في 22 ـ 23 كانون الأول 1789 وفي الجمعية الوطنية الفرنسية جرى نقاش حول منح مساواة في الحقوق والتحرر لليهود، وأحد مؤيدي العملية كان الكونت ستنسلاس دي كالرمون ـ تونر. في خطاب تاريخي قال إن حقوق مدنية متساوية يجب تقديمها للجميع بغض النظر عن دينهم وعملهم، ولكنه أضاف إلى ذلك تحفظًا تحول مع مرور الوقت إلى حجر رحى على رقبة التحرر: «لليهود كأفراد ـ كل شيء، لليهود كأمة ـ لا شيء».
في أساس هذه الرؤية هناك خطأ رئيسي في فهم الجوهر الإنساني. ليس غريبًا أنه ورغم أن هذه الرؤية أعطت لليهود حقوق مواطنة، إلا أنها أيضًا أدت في نهاية الأمر إلى تطور الوعي الوطني اليهودي قبل نمو الصهيونية.
هذه الرؤية تتجاهل أنه لا يمكن الفصل بين حقوق المواطن الشخصية وبين وعي المواطن بخصوص هويته وثقافته وتراثه ولغته ودينه وذاكرته التاريخية. وباختصار، كل ما يحول مخلوقًا إنسانيًا من ذرة منعزلة تفتقر للميزات إلى كيان ذي وعي وإرادة وهوية شخصية.
لكل إنسان اسم، فهو لا يقتصر على كونه رقمًا متسلسلافي سجل السكان، ومن يتجاهل مجموعة المزايا التي تجسد شخصية الإنسان ينفي في نهاية الأمر شخصيته وإنسانيته. إن عدم الاعتراف بقدرة وحق كل مواطن على التعبير عن هذه الصفات، سواء كفرد أو كعضو في المجموعة التي تشعر مثله، هو مس شديد بالمساواة المدنية، وهكذا شعر يهود كثيريون أيضًا بعد التحرر.
إن تجاهل الصفات الحقيقية لمكونات شخصية مواطني إسرائيل العرب ميزت رد رئيس الحكومة على الاحتجاج ضد قانون القومية الذي نبع من أنه لا يوجد في هذا القانون أي ذكر لوجود جمهور غير يهودي في دولة القومية اليهودية وحقوقه بكونه كذلك.
بنيامين نتنياهو يتحدث حقًا بلسان الكونت كالرمون تونر عندما يدعي أن قوانين دولة إسرائيل تضمن المساواة في الحقوق للجميع، وأنه لا يوجد في قانون القومية ما من شأنه أن يمس بالحقوق الشخصية لأي مواطن.
هذه رؤية قانونية فردية ضيقة، تضمن حق الانتخاب وحق الملكية لكل مواطن، لكنها تتجاهل وجود جوانب أخرى من المواطنة والانتماء المدني لغير اليهود.
مثلما أن موقف كالرمون لم ير شخصية اليهود، كذلك مقاربة نتنياهو بخصوص العرب والدروز والأقليات الأخرى مصابة بالعمى. إسرائيل ومنذ إقامتها كانت تدرك هذه الجوانب من المواطنة، لهذا السبب فقد قررت أن تكون اللغة العربية لغة رسمية ثانية، لذلك تظهر الكتابات العربية على العملة وعلى طوابع الدولة، ولهذا السبب أيضًا مكنت أعضاء الكنيست العرب من استخدام اللغة العربية في نقاشات الكنيست، ولهذا السبب كذلك فإن مواطني الدولة العرب يمكنهم استخدام لغتهم، وهذا حق لهم وليس منا، أثناء ظهورهم في المحاكم وفي توجههم إلى مؤسسات الدولة، ولهذا يمنح لمواطني إسرائيل العرب الحق في التعلم بلغتهم وثقافتهم.
أنا لست ساذجا: لم يتم تطبيق كل هذه الأمور بالصورة التي كان يجب أن تطبق بها، ولكن هذه مبادئ دولة إسرائيل، وفي إطارها عاش النسيج الدقيق بين الأغلبية اليهودية والأقلية العربية، حتى في الظروف الصعبة للحرب والنزاع المستمر.
بعد سن القانون تفاخر نتنياهو بأن الأمر يتعلق بحدث تأسيسي، يستكمل العملية التي بدأها هرتسل في المؤتمر الصهيوني الأول. القليل من التواضح لم يكن ليضر، لكن التعلق في هذا السياق بالتحديد بهرتسل يدل ـ مع كل الاحترام لرئيس الحكومة ـ على عدم التضلع بفكر من حلم بالدولة.
صورة دولة اليهود
كوثيقة صهيونية مؤسسة يجدر تذكر كتاب هرتسل «أرض قديمة ـ جديدة» (1902) الذي يرسم فيه صورة دولة اليهود بعد إقامتها. هو يكتب: سيكون في الدولة اليهودية حق مواطنة متساو لسكان البلاد العرب، وفي كتابه هذا هناك واحد من سكان البلاد العرب هو أيضًا من زعماء المجتمع الجديد. والحبكة السياسية للرواية تصف الحملة الانتخابية المتوقعة في 1923 وفيها يظهر حزب عنصري يهودي يطالب بأن يتم حرمان سكان البلاد غير اليهود من المساواة المدنية. في حملة انتخابية عاصفة يهزم الحزب العنصري اليهودي الذي زعيمه صورة مشابهة تمامًا لرئيس الحزب اللاسامي في فيينا، الذي كان فوزه في الانتخابات لرئاسة البلدية محرك ثورة هرتسل الصهيونية. مساواة حقوق المواطنين العرب مضمونة، بلغة أيامنا، ومن ناحية هرتسل فإن دولة اليهود هي دولة القومية اليهودية، ودولة كل مواطنيها، إذ ليس هناك تناقض بينهما، ومساواة للمواطنين العرب هي من أسس الصهيونية.
هكذا اعتقد أيضًا أولئك الذين صاغوا وثيقة الاستقلال. في هذه الوثيقة التي كتبها دافيد بن غوريون، وموشيه شريت، وردت أقوال قاطعة لا تحتمل التأويل، وعاشت إسرائيل على ضوئها طوال سبعين سنة، وتجدر العودة والتذكير بها لأن وثيقة الاستقلال هي بالتحديد الوثيقة المؤسسة التي أغلقت الدائرة التي فتحها هرتسل في بازل: «إسرائيل ستقيم مساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية الكاملة لكل مواطنيها دون تمييز في الدين والعرق والجنس»، و«إسرائيل ستضمن حرية الدين، والضمير، واللغة، والتعليم والثقافة». هذا نص لا يحتوي فقط على مبادئ عادية، بل على حلم الصهيونية أيضًا. وفي أفضل الأوقات وفي أصعب الأوقات للصهيونية، دعت وثيقة الاستقلال إلى الشراكة، ولم تتدهور نحو التمييز. ومثلما أنها لا تخاف من ضمان «مساواة اجتماعية وسياسية» وليس فقط شخصية لكل مواطنيها، كما أنها لا تخشى من أن تذكر بصراحة وجود شعب آخر في حدود دولة اليهود التي ستقوم: «نحن ندعو… أبناء الشعب العربي سكان دولة إسرائيل… أن يسهموا في بناء الدولة على أساس مواطنة كاملة ومتساوية».
عن وثيقة الاستقلال
هذه الأقوال ملأت مواطني إسرائيل ويهود العالم بالفخر، وهذه الصياغات الكنسية عبرت بقوة وثقة عما تؤمن به الصهيونية، في الوقت الذي كان فيه وجود الدولة الضعيفة والفقيرة على كفة الميزان. لا يوجد سبب يدعو إلى تجاهلهم الآن في الوقت الذي فيه إسرائيل قوية وراسخة وغنية. كل من استمع في التظاهرة التي في ميدان رابين إلى العميد احتياط أمل أسعد وهو يقرأ هذه الاقتباسات من وثيقة الاستقلال لم يكن بإمكانه ألا ينفعل، هذا معنى المواطنة الإسرائيلية المتساوية.
جميعنا نعرف أن كل هذا غير متحقق، لكن هذا ما كان عليه الحلم. كان هذا هو الأفق الأخلاقي الذي اشتاق إليه مؤسسو الدولة. وبدلامن ذلك، لدينا اليوم قانون عرقي مركزي ويميز الذي انقبض أمام عتبته الذاتية ويعبر عن عدم الثقة الذاتية ولا يعبر عن الشعور بالفخر والقوة.
ربما لم ينتبه نتنياهو إلى ذلك، لكن كلمة «صهيونية» لم تذكر في القانون. هذا بالطبع أمر تهكمي، لكن من الجيد أن يكون هكذا: على الأقل اسم الصهيونية لم يذكر في هذا القانون المخجل.
ثمة طريقة واحدة لإلغاء قانون القومية وإزالة هذا العار من فوق رؤوسنا: تضمين وثيقة الاستقلال كما هي نصًا في قانون أساس. من ناحية إجرائية وبرلمانية يمكن أن يكون هذا صعبًا ومعقدًا، لكن من ناحية جوهرية يمكننا أن نجند لهذا الهدف جماهير كثيرة وواسعة من كل أطراف القوس السياسي، ويجب أن يكون هذا أساس دور المعارضة والمجتمع في الأشهر القادمة. وتحت هذه الراية يجب علينا التكتل، لا سيما إذا تم تبكير موعد الانتخابات. وسيكون من المهم رؤية نتنياهو يخطب ويصوت ضد وثيقة الاستقلال.
هآرتس 10/8/2018