عن الدين والسياسة

حجم الخط
0

سمير حمديفي البدء كل شيء كان دينيا، فالدين هو احد أقدم إشكال الوعي التي بلورها الإنسان في رحلة وعيه بذاته وبالعالم من حوله. ومن هذا المنطلق لم يكن غريبا أن تكون الرؤية الدينية للعالم حاضرة لدى كل الشعوب، وتتقاطع مع مختلف المناشط الإنسانية الرمزية منها والمادية (قيم، فنون، سياسة، معمار..). غير أن ما يعطي المسألة راهنية كبرى اليوم هو عودة الفكر الديني وبأشكاله المختلفة (ولا نعني به الإسلام فحسب) إلى الساحة السياسية بصورة أصبح معها من الضروري طرح السؤال: ما طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة اليوم؟ وكيف يمكن مقاربتها في ظل التطورات الفكرية والثقافية الحاصلة في العالم؟ وهل أن طرح هذه القضايا هو من قبيل الترف الفكري الذي لا طائل من ورائه، أم هو من القضايا التي تحتاج إلى حسم على الأقل قبل التوافق على بناء جسم سياسي مشترك يحفظ حقوق الكل الاجتماعي؟ إن التواشج بين الديني والسياسي ليس وليد اللحظة بل إن المتغير في العلاقة هو الذي يجعلها تطرح اليوم بحدة واضحة.. فبعيدا عن كل منطق تهجيني أو إقصائي يمكن القول إن التحول الحاصل في ظل الراهن يتمثل في انتقال الخطاب الديني من موقع المركز الذي تدور حوله القضايا المختلفة، بما فيها السياسة بامتداداتها السلطوية (البابوية في مسيحية القرون الوسطى والخلافة بما لها من شرعية دينية وسياسية عند المسلمين) ليصبح هو ذاته ملحقا بالخطاب السياسي وجزءا من مشاغل الدولة وليس المحدد لها (في ظل الدولة القومية بأرووبا ودول ما بعد الاستقلال في المنطقة العربية). فالمتأمل في الواقع السياسي الدولي اليوم يلاحظ حضورا لافتا للخطاب الديني لا يمكن إنكاره بأي صورة من الصور، فمن الدالاي لاما الشخصية الدينية التي تتولى قيادة تحركات سكان التيبت ضد الصين، إلى حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي المتطرف، إلى اليمين المسيحي ونفوذه الواسع في الولايات المتحدة، إلى أحزاب اليمين الديني في إسرائيل، إلى جيش الرب وحركته المتمردة بأوغندا، إلى الحركات الإسلامية بمختلف تلويناتها في المنطقة العربية والإسلامية، تظل المسألة الدينية حاضرة وبقوة لتلقي بظلالها على العلاقات بين الدول والشعوب ولتكون مصدرا لكثير من الصراعات والنزاعات، على أن تركيزنا وانطلاقا من انتمائنا إلى جغرافية سياسية محددة وهي المنطقة العربية الإسلامية سيكون متعلقا بالإسلام السياسي أولا وأساسا.

قد يعتقد البعض ومن حقه أن يعتقد في ما يشاء إن هذه القضية ليست من ضمن الأولويات الراهنة وانه ينبغي التركيز على القضية المركزية المتعلقة بالإصلاح السياسي وبناء نظام ديمقراطي، وهذا قول حق يراد به باطل وذلك لسببين: أولا: إن بناء نظام سياسي مستقر يستلزم حسم جملة الثوابت المركزية التي تتحرك تحت سقفها التنظيمات السياسية والتيارات الفكرية المختلفة، فالدول ذات الديمقراطيات العريقة مثل انكلترا أو فرنسا أو الولايات المتحدة قد حسمت إشكالاتها الفكرية الكبرى المتعلقة بالهوية وطبيعة المجتمع وأسس النظام السياسي، وبقيت الصراعات تتركز حول قضايا إجرائية أو خدماتية، في المقابل فان المنطقة العربية لا تزال تشهد أزمات حادة وصراعات حول الهوية وطبيعة المجتمع، بحيث لا تزال بعض التنظيمات تهدف إلى إدخال تغييرات هيكلية على المجتمع (فكرة اسلمة المجتمع مثلا) أو تغيير جذري يلحق النظام السياسي (كالتبشير بنظام دكتاتورية البروليتاريا مثلا) فإذا أضفنا إلى هذا المزيج نظم الاستبداد القائمة، فإن هذا ما يجعل الدول العربية، ومنها تراوح مكانها في بناء المشروع المجتمعي المشترك وتأسيس النظام السياسي الذي تعمل ضمنه كل المجموعات والأحزاب. ثانيا: إن التحالف السياسي المرحلي لا ينبغي أن يحجب التناقضات القائمة بين أطرافه المختلفة، إن على مستوى البرامج وهذا أمر طبيعي أو على مستوى تقديم البدائل المجتمعية أو السياسية وهنا مكمن الاختلاف الجوهري، فلا يمكن غض الطرف بأي حال من الأحوال عن تصورات تهدف إلى بناء كيانات أحادية الفكر اقصائية المنحى تقوم على استبداد ديني أو فكري وتستند إلى منظومة إيديولوجية منغلقة ترفض الحوار والمراجعة، وهي وان تنازلت اليوم تحت ضغط الواقع فلا احد يدري من دون محاسبة للنوايا ما الذي يمكن أن تبشر به في المستقبل. إن الاستبداد السياسي على خطورته وانغلاق الأفق لديه يظل أحيانا اقل قسوة من استبداد عقائدي أو إيديولوجي يودي ليس فقط بالحريات السياسية وإنما أيضا بالحريات الشخصية. إن هذه القضايا التي نطرحها اليوم ليست من قبيل الترف الفكري الذي لا طائل من ورائه، أو المزايدات اللفظية الفاقدة لأي سند من الواقع أو التاريخ، وإنما هي من قبيل المكاشفة الفكرية والصراحة السياسية الضرورية قبل أي شروع في تجسيم نموذج سياسي ممكن قائم على التعددية واحترام الحريات وحقوق الإنسان.. إن تحديد مجال ما هو ديني ومجال ما هو سياسي ليس من قبيل الفصل التعسفي بينهما لأن كلاهما يتنزل ضمن الشأن العمومي فلا يمكن في أي وقت من الأوقات ان نزعم إمكانية فصل الدين عن الحياة مادامت الشعائر والعقائد والطقوس هي احد المكونات الأساسية للمجتمع، إن على مستوى الهوية أو من حيث التأثير في المنظومة القيمية، غير أن هذا لا يعني ترك الحبل على غاربه من حيث الاستخدام والتوظيف للخطاب الديني للانقلاب على الساحة السياسية برمتها، فما يمكن التأكيد عليه هو قول واحد، أن الدين ينبغي أن يظل جامعا لكل الفئات التي قد يفرقها الاختلاف السياسي والصراع الايديولوجي، وان لا يدخل الساحة بصورة مذهبية قد تؤدي إلى تفكك النسيج الاجتماعي ولتكن العلمانية حلا ممكنا بوصفها مسألة إجرائية لفك الاشتباك على المستوى الفكري والعقدي بين الديني والسياسي والديمقراطية، منهجا لفض التنازع حول السبيل الأمثل للوصول إلى السلطة والتداول عليها، والحرية فضاء رحب يضمن الحقوق للجميع ويمنع الاستبداد ويحفظ التنوع والتعدد.. ‘ كاتب من تونس [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية