عن الخوف، بلا التباس

حجم الخط
0

بلقيس الكركيمنذ أرسطو، والخوف ألمٌ سببُه توقّع الشرّ. ومهما أصبح الأخير نسبيّاً عند البشر، يبقى التعريف مناسباً لكلّ أشكال الخوف وإن اختلفت أسبابه والتبسَت وتلبَّست به مشاعر أخرى تتفاوت في درجات اللذّة والألم.الغريب أنّ هذا الإحساس، المسمّى خوفاً، مهما تنوّعت درجاته بين الحذر والرعب والذعر والرهبة والريبة والخشية والوَجل والفَزع والجَزع والهَلع، هو الإحساس الوحيد الذي يبقى حاضراً، عندك وربما عند غيرك، ثابتاً أبداً. كلّ الأخرى تروح وتجيء وتحضر وتغيب، إلاّ هو؛ وكأنّ كلّ شؤون حياتك قد تواطأت، مهما تباعدت وتنازعت، على أن تغذيَّه فيك كي ينمو ويكبر عاماً بعد عام. وهكذا، بدل أن يقودك الفكر والتجربة إلى التحرّر منه، يعيدك إلى الوراء، كي ينتهي بك الأمر فجأة، من غير أن تدري، طفلاً خائفاً حتّى من القمر (والفرق تعقّد الأسباب، وغياب الدهشة، للأسف). لو لم يكن الأمر كذلك، لما كتب ‘العجوز’ درويش في ديوانه الأخير قبل أن يموت قصيدة كاملة عن الخوف… ‘للخوف رائحة القرنفل في الطريق من الربيع إلى الخريف’؛ مرهِقاً نفسه في استعارات عن لونه وطعمه وصوته وملمَسه وأعراضه التي منها ‘انخفاض في الكرامة والحرارة’. بقي بعد كل الشعر – خائفاً من ألاّ يكتب ‘السطر الأخير من القصيدة’، ومن نفسه والآخرين: ‘أخاف عليّ من غيري، وأخشى دائماً، نفسي الشريدة.’ قبل عشرين عاماً وأكثر، كان سطر واحد يتسع لخوفه المتلبّس بمشاعر كثيرة أخرى: ‘لأنّي أحبّكِ، خاصرتي نازفة، وأركض من وجعي في ليالٍ يوسّعها الخوف مّما أخاف..’؛ ‘أخاف على القلبِ منكِ، أخاف على شهوتي أن تَصلْ’؛ ‘أخاف العيون التي تستطيع اختراق ضفافي، فقد تبصر القلبَ حافي، أخاف اعترافي بأنّي أخاف الرجوع إلى أيّ صدرٍ شربته…’ في الهزيع الأخير لم يعد يكفي الخوفَ إلا قصيدة كاملة، تنتهي بأسمائه العديدة ‘من بينها ألاّ نخاف، وأن نرى الصيّاد في ريش الطريدة.’كالطريدة، تعوّدتَ التعامل مع غيرك كأنّهم كلاب وذئاب: عليها ألا تشمّ رائحة خوفك كيلا تنهش شيئا منك (إلّا قلّة هي لك كذاك الأب: ‘وأخاف أن يأكله الذئب’، وكتلك الأمّ: ‘فإذا خفتِ عليه فألقيه فى اليمّ’). طال الحال هكذا إلى أن لم تَعُدْ تشمّ خوفك أنت، وضاع بين التباس الروائح العديدة. مع ذلك، يكفيك أن تنتبه قليلاً إلى نفسك و إلى ما تحبّ من كلام كي تسلّ حواسّك من دهاليز الالتباس: التباس ‘تلك الرائحة’ العفنة التي كتبت عنها في النصّ الأخير قبل هذا، وأكثر ما تشمّها وأنت وحدك في الليل تراقب طريق الغايات والنهايات، بالياسمين في الصباح وهواء البلاد المشبّع بصوت فيروز المقدّس وكل جمال البدايات المؤقّت. ستجد، وراء فوضى العطور، لو انتبهت، رائحة واضحة لا لَبس فيها ولا اضطراب أو غياب؛ رائحة خوف ترشّها، بعد طلوع الشمس كل صباح، وعلى كل بقاع جلدك ولغتك، حنجرة فيروز.’حبّيتك تنسيت النّوم، يا خوفي تنساني’؛ ‘يا خَوفي إِبقى حِبَّك بالإيّام اللّي جايّه’؛ ‘أنا خوفي من عَتم الليل، والليل حرامي’؛ ‘يا خوفي والهوى نظرة تِجي وتروح بالمرّة’؛ ‘غمّضت عيوني خَوفي للناس يشوفوك مخبّا بعيوني’؛ ‘زهرة بإِيد وقلب بإيد، يا خوفي لاقيك بعيد’؛ ‘خوفي لَلباب يتسكّر شي مرّة بين الأحباب’؛ ‘يا خوفي الحكي يِجي…تعا ولا تِجي’؛ ‘خوفي نورك يحرقني ويلي وما يعرفني حبيبي… خوفي النعس ياخِدني ويلي وانتو تروحو تنسوني’؛ ‘خايف أقول اللّي بقلبي’؛ ‘عايز أعاتبه لكن خايف يروح يقول إنّي بحبَّك’؛ ‘خايفة لاَنام وينزل القمر، ويلاقيني غافية وتسرقه جارتنا، يلّلي مزاعلِتْنا، وتعطيه لحبيبي و يحبّا حبيبي وأنا صير غريبة…’؛ ‘وبخاف تودّعني وتفِلّ وما تِرجَع’؛ ‘صرنا كتير تخاف إذا نحنا تلاقَينا، وما بنتلاقا إلاّ وقت اللّي منتودَّع’؛ ‘يا حِلو شو بخاف إنّي ضيّعك’؛ ‘يا حلو شو بخاف إنّي إسألَك، كنّو بَعد بتحبني، قدّ البحر قدّ الدنِي، بِفزَع لتِضْجَر من سؤالي وزعّلك’؛ ‘يا حلو شو بخاف ليلة عاصفة، يخطُرْ عَبالك شي نِجِمْ، وتقوم تِمشي بهالعَتِمْ، وأُنطرْ أنا عالباب أنطُر خايفة’؛ ‘ يا امّي ما بعرف كيف … وغابت الشمس وخفت واحتدَّيتْ، وما عِدِتْ عالدَّرب لنا استهدَيْتْ، وما وْعِيتْ كيف رْكَضِتْ صَوب البيت، قلبي يدقّ وكِنت فزعانِة… ‘؛ ‘فزعانِة يا قلبي، إكبَر بهالغربة، وما تعرفني بلادي’…***بي خوفٌ تُحاكيه الأغاني مهما احترفتُ حياكة شخصيّة لا تشبه أبداً البنتَ الرقيقة الهشّة الساذجة في أغاني فيروز. تلك التي لا تخاف شيئاً قدر الحب: غيابِه وانفضاحه وانتهائه من جهة الآخر وبقائه فيها، فهي بالكاد تملك حنيناً آخر تعرّف به نفسها وتمضي به وقتها. أخاف هذه المحاكاة: ألاّ تكون تلك البنت قد وُئدَت تماماً، وأن يتسلّل إلى النصوص قمرُها الأبيض المسروق وشالها العنّابيّ وتنّورتها النيليّة وجدائلها الشقر ومنديلها الأصفر المطرّز بخيطان زرق وحمر، فتغدو الكتابة أنثويّة بالمعنى السائد المبتذل، وتغدو صاحبتها كما يراد لها كثيراً أن تكون: أرضاً أفقيّة تستسقي المطرَ (‘شتيّ يا دنيا شتّي’) بدل أن تساري عموديّاً النجمَ في ظُلَمٍ تخاف منها، ‘من عتم الليل’، بنتُ فيروز. أخاف على ما أكتب، لأنّي أخاف عليّ، منّي؛ مما ربّما أبقاه فيّ سِفرُ التكوين الطبيعيّ والتاريخيّ لبنات البلاد. لذا أخاف صوت فيروز، القادر على تجميل ما أصبحت عندي أبشع الصور والأفكار: ‘اعملني متل خاتم دَهب بإصبَعك، اتركني حاكيك وإسمَعك..’