د. رياض العيسمي ما أشبه قصة غول باب شرقي الخرافية بقصة ‘العصابات المسلحة’ التي كان النظام السوري قد أخترعها كحجة لقمع التظاهرات الشعبية المطالبة بالحرية. فالمجموعات المسلحة هذه ليست إلا من أولئك الشباب الذين كانوا يتظاهرون سلميا فدفعهم النظام في النهاية إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم وعن شرف عائلاتهم وأمنها. وكذلك هي من أفراد و جماعات الجيش الحر الذين لم يطاوعهم ضميرهم ولم يمكنهم الشرف العسكري من قتل أبناء شعبهم وتدميرمرتكزات وطنهم. فتركوا جيش النظام وألتحقوا بالثورة. أما المجموعات المتطرفة حقا فهي بغالبيتها من مجموعات القاعدة الذين كان النظام نفسه قد دربها في الماضي وأرسلها إلى العراق ليبتز بها الأمريكان ويفاوضهم على ملاحقتها والقضاء عليها. وكذلك هي من عناصر فتح الإسلام الذين أخرجهم النظام من السجن وأرسلهم عبر الحدود ليقوضوا إستقرار لبنان وكما تقتضي حاجته. ولربماعاد بعض هؤلاء من العراق ولبنان مستغلين الظروف ليقاتلوا في سوريا إما لينتقموا من النظام أو ليساندوه ويعملوا تحت إمرته. كما وهناك مجموعات أخرى مندسة جندها النظام ودربها كي تخترق الثورة وتشق صفوفها وتشوه سمعتها، وتخيف الناس من عملية التغيير القادمة. وهذه أساليب برع النظام في إستخدامها على مدى عقود. وكان قد أستخدمها من قبل لشق صفوف المعارضة. كما ووضعها ضمن خطة خاصة للتعامل مع الثورة في حال إنطلاقها. حيث أنه بدأ يتحسب وقوع الثورة بشكل جدي بعد أن بدأت الثورة الليبية.أطفال درعا عندما كتبواعلى جدران مدرستهم ‘الشعب يريد إسقاط النظام’ لم يكن ليخطر ببالهم بأن هذا النظام هوساقط أصلا، وإن هدفه الأساسي هو البقاء في الحكم مهما كان الثمن. وإنه سيختار الحل الأمني حتى النهاية، وسيمعن بالقتل والتدميربلاهوادة. وسيقوده الأمر من كذبة إلى أخرى أكبر منها، يكبر معها عدد القتلى ويتسع بسببها حجم الخراب والدمار ليعم كافة أرجاء الوطن. فبحجة ملاحقة العصابات المسلحة يدمر النظام الأحياء السكنية على أهلها فيحولهم إلى أشلاء، ويحول الأبنية المشيدة إلى ركام. وما تخطئه مدافع الدبابات تتولاه صواريخ الطائرات. فهل سمع أحد في العالم بأن حرب العصابات تستخدم فيها المدافع والمدرعات، وأن حرب المدن تستخدم فيها الطائرات المتقدمة التي تلقي بالقنابل العنقودية والفراغية؟ وهل سمع أو قرأ أحد عن حاكم في التاريخ يناصب العداء لنصف الشعب حتى يحكم النصف الآخر؟ وهل سمع أحد عن قائد يدمر الوطن حتى يحميه؟ وهل سمع أحدعن نظام ممانع يمكن له أن يقاوم عدوه بشعب خانع؟ لا بد وأن الرابح اللأكبر من سلوك النظام هذا هو العدو الصهيوني. حيث أن إنقسام الجيش السوري وإضعافه، وكذلك تدمير البنى التحتية للدولة، وإذلال الشعب وتعطيل طاقاته جميعها يصب في مصلحة إسرائيل التي كانت طوال العقود الأربعة الماضية من حكم آل الأسد مطمئنة لأمنها وأستقرار حدودها مع سوريا. فالنظام كان محافظا على الهدنة معها طوال هذه الفترة. ولم يسجل خرقا واحدا للهدنة كل هذه السنين التي إدعى فيها النظام الممانعة. ولهذا السبب حرصت إسرائيل على بقاء النظام كل هذه المدة، بل حالت دون سقوطه عندما حاولت الولايات المتحدة إسقاطة في أعقاب إحتلالها للعراق. أما اليوم وبعد أن أيقنت إسرائيل بأن النظام السوري ساقط لامحالة بفعل الثورة كما حصل لغيره من الأنظمة العربية التي طالها الربيع العربي، تريده أن يوغل في القتل والتدميرإلى أن يضعف الجيش ويتفكك، ويفقد القدرة حتى على حماية الوطن بعد سقوط النظام. لذلك يؤلمنا كثيرا عندما نسمع عن موت أي من أفراد الجيش أي كان، من الجيش النظامي أو من الجيش الحر. فجميعهم أبناء الوطن وخسارتهم لاتعوض، لأنها تذهب من كيس الوطن. وكذلك عندما يتم تدميررتل من الدبابات، أو إسقاط طائرة. فجميعها ملك للوطن، وكان الشعب قد دفع ثمنها من عرقه وقوت أطفاله لتكون درعا يحمي الوطن. لا بد وإن روسيا هي التي تفرح لهذه الخسارة. حيث أن مصلحتها تكمن في بيع المزيد من اللأسلحة للنظام. وكذلك الصين التي تغطي