به، من مفاتنها السابقة)! ؟ اما المثال الاخير فهو لكاتب ذائع الصيت: (في الخامسة والسبعين.. متزوج منذ اربعة عقود وله ستة من الاولاد والبنات. تآخذه الصدفة، مع زوجته وابنته الكبرى، الى فندق في زيوريخ، حيث سيتعرف خلال اقامته المؤقتة هناك على النادل الشاب فرانس..). لم يكن فرانس، والكلام الان لتوماس مان (1875- 1955) الذي تحدث عن تلك الحكاية بنفسه في يومياته للاعوام 1949 – 1950: (لم يكن فرانس قد بلغ العشرين من عمره بعد.. وسيم، انيق، سريع الحركة، وشديد اللباقة حين يقدم لك شيئا، او يضع الكأس فوق الطاولة)، وكان مان الذي اورد سوسكيند حكايته مع (الغلام المقدس)، قد اعترف في تلك اليوميات بحرارة ذاك اللقاء وما يمليه عليه حضور فرانس من: (ايحاءات ابروتيكية ورغبات لم احسب انها موجودة اصلا) ولن تصل في نهاية المطاف ذروتها يضيف سوسكيند: (لم يفاتح الكاتب غلامه المشتهى بما احس او رغب.. بقي الامر في نفسه هو، قبل ان يتحول الى قصة موحية ومثيرة في كتاب..). الى مستويات هلامية.. تخييلية، اكثر مما هي حسية: تنتمي حكاية الكاتب الشهير مع الصبي فرانس: (انها رغبة الكائن البشري بالعثور على حب الهي تجسده جماليات المعشوق.. بالرغم من تدخل الهواجس الايروتيكية وطغيانها احياناَ، اذ لا تناقض يذكر هنا.. اليس الحب هو كل هذا وذاك..)، وهي حكاية: (لا تمت للمشاعر المثلية بصلة.. كان يمكن للصبي فرانس، ان يكون: الصبية فرانسيسكا، في استحضارات الكاتب، كما كانت اولريكه عند غوته مثلا).. فالمغزى العميق لهذه القصة هو في: (التأكيد على ان الحب: هو وحده المنشود عند صاحبه، هو المطلوب، حتى لو كان من طرف واحد فقط، كما هو حال كاتبنا الذي لم يخبر غلامه بمشاعره ابداَ) على العكس مما تشير حكاية الراقص الخمسيني والشقراء السبعينية اليه: (يبدو الحضور الايروتيكي، بمعناه الجنوني والكلي، هو المسيطر الفعلي على العلاقة الغريبة بين الاثنين.. انه الحب: يجد الخمسيني نفسه في بحر من التجسيدات الملموسة التي تقترحها المخيلة الجنسية عليه، فيسبح بنشوة وفرح، ويعشق حقاَ سبعينيته الشقراء: مصدر تلك التجسيدات).. انه الحب: (في كلا الحالتين) اعلاه يضيف سوسكيند، وربما هو الحب عينه في مثال العشرينية والقبيح: (حيوانية الدوافع هي العلاقة بين الفتاة التي تجسد الحد الاعلى للصورة الايروتيكية وذاك الذي لا يمت لتلك الصورة بصلة.. هي العلاقة التي تسير بعيداَ عن معابد آفروديت الساحرة: شاعرية البعد. وتقترب اكثر من الغابة الحيوانية للرغبات.. ولكننا لا نستطيع ان ندينها، او نطيح بها، فهي حالة اخرى، مرضيًة ربما، من حالات الحب: متعدد الامراض والوجوه.). هو الحب اذاَ: يظهر حين لا ننتظر، يتمثل الغريب والمدهش من الصور، وينعكس في ما لا يعد او يحصى من الرغبات، مرضًية او عادية كانت.. ايروتيكية فاضحة كما في حالة العشرينية والقبيح، ام عاطفية وتخييلية كما هو الحال عند الكاتب الشهير… لا فرق يؤكد سوسكيند في ثنايا كتابه الرائع: (هو الحب سيد اللامنطق) فكيف: (نُدين ما نحن عليه..) وكيف نخرجه عن سياقاته الروحية والبيولوجية او الثقافية والتاريخية ونسقط الصارم من المنطق عليه: (ندينه حين يبتعد.. حين نركض خلفه ولا نصل، لاننا نريده، كما نريد تفسيراَ لهذه الجدلية الخرافية التي تربطه دائماَ بالموت)؟ ؟
بعيداَ يذهب باتريك سوسكيند بحثاَ عن جدلية الحب والموت، يستقصي الحكايات القديمة، ويفتش الاساطير والمعاني الدينية، المسيحية تحديداَ، كما القصائد والروايات، فهناك: في ذلك الارث الانساني الهائل كان الحب، كما الموت، هما المربط الواحد للفرس، هما الثنائي الذي لا ينفصل ولا يمكن فصله: (حين يقترب الحب: يحضر الموت… النقائض تلتقي في غير موعدها ولكنها لا تكف عن اللقاء الاسطوري هناك..)، كما لا يكف العاشق عن ترديد نشيده الاثير: (احبك كالموت يقول العاشق لعشيقته… الى الموت سآحبك.. اخاف عليك من الموت.. اخاف ان اموت ولا احبك كما اريد) و: (افديكم بنفسي، قال المسيح لقومه: الحب والموت يمتزجان في لحظة استثنائية يعكسها جسد النبي على الصليب.. آكان في موت المسيح، هو الذي آعاد الميت للحياة: دلالات عميقة على فكرة اللقاء المؤكد للنقائض.. ؟)، وماذا عن خيار اورفيوس ان يذهب طائعا: (في ظلام العالم السفلي بحثاَ عن طرائق يعيد عبرها زوجته من غياهب الموت الى الحياة.. الم يقدم نفسه، هو الاله الاغريقي المعمد للموسيقى ومفاتن الانشاد، عوضا عن عشيقته.. الحب نظير الموت هنا في حكاية اورفيوس، كما هو الحال في الحكايات جميعها..). لمرات عديدة يستحضر سوسكيند حكاية اورفيوس، وما تشير، من سلوكيات ادمية، اليه: على العكس من المسيح: (الهي المعنى كان المسيح في حياته وموته.. رمز الحالة وليس الحالة بعينها، ولكنها حالة من التوحد الاعلى، بكل الاحوال، بين الحب والموت) في حين كان اورفيوس: (اكثر تمثيلا لنا نحن البشر، في حكايته الكثير مما يدل علينا: عشق روحي وحسي يفرض شكلا من اشكال التضحية العالية.. انساني المعنى كان اورفيوس، والهي الفكرة كان المسيح..). لكنه الحب، يكرر سوسكيند لمرات ومرات، هو الخالق الابدي لما لا نستطيع تصوره من صور وحالات.. هو الاسطوري الواقعي الحسي الهلامي الذي نصدقه ونؤمن بما لديه من سحر وطاقات عجيبة على الامتاع.. كما التعذيب، ولا نكف، بين هذا وذاك، عن اللحاق به.. نطارده، ونعرف ان: (شيئاَ ما: هوالموت، سينتظر، في نهاية الطريق).. ولكننا لا نكف: (نحن ابناء اللامنطق) ولن نكف عن جنون استحضاره، او العمل على استعيابه وتفكيك اسراره.. تلك الاسرار الاسرة التي شغلت: (كل شيء من حولنا)، كما شغلت باتريك سوسكيند نفسه في نصه البديع المكثف.. هذا النص الذي يشبه القصيدة: كثافة ومعنى، ولا يمكن وصفه بدقيق العبارة واختصارها سوى بالرفيع والشفاف.. مثل الحب، وربما الموت ايضاَ.
نائل بلعاوي2012الكتاب بالالمانية’ber liebe und todpatrick s’skind- عن الحب والموتباتريك سوسكيند– عن دار ديوجنيز للنشر والتوزيع، زيوريخ / سويسرا 2009 – جميع الفقرات الواردة بين اقواس في النص اعلاه هي من الكتاب.- صدر لباتريك سوسكيند المولود العام 1949 في امباخ / المانيا، الاعمال التالية: – كونتراباص: مونولوج مسرحي من فصل واحد، 1981.- العطر / حكاية قاتل: رواية. 1985. تحولت العطر الى فيلم سينمائي معروف العام 2006.- الحمامة: رواية، 1987.- حكاية السيد سومر: رواية 1991.- ثلاث قصص: مجموعة قصص، 1995.- عن الحب والموت. دراسة / 70 صفحة من القطع الوسط / الطبعة الاولى 2006.