عبد الحليم قنديل كم يبدو حظ صديقي السابق- د. عصام العريان في جماعة الإخوان مماثلا لحظ د. مصطفى الفقي في جماعة مبارك المخلوع . الفقي والعريان كلاهما يبدو مثقفا بطريقة معقولة، وكلاهما لم يبلغ الطموح الذي يرى أنه يستحقه في جماعته، فلم يصل الفقي، وهو الدبلوماسي القدير، والمثقف زلق اللسان، والمحدث اللبق، لم يصل الفقي في رحلته مع جماعة مبارك إلى المنصب الذي حلم به، وهو أن يكون وزيرا لخارجية مصر، وكان كلما صعد درجة على السلم الوظيفي، يجد من يدفعه دائما إلى أسفل، وفي روايات الفقي غير الذائعة عما جرى، تجده دائما يشير بأصابع العتب والغيظ والاتهام إلى شخصيات كانت نافذة التأثير أيام مبارك، وإلى أسامه الباز بالذات، وأحيانا إلى عمرو موسى، وبعد الثورة، جرت محاولة أخيره للفقي، وحاول القفز إلى منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، وحصل على موافقة دول عربية مؤثرة، وعلى جواز عدم ممانعة من المجلس العسكري الحاكم وقتها، لكن النتيجة النهائية كانت إستبعاده وتنصيب وزير الخارجية المصري د. نبيل العربي أمينا عاما للجامعة العربية، وهكذا أوى الفقي إلى كهف اعتزاله الأخير، وأكتفى بختام سجله الوظيفي، والذي كان أرفع منصب فيه هو مندوب مصر الدائم في الجامعة العربية، مع أنه قبلها بسنوات طويله، كان قد اقترب جدا من أذن وعقل المخلوع، وكان سكرتير مبارك للمعلومات اواخر ثمانينيات القرن العشرين، وعلى طريقة الفقي ذاتها، تمضي سيرة عصام العريان في جماعة الإخوان التي حلت مؤقتا محل جماعة مبارك، فالعريان أكثر ثقافة من غالبية أعضاء مكتب الإرشاد، وبدا لوقت في صورة المثقف الإصلاحي في جماعة تكره التفكير، وخلا الجو لدوره بعد فصل الجماعة للرمز الإصلاحي البارز د. عبد المنعم أبو الفتوح، وتصور العريان أن طريقه للقمة بات سالكا، ورشح نفسه لرئاسة حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان، وكان يبدو واثقا جدا بالفوز، ومع أن الكل باستثناء العريان كانوا يعرفون النهاية مسبقا، فالرجل القوي وصانع الألعاب في الجماعة الملياردير خيرت الشاطر كان له رأي اخر، وهو رجل صامت لا يتكلم إلا لماما، لكن يده الباطشة فعلت فعلها في إنتخابات رئاسة حزب الإخوان، وأسقطت العريان بلمسة يد خفيفة، وأطاحت بالعريان الذي لا ييأس من تكرار المحاولة، وعلى أمل أن ينال الرضا في جولة تالية، ويصبح رئيسا لحزب الإخوان ومرشحا محتملا لرئاسة مصر باسم الإخوان . وجه شبه أخر بين الفقي والعريان بدا ظاهرا مع مرور الوقت، وهو المجازفة بإعلان المخبوء الذي تتكتمه جماعته، نظرة خاطفة إلى الخلف قد تفيدنا قليلا، فقد كان الفقي هو الذي اختار نفسه لإعلان سر أسرار جماعة مبارك، وغامر الفقي بالدفاع الصريح عن أولوية خلافة جمال مبارك لأبيه في الرئاسة، وبطريقة بدت صادمة كاشفة، فقد أعلن الفقي قبل سنوات عن الشرط الجوهري للحلول في قصر الرئاسة، وهو الرضا الكامل لأمريكا وإسرائيل أولا، وبعد أن تقلبت الأيام، وذهب مبارك الأب، وذهبت فرصة جمال مبارك معه إلى سجن مزرعة طره، وحل الإخواني محمد مرسي في قصر الرئاسة.