العجزالإقتصادي الناجم عن الأزمة بقروض وضمانات مالية عالية الفوائد ووعود بمشاريع كبيرة. وكذلك إيران التي تريد أن يبقى النظام بحاجة دائمة لها وأن يكون مدانا لها ببقائه. فهي تريد أن تستخدمه في صراعها مع أمريكا والغرب على برنامجها النووي، وكذلك تسخره لتنفيذ مخططها التوسعي في المنطقة. لقد أصبحت سوريا أرضا مستباحة وأصبحت معها فاتورة الحرية للشعب السوري باهظة الثمن ومكلفة. قتل ممنهج بمعدل المائة يوميا. مجازر وفضائع متوالية ومدروسة. شعب يتعرض للذبح، تنتهك حرماته، وتستباح إنسانيته. والعالم جميعه مازال يتفرج ويعطي بصمته أو بعدم تحركه فرصا جديدة للنظام بالإستمرار، ويمنحه رخصا إضافية للقتل. العرب وعبر الجامعة العربية مايزالون في طور النخوات وليس لديهم القدرة على فعل أي شيء يوقف القتل، ومن لديه القدرة من الدول المجاورة أوالصديقة على الفعل، ليس لديه الرغبة في فعل شيء مؤثر. ومجلس الأمن مازال مرتهنا لروسيا والصين، يصدر قرارت خجولة ممهورة بشمع الفيتو الأحمر. وأمريكا لديها إنتخابات ولا تريد التدخل إلا على طريقتها الخاصة وفي الوقت المناسب، وعلى أن يصب التدخل في مصلحة إعادة إنتخاب الرئيس أوباما الذي ما إنفكت إسرائل تبتزه مقابل مساعدته في الحصول على دورة رئاسية ثانية. لذلك فإن كل هم الولايات المتحدة الآن هو إسرائيل وأن لا تقع الأسلحة الكيمياوية بيد حزب الله أوالجماعات ‘ألإرهابية’. فهي تخاف أن يؤدي إستخدامها إلى قتل مائة، أكثر أو أقل، من اليهود أو الأمريكان في حادثة ما، ستكون إذا ما حصلت منفصلة. العالم كله يخاف من أن يؤدي إستعمال الأسلحه الغير تقليدية إلى عمليات قتل جماعي. ولكن لا أحد على ما يبدو يقيم وزنا لآلة الموت الهمجية التي يستخدمها نظام بشار الأسد والتي تحصد يوميا أرواح المئات من السوريين. لم يأبه أحد بعد لموت ما يقارب الثلاثين ألفا من السوريين وضعفهم من الجرحى الذين لايجدون أدنى مقومات الرعاية الصحية، وستين ألفا من المفقودين الذين لا يعرف لمعظمهم أي أثر، وأربعين ألفا من المعتقلين الذين يتعرضون لشتى صنوف التعذيب، ومليونا من المهجرين الذين يعيش معظمهم في ظروف غير إنسانية في دول الجوار، وكذلك مليونين من النازحين الذين تقطعت بهم السبل داخل بلدهم. هذا عدا المعوقين جسديا والمشوهين نفسيا. وكذلك المنتهكة أعراضهم والمستباحة حرماتهم. كم من الأطفال والنساء يجب أن يموت من الشعب السوري، وكم من المجازر يجب أن ترتكب في مدنه وقراه حتى يتحرك الضمير الإنساني العالمي؟ أي صنف من الأسلحة يجب أن يستخدمها الرئيس السوري ضد شعبه حتى تتحرك منظمات حقوق الإنسان؟ كم من المواقع الآثرية يجب أن تهدم وتنهب محتوياتها حتى تتحرك منظمات حماية الآثار لإنقاذها؟ سوريا كلها تستباح اليوم بماضيها التاريخي وموقعها الإسترتيجي. شلال الدم السوري لم يتوقف منذ أكثرمن ثمانية عشرة شهرا، والحبل على الجرار. نعم، لابد وأنها ‘مؤامرة كونية’ ضد سوريا وشعبها، يشارك فيها النظام وبقوة. كم من الوقت يريد هذا النظام كي يقضي على العصابات المسلحة المزعومة، وكم هو الثمن الذي يجب أن يدفعه الشعب السوري كي يبقى هذا النظام في الحكم، وهذا الرئيس على كرسي الرئاسة التي ورثها من أبيه؟ وإذا ما قدر لهذا النظام أن يستمر، كيف سيواجه العالم بمفرده بعد أن يتخلى عنه أصدقاء المنفعة القادمين من ‘الباب الشرقي’؟ ومن هي الدول التي ستقف معه وتساعده على بناء ماتهدم في سوريا؟ وكم من الزمن تحتاج سوريا كي يعود إليها الأمن والإستقرار؟ الأمر لم يعد يحتاج إلى كثيرا من التفكير. لقد تحول هذا النظام بحق إلى غول مرعب، والرئيس إلى وحش كاسر همه البقاء في السلطة والحفاظ على حياته مهما كان الثمن. من يقف مع هذا النظام ويؤيده فهذا شأنه، وليبقى مرتبطا به كيفما يشاء، وليذهب معه أينما يذهب. لكن الحياد بعد كل مايجري اليوم في سوريا لم يعد موقفا، ولا الصمت خيارا. لذا لابد وأن يتكاتف الجميع حتى يوقفوا هذا الغول، وإلا سيكون الكل من ضحاياه، والوطن معهم. ‘ أكاديمي سوري مقيم في الولايات المتحدة