عن الحياة والموت والهجرة والمحيط والغابات.. أي كل شىء!

حجم الخط
0

‘شجرة الحياة’ آخر افلام شاعر هوليود تيرينس مالك:

تيم روبياعلن الأسبوع الماضي عن افتتاح فيلم تيرينس مالك الجديد ‘شجرة الحياة’ في بريطانيا الشهر القادم، الرابع من أيار/مايو.

الذي كان يتوقع استقبال النجمين براد بيت وشون بن في شارع كروازيت لليلة الافتتاح العالمية بعد أسبوع هو الوحيد الذي يستطيع أن يتخيّل الصدمة بين منظمي مهرجان كان السّينمائي. الأخبار ما كانت ستسر الموزعين الآخرين الذين مهدوا لطرح الفيلم في السوق العالمية، أو أننا، كما أظن لم نسمع بنهاية هذه الملحمة.

بشكل أو بآخر، مالك فقط يمكنه أن يثير كل هذا الصخب بين صناع الأفلام البارزين في العالم. ليس هناك مخرج آخر على قيد الحياة يحيط بمواضيع أعماله تلك الرهبة والترقب المتوتر يغذيه انتظار طويل على محبيه تحمله بانتظار عمل جديد.

بمعايير مالك- إن الفترة التي انقضت منذ فيلمه الأخير، والذي هو من أفضل أفلام 2005 ملحمة بوكاهنتس العالم الجديد- أطول قليلا من ومضة عين- غيابه 20 سنة بين أيام السماء (1978) والخطّ الأحمر الرفيع (1998) وكامل مادة الفيلم بنيت على الأسطورة. ومع ذلك، عندما تأخذ في الاعتبار بأن بدء تصوير ‘شجرة الحياة’ كان في أوائل 2008، مع ميل لإطلاق الفيلم خلال عام 2009، فإن التأجيل كان تعذيباً كافياً.

أكثر من ذلك، من المفترض أن مالك قد أنهى تصوير مشروعه القادم، الذي سمي مبدئيا (الدفن)، مع بن افليك، ريتشيل ماك آدامز، ريتشيل ويز وخافيير باردم في الأدوار الرئيسية. وبمعدل عمله الحالي، يمكن أن نتوقّع بأننا سنمتع أنظارنا به في وقت ما من العام 2017. بسبب دقته المتفانية، في مقاربته الحرفية لصناعة الأفلام، ومن جهة أخرى بسبب السرية المطلقة التي تغلف مشاريعه، فإن فيلم مالك يشكل أكثر من كونه حدثاً – له تلك الخصوصية الطقسية والنشوة المرافقة لكشف المستور.

في جعبته أربعة أفلام فقط، إثنان ما زالا قيد التقييم، لكن البعض يقول بأنّه لحد الآن لم يصنع ما هو أقل من أن يكون تحفة نادرة. النوعية المميزة لأعماله السينمائية وضعته في نادي الصف الأول بين أفضل صناع السينما المختارين، حتى بوجود جين فيجو.) (LAtalante، Z’ro de Conduite وتشارلز لوتن (ليل الصياد) ، كل منهما كان عمره في المهنة قصيراً.

تعود أسطورة مالك إلى ما قبل ظهور فيلمه الروائي الأول، ‘الأراضي الوعرة’ 1973، الذي لقي إشادة كونه أعظم ظهور سينمائي لمخرج أمريكي منذ ‘المواطن كين’. ولد في 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 1943، اما في أوتاوا، إلينويز، أو واكو، تكساس، ولك أن تختار المصدر الذي تصدقه.

من أصول آشورية تعود إلى الجيل الثاني، كبر وهو يعمل في حقول النفط قبل التخرج من مدرسة سان ستيفن الأسقفية في أوستن، درس الفلسفة في هارفارد على يد الموسيقار الذي أصبح مفكّراً ستانلي كافيل، وتابع كطالب بمنحة دراسية في كلية مجدلين في أكسفورد.

تعلمه لفلسفة القرن العشرين أوصلت مالك للسينما أكثر من أي شيء آخر – بالتأكيد أكثر من أفلام الآخرين. كلا الهدوء والاضطراب، حساسيته غير المعهودة في أجواء هوليوود كما في صناعة أفلامه الغريبة غرابة الطيور الاستوائية؛ في الحقيقة، علم الطيور يلعب دوراً متكاملاً في عمله أكثر من الخدع المبتكرة أو الإيماء إلى هيتشكوك.