وذهب زمان مصطفى الفقي، أتى زمن ‘الفقي’ الأخر في صورة عصام العريان، و’الفقي’ في العامية المصرية هو ‘الفقيه’ في العربية الفصيحة، والعريان مثقف عصري يحمل لحية خفيفة تناسب دور الفقيه، وهيئته الشقراء تجعله يبدو كما لوكان أمريكيا متمصرا، وقد عاد العريان مؤخرا من رحلة غامضة إلى واشنطن، وتطوع بالمجازفة عوضا عن جماعة الإخوان، وكشف السر الذي تتحرج في البوح به قيادات الإخوان التقليدية، وأعلن عن مبادرة لقيطة تكشف طبيعة الإلتزامات السرية، وتكشف استمرار سريان القاعدة ذاتها التي كشفها مصطفى الفقي قبل سنوات، فقد أعلن العريان عن مبادرة ترحيب بعودة اليهود من إسرائيل إلى مصر، وعن حقهم في الحصول على تعويض عن ممتلكاتهم التي تركوها في مصر، ولم ينس العريان أن يهاجم عبد الناصر ‘بعبع’ إسرائيل والإخوان معا، وأن يتهم عبد الناصر بطرد اليهود وتأميم ممتلكاتهم، وكان لكلام العريان وقع المفاجأة المفرحة في إسرائيل، وبين الجاليات اليهودية الصهيونية في عواصم الغرب، فقد أمطروا العريان بوابل من المديح، ووصفوا العريان بأنه ‘البطل المحب لليهود’، والرجل الذي اعترف لليهود الصهاينة بحق لم يجرؤ على البوح به مصري واحد، ولا حتى حسني مبارك الذي كان يوصف بأنه ‘أعظم كنز استراتيجي لإسرائيل’، فما بالك برجل من قادة جماعة الإخوان، والتي بنت رصيدها التاريخي على أساس ديني محض.واعتبرت دوما أن الصراع مع إسرائيل صدام أزلي أبدي مع اليهود، وإلى أن تقول الشجرة للمسلم ‘أن ورائي يهوديا فاقتله’، ولا مجال هنا للزعم بمعنى إنساني أو أخلاقي لهذيان العريان، فهو يعرف يقينا أن من أسماهم ‘اليهود المصريون’ لن يتركوا كيان الاغتصاب الإسرائيلي، ولن يتركوا بيوتهم – كما زعم لفلسطينيين يعودون إلى أراضيهم المحتلة، ثم أنه يعرف أن عدد ‘اليهود المصريين’ في إسرائيل قليل جدا، وقد مات غالبهم في نحو سبعين سنة مضت على بدء الصراع العربي الإسرئيلي، ولن تؤدي مبادرة العريان إلا إلى مزيد من الهلاك لمصر، وأن تفتح أبوابها لأحفاد وأبناء هؤلاء ‘اليهود المصريين’، وأن يدخلوها آمنين، وأن يقيموا أمام محاكمها دعاوى تعويض عن ممتلكات مزعومة، وأن يحصلوا على الجنسية المصرية إلى جوار الجنسية الإسرائيلية، وهذه هي المكافأة الحقيقية التي حلمت بها إسرائيل، وهي الغزو المباشر العلني والمسلم به للاقتصاد والموارد المصرية المنهكة، وفتح ملفات مفصلة أعدتها إسرائيل من زمن طويل، وتطلب تعويضات مصرية تقدر بمئات المليارات من الدولارات، وابتزاز مصر على طريقة ابتزاز إسرائيل للألمان إلى الآن، وتأكيد الرواية الصهيونية بأن اليهود كانوا ضحايا عبد الناصر، وأن الإخوان بدلالة تصريحات العريان هم الأقرب مودة للذين ‘هادوا’، وقالوا ‘إننا الإسرائيليون’، وهم العون والمدد الذي تستند إليه إسرائيل في تحقيق حلمها المكتوب على واجهة الكنيست، والذي يقول نصه ‘من النيل إلى الفرات أرضك يا إسرائيل’، وقد فتح لهم العريان باسم الإخوان طريقا سالكا، وهو ما يفسر تدفق برقيات التهنئة ‘اليهودية’ على الرئيس الإخواني مرسي بعد تصريحات العريان مستشاره الرسمي، فقد أثبتت الأيام أن مرسي أعظم فائدة لإسرائيل من مبارك، فقد ترك معاهدة السلام مع إسرائيل بلا مساس، ثم تعهد بلجم تصرفات حماس، ثم جاء العريان ليقول للإسرائيليين ما لم يحلموا به يوما، وهو أن يسكنوا مصر كما سكنتم فلسطين، وأن إخوانيا واحدا لن يقول لهم بعد الآن ‘خيبر خيبر يايهود’، والسبب بسيط جدا، وهو أن ‘خيبر خيبر’ صارت للإخوان أيضا، فلمصر جيش وشعب يحميها، وسيعلم العريان والإخوان أي منقلب ينقلبون. ‘ كاتب مصريqmdqpt