في يدك الآن تفاحة شهية ترى لونها وتشم رائحتها وتلمسها بيدك وتتحسس صلابتها.. فجأة أًصبت بصدمة عصبية عطلت حواسك الخمس، حينها .. تكون التفاحة غير موجودة!، هكذا يمكن تلخيص رأي جورج بيركلي وفلسفته المثالية، فلا وجود للموضوع وإنما هي الذات فقط، فبدون وعي وإدراك ذاتي فليس هناك دليل على وجود الواقع الخارجي. كان رأي بيركلي هذا أقصى صور الحيرة الفلسفية تمثيلا لمعضلة وجودية هي: هل كل ما نراه موجود في الخارج. وإن كان موجودا فهل نراه كما هو في نفسه؟ سؤال كهذا أمرض الغزالي ستة أشهر وكان سببا من أسباب رحلته الشهيرة عشر سنين طوّافا في الآفاق يبحث عن جواب، فبعد أن شكك في قدرة الحواس على معرفة حقيقة الأشياء تنبه لسؤال بيركلي الآنف: ‘أما تراك تعتقد في النوم أموراً، وتتخيل أحوالاً، وتعتقد لها ثباتاً واستقراراً، ولا تشك في تلك الحالة فيها، ثم تستيقظ فتعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل؛ فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك [ التي أنت فيها ] ؛ لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك، كنسبة يقظتك إلى منامك، وتكون يقظتك نوماً بالإضافة إليها’.! نفس السؤال طرق ذهن طفل عبقري وهو يستقل قطارا إلى ميلانو هاربا من المدرسة معه كتاب في الهندسة الإقليدية، ماذا لو أرخيت ستائر الشباك وأهملت رجرجة القطار على السكة وصوته، هل أكون متحركا أم ساكنا ؟؟، ما حقيقة الشجرة البعيدة تلك بالنسبة لرجل واقف وآخر يسير بسرعة عالية؟، هل الوعي يشكل الواقع ؟؟. في الفيزياء الحديثة تجليات لسؤال الذات وعلاقتها بالموضوع تمثل النظرية النسبية الخاصة إمكانية لطرحه من زاوية، وتمثل تجربة الشق المزدوج إمكانية أخرى عن طريق تأكيدها على أن الواقع بعيدا عن إدراكنا مختلف تماما، وأن الوعي يساهم في تشكيل الواقع. فكيف يمكن التفريق بين ما هو نتاج الوعي وبين معطياته في ذاتها .. هل تفاحة بيركلي موجودة أم لا، وإن كانت موجودة فهل نراها على حقيقتها ؟ بالنسبة لسؤال الفرق بين الحلم والحقيقة فربما يعتبر هذا السؤال لعبة ذهنية نتفكه بها في المجالس، إلا أنه في ذاته أزمة وجودية حين النظر إليه نظرة فلسفية معمقة، لعل كثيرا ممن شاهدوا رائعة ‘كريستوفر نولان ‘ Inception، خرجوا منه وقد أثارهم جمال الصورة ودقة الإخراج والحبكة القوية التي تميز الفيلم، لكن ربما أن قليلا منهم توقف عند مشهد ‘روب’ المتكرر بعد أن يخرج من الحلم ومعه علامة تؤكد أنه في عالم الحقيقة، ولعل كلمات روب طرقت أذهان القليلين: ‘الأحلام تبدو حقائق حين نكون فيها، إنه فقط عندما نستيقظ ندرك أن هناك شيئا غريبا قد حصل’. لعل هذه الكلمات تستدعي حقيقة أن هذا الفيلم أعاد طرح هذه المعضلة ليكون بذلك تتمة لطرح فيلم The Matrix لها، لكن نولان تجاوز في طرحه إلى الحد الذي ستفهم فيه البشرية الأحلام وتتحكم بها في الحين الذي اقتصر فيه خلق هذا العالم على الآلات في فيلم The Matrix، وخطورة طرح نولان أنه طرح يبدو واقعيا في متناول أيدينا لا يفصلنا عنه إلا تطور تقني بسيط. يوغل الفيلم في تعزيز هذه المعضلة عن طريق فكرة ‘حلم داخل حلم’، سياق يمكن فيه للمشاهد أن لا يفرق بين الحلم والحقيقة إذا ما فاتته تفصيلة من تفصيلات الفيلم أو ذهل عن السياق لوهلة، كيف لا والمشاهد متماثلة من حيث اللون والإضاءة سواء أكانت في الحقيقة أو في الحلم، يريدنا نولان أن نتوه بين عوالم متشابهة ونسأل أنفسنا سؤال الغزالي لنفسه حين يطلعنا روب على حقيقة مصرع زوجته حيث قتلت نفسها بعد أن شكت أن الواقع الذي تعيشه حلم أرادت أن تستيقظ منه، وحين ينبّه زميلته في المهمة ألا تصمم فضاء الحلم من ذكرياتها حتى تستطيع أن تفرق بينه وبين الحقيقة. محاولة لتشكيك المشاهد بمصداقية الواقع تتجلى في نهاية الفيلم في صورة المحور الدوار على الطاولة نتتبعه مع روب لنتأكد من الحقيقة .. فيغلق نولان الستارة عن فيلمه ونحن في حيرتنا. ليكن هذا السؤال محور هذه المقالة دون أن يرفق بالإجابات الفلسفية العديدة التي حظي بها، حتى يكون هذا السؤال مفتاحا مهما لإدراك أن الوجود هذا ظاهرة عجيبة وأن حالة النوم واليقظة تجليات مثيرة لكفاح العقل الإنساني مع غوامض الوجود ومعضلاته. ولن نترك هذا التحليل دون لفت النظر إلى أن فيلم نولان في ذاته حلم، فمن الممتع أن ننظر إلى الأفلام على أنها محاكاة للأحلام حين نتخيل أنفسنا في قاعة مظلمة أمام شاشة مستطيلة تملأ أسماعنا وأبصارنا تتداعى علينا صورها بسرعة، ولعله في الوقت الذي كان روب يحاول فيه زرع فكرته في ذهن روبرت فيشر، نجح نولان في زرع مئات الأفكار في أذهان مشاهديه. هذا يعززنظرتنا إلى الفيلم كأداة إعلامية تمارس عملية زرع الأفكار، فلا بد إذا من التنبه إلى محل الإعلام الخطير في تشكيل القناعات والرؤى وإلى كونه سببا رئيسيا في خلق التباين الصارخ في الأفكار تجاه معطيات تبدو للوهلة الأولى واضحة، فالبروباغندا والشحن الإعلامي في اتجاه تفسير وتحوير وقائع مشاهدة وخلق اراء متضادة في الأغلب هو ما يجب أن نعيره اهتمامنا خصوصا وأن الأزمة الراهنة هي أزمة فهم .. وأزمة إدراك.