يمكن القول على وجه اليقين بأنّه الرجل الوحيد الذي حصل على كل من إقناع كولن فاريل بمنحه الظهور الأكثر رقة في فيلم ( العالم الجديد) وأيضاً بنشر ترجمة هايدجر، جوهر الأسباب (في 1969). هي عوالمه الداخلية، الوثيقة الصلة بعزلة منيعة، ما يضفي على أعماله مثل هذا الغموض المثير.

كيف انتهى به المطاف في صناعة الأفلام؟ بعد امتهانه للصحافة والتعليم، عمل على اتصالات جيدة مع معهد الفيلم الأمريكي، ما قاده إلى أعمال في تعديل النصوص في هوليوود، التي تحظى بتقدير كبير، وأجر جيد يعطى لكتاب الصناعة الأكثر شهرة.

إنه تناقض مالكي غامض آخر بأن هذا العملاق السينمائي المفكر دافعاً الأجر مع هذا الشكل الأكثر ربحا لأثر أدبي. في الحقيقة، اليد الخفية لمالك كانت على أفلام المخرجين الآخرين التي ترددت باستمرار خلال سيرته المهنيه.

له يد في كتابة (مصروف جيب الجريمة الغربية) لستيوارت روزينبرغ (1972) و- هذه النظريات الأكثر ديمومة – ما قيل بأنه كتبت مسوّدات أولية لكلا هاري القذر (1971) وكرات النار العظيمة السيرة الذاتية لجيري لي لويس! (1989). في البدء، سمعته عن الكمال الشديد والإلهام المنافس المتقلب الذي لستانلي كوبريك – هو شهير بقدرته على ترك النصوص ورمي المخططات لمطاردة غروب الشمس، التقاط تموجات العشب في الريح أو ببغاوات موثقة لنصف يوم، تاركا الممثلين جالسين في مقطوراتِهم، ينتظرون دورهم.

إنه يتلمس طريقه إلى الفيلم ومن خلاله، حتى النهاية المريرة لعملية التحرير، محدقاً في بكرات لانهائية. بضعة مخرجين فقط ‘يجدون الفيلم أثناء تحريره’ مثل مالك. التصوير البارد كحجر لمرح القاتل في جريمة حقيقيِة في فيلم ‘الأراضي الوعرة’ ربما تمثل المقطع الأكثر انضباطا وشدا في رواية القصة، شكراً إلى ميزانيته الصغيرة الاقتصادية المفروضة.

القصّة، مع ذلك، آخر شيء في اهتماماته. مسعاه أبدا إلى سينما شاعرية، مهدداً برمي مراكب النصوص مرة واحدة، مما هيّج النقّاد ضده وبنفس الوقت في أحيان كثيرة أكسبه الأنصار.

عند النظر للأسباب التي دعت الممثلين للاصطفاف منتظرين دورهم للعمل معه، يجب أن تزن الحقائق. هذا ليس بالأمر السهل: معاركه مع ريتشارد غير، الذي لعب دور العامل، الدور العابر للقرن في المدهش الجميل ‘أيام السماء’، كانت مشهورة حتى قبل إطلاقها.

ولكن بالنظر إلى العروض التي حصل عليها – مارتن شين تماماً هو إيحاءِ من لكوبولا Apocalypse Now ، لكن ليس بنصف جودة كيت الشحام القلق في الأراضي الوعرة، يتقمص الشخصية بحرفية، الاهمال الواضح مثل جينز مهترئ. يعطي سبسيك المخنث لمالك امكانية لسحبها من الغموض ويقولبها إلى الممثلة التي أصبحت عليها. هولي في دور الراوية، شين المراهقة البغي، أعجوبة غير مؤثرة مخيفة، حقّقت مفخرة أيضاً مِن قبل ليندا مانز، التي لعبت دور أخت ريتشارد غير الصغرى في ‘أيام السماءِ’. نجاح هذين الفيلمين الأولين أطلق مالك كفنان مهم وأصيل في الوقت الذي كانت فيه هوليوود تهتم بالجيل بشكل غير معتاد. ‘أيام السماء’، رغم ذلك، كان كابوسا. أصر مالك والمصور السينمائي نيستر الميندروس على تصوير معظم الفيلم في الدقائق الـ25 التي تسبق الغروب، مما يعطي للفيلم ضوءه المائل ووهجه المتلاشي، وحازا على أوسكار أفضل تصوير سينمائي، لكن قاده إلى حد كبير لتجاوز الخطة الزمنية والميزانية.

ألف جرادة كان لزاماً عليها أن تشحن إلى مرج ألبيرتا، بينما الفول السوداني يرمى من المروحيات، محاكيا سربا هائلا. عملية المونتاج، تحديد النمط الذي ما زال قائما، أخذ عامين لإنهائه.

الذي حصل لمالك خلال العقدين التاليين هو مجرد تخمينات. كان هناك مشروع دعي Q، حول أصول الحياة، الذي يبدو أنه أصبح شجرة الحياة الآن. وتم التخلي عن المحاولة الأولى في 1983، بعد أن صرف الكثير من الجهد والنفقات في تصوير قنديل البحر في الشعب المرجانية الضخمة والجروف الجليدية المنهارة في القطب الشمالي. يكفي القول بأن النص السينمائي خالٍ من الحوار وقد أرسل إلى السلطات حيث ملأهم بالتشويش بدلاً من منحهم الثقة.

انتقل إلى باريس. وقد عرض عليه القيام بتحويل الرواية الشهيرة التي لم تحول إلى فيلم لـ د.

م توماس ‘الفندق الأبيض’ في 1989، لكنه رفض. لعب بعيداً على المشاريع المهجورة، لعب مع واكر بيرسي، أحد روّاد السينما، لاري ماكارتني، ‘زهرة الصحراء’ والنسخة المسرحية من مأساة الساموراي الياباني العظيم لميزوجوشي الحاجب سانشو، وبينهما، بحث في الفترة الضخمة المطولة في تأريخِ هوليوود.

عودة مالك في ‘الخط الأحمر الرفيع’، تبدو كأكثر معالمه بقاء في الذاكرة لحد الآن، والذي استقبل من قبل صناع الأفلام بشيء ما بين التصفيقِ الحار والحيرة المبهمة – رشّح لسبع جوائز أوسكار لكنه لم يربح شيئا.

تمت التغطية عليه بفيلم Saving Private Ryan في نفس السنة، قصيدة الحرب جنوب الباسيفيك الطموحة أبداً صادف أن كانت الفيلم المفضل للكاتب، لكني أشك في أن نفس الشيء يمكن أن يقال عن أدريان برودي، الذي اعتقد بأنّه سيحظى بالدور الرئيسي حتى رآه، وأدرك بأنّه كان الضحيّة النهائية لأساليب مالك في القص والجمع. في النهاية قصَّ حوالي خمس دقائقِ من زمن الشاشة. هناك أشجار في الفيلم تبدو جلية كما هو الآن.

بين الأسماء المشهورة حظي مالك بمساعدة فوكس في تمويل الفيلم، العديد من الآخرين (غاري اولدمان، ميكي رورك، فيجو موتينزين) وجدوا مساهماتهم حذفت جملة. مع ذلك نسخة مالك الأصلية المكونة من ست ساعات لم يتم نشرها ابدا، الثلاث ساعات التي تم قصها ما زالت مهيبة وعميقة كما لو أنها شاهد على تدمير الانسان لجنته الأرضية.

أحد أسباب انتظارنا لـ ‘شجرة الحياة’ الذي تمكنا من احتماله كان الأمل بانه سيساعد مالك بتجاوز التلقي الفوضوي لفيلمه الأخير، ‘العالم الجديد’، الذي تم عرضه على النقّاد بسرعة قبل أن يكون قد انتهى من إنهائه تماماً، ثمّ اقتطع منه 15 دقيقة عندما تم إطلاقه للجماهير.

التوقعات تنتشر حول الفيلم الجديد، مدعومة بمقتطفات من الفيلم والملصقات اللاتي تركّزت على بهائه الخالص – في حبكة تمتد عبر عقود لتغطية حياة عائلة من الغرب الأوسط، مع براد بيت الذي يلعب دور والد لبين – من الصعب التمييز. يبدو أنه حول الحياة، الموت، المجرة، المحيط، ظلال الغابات – والديناصورات. كل شيء، بكلمة أخرى.

مهما كان ما حقّقه مالك حتى هذا الوقت، فإن طموحه الكبير وأساليبه العنيدة يواصلان في جعله واحداً من هؤلاء المخرجين الذين يستحقون أن نتبعهم حتى آخر الدنيا، المكان الذي كثيراً ما أراد أن يأخذنا إليه.* ‘شجرة الحياة’ في الصالات بتاريخ 4 أيار (مايو)ترجمتها: أماني لازارعن صحيفة ‘التلغراف’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية