عن الخفة والثقل

حجم الخط
0

عزت القمحاوي الهوس بالخفة يجعل حياة الكائن المولع بالسفر أقل اكتمالاً من حيوات كل المسافرين. على الرغم من أنه لم يعمل حمالاً من قبل، إلا أن وزن الحقيبة هو أكثر ما يؤرقه قبل السفر؛ سيرتدي بنطلون الجينز لأنه الأكثر قدرة على التحمل ويكفي لأسبوع، لكنه سيحمل ـ من باب الاحتياط ـ بنطلون كتان لأنه الأخف وزنا بين كل أنواع النسيج. سيكتفي بألوان محددة من القمصان تنسجم مع لون الحذاء الأكثر خفة وراحة، سيوفر نحو الكيلو غرام إذا اشترى أدوات النظافة الشخصية بعد وصوله بدلاً من حملها، حتى الكتاب الذي يمكن أن يحمله، الأولوية عند اختياره للوزن.

يعتقد مجنون الخفة أن وزن الحقائب يشبه طقس وزن الأعمال يوم الحشر، ويشعر بالتيه عندما يرى موظف شركة الطيران وزن حقيبته على الميزان ويسأله إن كان يحب أن يصعد بها إلى الطائرة. يبتهج المجنون للسؤال مثل مؤمن نال حرية اختيار مقعده من الجنة، يفاضل بين ترك الحقيبة في مخزن العفش والتمتع بمزيد من الحرية في وقت الانتظار وبين التمسك بها للخروج بسرعة من مطار الوصول.

لا قوة يمكن أن تحرك المجنون عن هذه الخفة المدفوعة آجلاً في كل مرة. قد يحتاج إلى بعض العمليات على الكمبيوتر لا يوفرها النوت بوك الصغير بإمكانياته المحدودة (في السابق كان يفتقد الورق والمفكرات الورقية التي يعول على كرم موظفي استقبال الفنادق لامتلاكها بدلاً من حملها) وقد يضطر إلى حضور لقاء يتأنق فيه الجميع ويبدو بينهم حارسا لأحدهم، وقد تصطك أسنانه في سهرة لأنه لم يحمل ما يكفي لمواجهة البرد، أما أسوأ ما يواجهه؛ فهو ألا يتمكن من شراء أدوات النظافة الشخصية في اليوم الأول. وفي غياب فرشاة الأسنان بالذات يلتهم ثقل الإحساس بالفم كل معنى الحرية الذي كسبه بخفة الحقيبة.

مدريد ليست القاهرةسبعة كيلو غرام كان وزن حقيبة المهووس، ومع ذلك أحس بالضيق من دبق الرطوبة الخانقة التي لم تستثن بلاد الشمال، وبعد ثلاث أربع جولات من الإخفاق في العثور على بنسيون صغير اهتدى إليه من العالم الافتراضي بفضل محرك غوغل قرر المجنون التخلي عن ليلة من الحجز والدخول إلى أقرب بنسيون، للتخلص من الحقيبة ولقاء المدينة التي جاءها مشتاقاً، ثم البحث عن البنسيون الافتراضي في اليوم التالي.

وقد كان! قضى المهووس ليلته الأولى في مكان آخر، وفي الصباح ـ من دون حقيبة ـ اهتدى إلى البنسيون الوعد الذي رأى غرفه ومطبخه ولوحات جدرانه على الغوغل.

واكتشف أنه كان بالأمس يتمشى أمامه طوال الوقت، لكنه بلا لافتة، وعلى الرغم من تطابق رقم البناية مع الرقم الذي حمله في ذاكرته، انتصر للمنطق وكذب ذاكرته، إذ لم يتوقع أن يكون البنسيون متواضع السعر في هذه البناية الفخمة.

قال صاحب البنسيون الذي يظن أنه يعرف الكثير من طبائع الشعوب: أنتم العرب تعيشون بلا نظام، هنا نظام يا صديقي، رقم البناية واضح وكاف للوصول. سأله المجنون: لماذا لا تضع لافتة على خد البناية.

رد رجل البنسيون راسماً بيديه في الفضاء انفجارات ضوء النيون المستهجن، منقذاً المجنون من ضلال تصوراته: هذه مدريد، ليست لاس فيغاس ولا القاهرة، هنا لا صراخ في اللافتات، ولا أستطيع أن أعتدي على حقوق الملاك الآخرين في البناية لكي تصلني أنت بسلام!

أنت في مكانك ثق بالغوغلبعد أيام من العيش الهني، عاد المجنون سيراً من مكان ظن ألا يتوه فيه أبداً، لكنه تاه، وظل يذهب ويجيء في قفا البناية التي يقصدها، لكنه كاليوم الأول لم يصل إلى شيء. استوقف شاباً إسبانياً يمشي مع رفيقة يابانية في رقة أجهزة التكنولوجيا العالية التي احتفظت بها اليابان لنفسها كعلامة سبق بين جاراتها الآسيويات.

استمهل الإسباني المهووس لحظة، وأخرج بكل بشاشة هاتفه، استدعى محرك بحث خرائط غوغل. قال بثقة واعظ: أنت في المكان الصحيح، انعطف شمالاً ودر مع البناية ستجد أنها بنايتك. شكره وابتسمت رفيقته اليابانية من انكليزيته وانكليزية المهووس الذي فكر في أن يستأنف الحديث معه مجدداً ويسأله عن رفيقته، وإن كان بمقدوره أن يستخدم ‘غوغل إيرث’ لمساعدته في الحصول على واحدة مثلها!

غوغول علام الغيوبليس تدبير الرفيقة المناسبة على الغوغل ببعيد. منذ تأسيسه كمغامرة لاثنين من طلاب الدكتوراة في جامعة ستانفورد عام 1998 تطارد الغوغل الشكوك، بسبب كمية المعلومات التي يسعى إلى جمعها من المكتبات والحواسب الشخصية، حيث يقال إنه من خلال شريط أسفل شريط البحث يخزن معلومات عن مستخدم الكمبيوتر ومن خلال توجهاته في البحث يعرف الكثير عن مزاجه وسماته الشخصية وأصدقائه.

الآن يمتلك غوغل ثلاثة مليارات صفحة ويستقبل مئتي مليون عملية بحث يومياً، ولم تمنع الشكوك وتشنيعات محركات البحث الأخرى من انتشار عبادة غوغل الذي يتزايد عدد المؤمنين به كل يوم، يسلمونه الكثير من شؤون دنياهم؛ من البحث عن مكان أفضل لقضاء عطلة إلى أقرب مكان لبيع الحليب إلى الأخذ بأيديهم وبلجام خيولهم ومقاود سياراتهم عند التوجه من مكان إلى مكان.

باختصار، سيحدد لنا غوغل في المستقبل ما علينا أن نفعله، سلطته المعرفة. وحسب إيريك شميت المدير التنفيذي للغوغل في مؤتمر صحافي عقده مؤخراً فإن أحداً لن يكون بوسعه أن يتخلى في المستقبل عن خدمات غوغل الذي يعرف كل شيء!

أهم أسرار قوة غوغل أنه ألغى الأنصاب والمعابد تماماً، لا يذهب المؤمن إلى مكان محدد ولا يحتاج إلى تهيئة نفسية أو بدنية قبل لقاء ربه؛ فهو يحمل إلهه في جيبه. ومن غير المستبعد أن يكتمل تحول المعابد القديمة إلى متاحف، بينما تتدثر البشرية بمعطف غوغل. ومثل كل دين لن يخلو الأمر من عصاة متطلبين، ولن يكونوا سوى قلة من مهووسي الخفة الذين يتوقعون أن يتسلم منهم غوغل ملابسهم في غرفة البيت ليرتبها لهم في دولاب غرفة الفندق، مثلما طلب اليهود ـ عندما كانوا كسالى ـ مائدة من السماء.qlaqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية