عن السيدتين وما سُلب

حجم الخط
0

سليم البيك

مازحتُ مرة صديقة من ترشيحا- بلدتي في الجليل الفلسطيني- مؤكداً بأن الكبة النية التي يعدّونها هناك في البلد، إن لم تكن تماماً، بمذاقها وشكلها ولونها ورائحتها، كالتي تعدها عمتي التي تعلمتْ ذلك في مخيمات اللجوء، إن لم تكن لها طريقة التحضير والجبل والأكل ذاتها، وإن لم تكن بذات اللذة، فلتعذرني، فالكبة هذه ليست بالترشحاوية.

ولكنني اكتشفت بعد ذلك، ومن خلال حوارات أخري، أن اللهجة التي أتكلم بها ليست ذاتها التي يتكلمون بها في ترشيحا والجليل، وأن تأثيرات حلّت من لهجات أهالي المدن التي رُمي المخيم علي أطرافها، أتت وامتزجت مع لهجات أهالي المخيم التي حملوها بأمانة علي ظهورهم في رحلة اللجوء، فما باتت كتلك التي يتكلم بها أهالي ترشيحا والجليل، الحارسين لها والباقين فيها. اكتشفت ذلك بعد عدة حوارات، ومن وقتها وأنا أسأل عن الطريقة التي ينطقون بها بعض الكلمات مع التشكيل، وحتي عن بعض المفردات التي يستخدمون، والتي ما عاد جيلي، الثالث بعد النكبة، يستخدم بعضها في المخيمات والشتات.

الآن، أخاف أن تكون الكبة التي نعدّها خارج البلد غير تلك التي يعدونها داخلها، وأنا الذي إذا نزلت الكبة علي السفرة، آكلها بكل حواسي، أشمشمها، أتحسسها، أشبّع ناظريّ بها قبل قضمها، وحتي أني أتنصّت إلي تمزق اللقمة حين أنتزعها عن صحن الكبة.

أتحسب كثيراً ليوم توضع أمامي فيه الكبتان، كبة ترشيحا/البلد، وكبة ترشيحا/المخيم، فأنحاز إلي الكبة التي كبرتُ وكبر وعيي علي أنها الترشحاوية، أو أنني أبدأ من جديد بعلاقة أخري مع الكبة الأخري علي أنها الترشحاوية، أو أن أكون منصفاً فلا أقرب الكبتين بعد ذلك، وقد أظفر بكلتيهما. علي كل حال، توصلت إلي هدنة مع نفسي علي أن تبقي كبة ترشيحا في المخيمات والشتات سيدة الأكلات مؤقتاً. وإلي أن أعود فآكل من كبة ترشحاوية، معدّة من ماء وبرغل ولحمة وفليفلة من البلد، لا من مكان آخر، إلي حينه سأواصل اسئلتي عن تفاصيل اللهجة هناك، بمفرداتها وتشكيلاتها، علّي أسترجع ما حمله جدي معه إلي المخيم، وسلبه الشتات مني.

ہ كاتب فلسطيني مقيم في أبو ظبي[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية