مالك التريكي
أثارت تصريحات المفكر، والنائب في المجلس التأسيسي التونسي، أبي يعرب المرزوقي بشأن السياحة – التي قال إنها نوع من ‘البغاء السري’ – جدلا كبيرا. وبلغ الاستياء لدى الجهات الممثلة للقطاع السياحي حد رفع دعوى قضائية ضده. فطالب هو برفع حصانته البرلمانية ليتمكن من الدفاع عن موقفه. وأيا كانت حيثيات المسألة، فإن أبا يعرب ليس مفكرا ذا مشروع فلسفي أصيل فحسب، بل إنه أيضا ذو شخصية سجالية. ولولا الجسارة البالغة حد حب المناظرة وطلب المبارزة لما كان تمكن من البقاء لأكثر من ثلاثة عقود يغرد، في وحدة شبه مطلقة، خارج سرب الفكر السائد في تونس.
ليس لي ما أدلي به في الشأن السياحي. إلا أن تصريحات أبي يعرب – الذي يعدّه البعض عضوا في حزب النهضة، بدليل أنه مستشار لدى رئيس الحكومة، بينما يعد هو نفسه ‘مراقبا مستقلا’ حسب قوله أخيرا في برنامج تلفزيوني- قد ذكرتني بموقف قديم للمفكر السياسي، ورئيس النهضة، الشيخ راشد الغنوشي حول الموضوع ذاته: السياحة وما استوطنها أو جاورها من الدلالات والمعاني. كان الشيخ راشد، في السبعينيات ومطلع الثمانينيات، يلقي دروسا في أحد مساجد تونس العاصمة. وكانت هذه الدروس تسجل على شرائط يتولى توزيعها شباب ما كان يسمى آنذاك بحركة ‘الاتجاه الإسلامي’. فقد كان ‘الكاسيت’ يقوم عهدئذ بالدور الذي يقوم به الإنترنت هذه الأيام. كانت شرائط الشيخ عبد الحميد كشك، مثلا، منتشرة في البلاد العربية رغم أنه كان شديد الجرأة في الحمل على الحكام العرب لا يفرق بين أحد منهم. كانت خطبه، عليه من الله واسع الرحمات، نماذج في البلاغة وحسن البيان. وأذكر أنه وجه، في إحداها، نصيحة للمسافرين إلى سورية بعدم حمل أي من شرائطه معهم ‘لأن حافظ الأسد (…) وأنا لا أريد أن أكون سببا في أذى عباد الله’. في تلك الحقبة كان هناك من المحللين من رأى أن الثورة الإيرانية هي من ثمرات الكاسيت (الذي كان صلة الوصل بين الإمام الخميني في منفاه الفرنسي وبين الشعب الإيراني) بمثلما عدّت الثورات الشعبية العربية من ثمرات الفيسبوك.
في أحد دروس عام 1979 أو 1980 أورد الشيخ راشد قصة ما لقيه الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى أهل الطائف عندما قدم عليهم يدعوهم إلى دين التوحيد ومكارم الأخلاق فإذا بهم يطلقون عليه سفهاءهم وعبيدهم يرشقونه بالحجارة حتى دميت قدماه الشريفتان. فلم يدع نبي الرحمة عليهم بالهلاك، بل إنه دعا ربه ذلك الدعاء العظيم: ‘اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي (…)’. أورد الشيخ راشد هذه القصة ثم عقّب بأنه ما كان، بأي حال، لأهل الطائف أن يتخذوا من محمد موقفا يخرجون به على موقف قريش. إذ أين كان سادة قريش وأشرافها يملكون الضيع والجنان؟ أين كانوا يقضون العطل وفترات الاستجمام؟ أين كانوا يطلبون الراحة ويقصدون للسياحة؟ أليس في الطائف؟! لقد كانت الطائف في عهد النبوة مجرد بلد سياحي. بلد ليس قراره بيده ولا يملك أهله من أمرهم شيئا.
وما كان لأي ممن حضر هذا الدرس أو سمعه على الكاسيت أن يخطىء المعنى الذي كان يرمي إليه الشيخ راشد. فقد كان يلمّح إلى أن السياحة قد حولت تونس في عهد بورقيبة إلى دولة مرتهنة للخارج الغربي. أي أن تكييف اقتصادها بحيث يكون خادما للقطاع السياحي قد جعلها تعتمد اعتمادا شبه كلي على الغرب. وبهذا أصبحت في وضع تبعية اقتصادية دائمة. وليس من شأن التبعية الاقتصادية إلا أن تمتد حتما إلى المجال السياسي. فلا يمكن للبلد الراغب في اجتذاب الغربيين من السائحين والسائحات والساعي إلى إرضائهم، حتى لو تعارض ذلك مع قيم المجتمع، أن يتخذ من المواقف السياسية إلا ما يتوافق مع مواقف الدول الغربية.
كان رأي الشيخ راشد، في زمن الكاسيت، أن الاعتماد على السياحة هو أبرز دليل على أن الدولة التونسية فاقدة الإرادة. أما اليوم، فإن مبلغ علم الحكومة التي يسيطر عليها حزبه وقصارى جهدها أن تحافظ على استمرارية ‘المذهب السياحي’ (بل وكامل النهج الاقتصادي) الذي كان منتهجا في عهد بورقيبة ثم في عهد خلفه! هذا، مع كثير سواه، هو مما يوحي بأن هذه الحكومة لا تتردد طويلا كلما فرض عليها أن تختار: دولة ذات سيادة أم دولة ذات سياحة؟