. أخاف مما تحييه من أسباب خوف لا ينبغي لي. مثل تلك البنت، أخاف الفضيحة، وإن كانت لغير الأسباب. ربّما إن تأكد لي ما أخاف منه، لن أغمض عينيّ مثلها خوف ما سيراه الناس، بل سأفقؤهما (إذ ‘يخشى’ الحقَّ حقّاً العلماءُ من بين العباد)؛ وكم يخيفني وجع الفقء المتوقّع ذاك. قد لا أشبهها تماماً أو أبداً، فهي في النهاية حيكت، حسّاً وصورة، بيد سواها ووفق أذواقهم في الأشكال والألوان. على أنّ الخوف واحد في النهاية، ويكفيه صوت فيروز كي يُخلق من العدم أو يُبعث من وجود سابق أو حاضر فيكون. أخاف، أخاف، أخاف، بلا لَبس أو التباس، فهذه تخصّ الدوافع والأسباب التي تتشعّب ولا تنتهي أبداً. الكلام مخيف كما الصمت؛ والكتابة كما الكلام؛ والآخرون كما أنا؛ والوَحدة كما هُم؛ والبدايات كما النهايات؛ والنوم كما الصحو (الوحوش لا تأبه كثيراً لحضور الوعي أو غيابه)؛ والصدق كما الكذب؛ والصورة كما المادّة، والإحساس كما الفكرة. كلّها كلّها تتباعد وتتنازع وتؤدّي، في النهاية، إلى الخوف. المحرّكات لا تنتهي؛ فكلّ ما ترى وتسمع وتقرأ، قصداً أو عَرضاً، يحترف إظهار الشرّ الموجود أو المتوقّع، بشكل أو بآخر. ‘أخاف أن تمطر الدنيا ولستِ معي…’، ‘مرهقة أنتِ، وخائفة..’ (نزار)؛ ‘خايف يا ظريف تروح وتتملّك، وتعاشر الغير وتنساني أنا’ (فولكلور)؛ ‘لقد خِفتُ أن يغتالني الموتُ بغتةً/ وفي النفس حاجاتٌ إليكِ كما هيَ’ (جميل). حتى المتنبّي، وهو صاحب ‘وما الخوفُ إلاّ ما تخوّفَه الفتى/ وما الأمنُ إلّا ما رآه الفتى أمنا’، يتواطأ مع هؤلاء عليك: ‘عشيّة يعدونا عن النظر البُكا/ وعن لذّة التوديع خوفُ التفرّقِ’؛ ‘وقبّلَتني على خوفٍ فماً لفَمِ’. الله أيضاً: ‘إنّي أخافُ أن يُكذّبون’؛ ‘فإذا جاءَ الخوفُ رأيتَهم ينظرونَ إِليكَ تدورُ أَعينهم كالَّذي يُغشَى عليه من الموتِ’؛ ‘وإنّي خِفتُ المواليَ من ورائي وكانت امرأتي عاقراً ‘؛ ؛ ‘ولنبلونَّكم بشيء من الخوف’؛ ‘إنّ الإنسان خُلِق هَلوعاً’… لقد انتبه فلاسفة كثيرون إلى دور الخوف، أو ‘غريزة الضعف’ حسب نيتشه، في ظهور الأديان، فهي كلُّها تَعُد أتباعها المخلصين بالأمان: ‘…الذي أطعمهُم من جوع وآمنهُم من خوف’؛ ‘لا خوفٌ عليهم ولا هُم يحَزنون’؛ ‘وهم من فزعٍ يومئذ آمنون’. على أنّها تخلق خوفاً آخر، من جهة أخرى (الله، الحساب: ‘ويخشَون ربّهم ويخافون سوء الحساب’)؛ وتغذّي هذا الخوف، فيكونُ ثمناً لتخفيف المخاوف الأخرى (‘ولا تخافوهم وخافونِ’). في كلّ الأحوال هناك خوف حاضر أبداً، وإن اختلفت أسبابه بين الفناء والعذاب، وبين الحريّة والاستبداد، واليقين واللاّيقين؛ بين المؤمن والملحد، الكبير والصغير، الغنيّ والفقير، الجاهل والعليم. أمّا اختلاف النوع والدرجة والقيمة فيحتاج نصّاً آخر. كلّه مبدئيّاً خوف؛ ‘توقّع شرّ’ ما قد يتسلّل من وراء باب ما من ‘الأبواب’، ولا لبسَ في ‘الخوف’؛ اسمِ التوقّع والتوجّس والترقّب، ولا التباسَ إلاّ في الأسباب. وهذا تحديداً ما تحاكيه، باقتدار مريب، أغاني فيروز …: ‘وأنطر أنا عالباب، أنطر خايفة’… ‘يمّي ما بعرف كيف، ما بعرف كيف…’. qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية