عن الفنان السوداني الراحل عثمان وقيع الله: اسهم في بناء تحرير الخط العربي من قيوده الحرفية التقليدية واطلقه في فضاء التجريد الفني

حجم الخط
0

عن الفنان السوداني الراحل عثمان وقيع الله: اسهم في بناء تحرير الخط العربي من قيوده الحرفية التقليدية واطلقه في فضاء التجريد الفني

ابراهيم درويشعن الفنان السوداني الراحل عثمان وقيع الله: اسهم في بناء تحرير الخط العربي من قيوده الحرفية التقليدية واطلقه في فضاء التجريد الفنيفي بداية التسعينات حاولت اجراء مقابلة مع الفنان التشكيلي السوداني عثمان وقيع الله (1925 ـ 2007) الذي رحل بداية العام الحالي في بلدته رفاعة، وسط السودان، عن عمر يناهز الثمانين. التقيته في ساحة بيت افريقيا في وسط لندن. كان كعادة السودانيين متواضعا وحييا وتساءل عن حكمة اجراء المقابلة ونشرها، ولكنه قال لي انه مشغول للتحضير لمعرض كبير يقام عن افريقيا وثقافتها في لندن. ولم اجر المقابلة ولم التق بعثمان الا مرات قليلة وعابرة منها مناسبة لتكريم الشاعر السوداني المعروف صلاح احمد ابراهيم، بمناسبة صدور طبعة جديدة من ديوانه الذي رسم لوحاته عثمان وقيع الله، وقدم له الاديب والروائي المعروف الطيب صالح. حيث تم اخراج ديوان غابة الابنوس بحلة جديدة بعد ان كان صدر في الخمسينات من القرن الماضي. ويمثل وقيع الله علامة بارزة في الفن السوداني، الذي استلهم المفردات الاسلامية في الحياة السودانية والافريقية بشكل عام، واتقن حرفة الخط العربي حيث اخذ شهادة عن احد كبار الخطاطين في مصر، الفنان سيد احمد ابراهيم (توفي 1994) وذلك في معهد الخط العربي في القاهرة. وكان وقيع الله، واحدا من رواد الفن التشكيلي السوداني، اسس مع عدد من رواده مفرداته وموضوعاته وتقنياته التي جربوا فيها عددا من الاشكال الادبية والفنية الغربية المعروفة، واعطوا فنهم الغربي التقنيات والتلوين، تيمات عربية واسلامية وافريقية، ومثل الادب السوداني الذي جسد في بداياته ذلك النزوع نحو التميز بلغة عربية افريقية اللون، لغة تتوزع بين الغابة والصحراء وتحاول الاستقلال عن المؤثر المصري الذي اثر علي كتابات واعمال الرواد في الادب السوداني في مرحلة ما، ولكن تجربة مجلة الفجر، وظهور مدرسة الغابة والصحراء جاءت لتؤكد الهوية السودانية الخاصة، التي تتوزع بين ما اسماه الكاتب والمثقف الكيني المعروف علي مزروعي، التراث الثلاثي الاسلام وافريقيا والثقافة الغربية ، ومن هنا ففن عثمان وقيع الله الذي تميز وعرف كثيرا في الغرب كفنان ينتمي الي ما صار يعرف في تقاليد الفن العربي الحديث، الحروفية، وهو الفن الذي يقوم بالتعامل مع الحرف العربي او الابجدية، كمادة او مفردة، رئيسية احيانا وثانوية في فضاء اللوحة، والبعض منهم يحاول تقديم رؤي فنية ونظرية عن تقنية ادخال الحرف العربي في اعمالهم. كما اظهر معرض اقيم في العام الماضي في المتحف البريطاني، حيث اظهر المعرض عددا من ملامح وتوجهات ادخال الكلمة في الفن واشار الي رواد هذا الفن، حيث بدأته الفنانة العراقية، مديحة عمر (اقامت اول معرض لها عام 1947 في واشنطن دي سي) التي تأثرت اثناء دراستها في امريكا بكتاب لاحد اساتذتها عن اللغات القديمة في وادي الرافدين، والمثير ان كل عمليات التجريب في الشعر والفن بدأت بدرجة او بأخري علي يد فنانين وشعراء عراقيين، في زمن كان فيه العراق يصنع الفن والحياة، واحيانا الفن والموت والان صار يصنع الموت والجثث والانتقام. مديحة عمر، وشاكر آل سعيد وفنانين عرب، من مختلف انحاء العالم العربي تداولوا ادخال الحرف والكلمة في اعمالهم متأثرين احيانا بما يجري في الغرب ومدارسه الفنية. يتنوع استخدام الحرف او الكلمة العربية في اعمال الفنانين العرب الذين اصبحوا يشكلون مدرسة تعرف احيانا بالمدرسة الخطية في الفن، بحسب الفنانة الاردنية الاميرة وجدان علي او الحروفية كما صارت تعرف الان، وهذه المدرسة تتناول الكلمة العربية بطريقة او باخري كما قلنا، حيث ينوعون علي اشكال الخط، ومعاني الكلمات وينهلون من بحور المعني لاضافة ابعاد فنية وجمالية لمفردات اللون، وتظهر الكلمة احيانا وحيدة في فضاء لانهائي او تسبح في بحر من الالوان، او تؤكد سيادتها من خلال خطوط عريضة مرسومة بفرشاة غليظة. وفي الوقت الذي يري فنانون عرب ان كل لوحة تحتوي علي حروف او كلمات فهي لوحة خط، ولكن رواد هذا الفن يرون ان هناك فرقا بين الخط العربي كتكابة حرفية ذات اصول معروفة ومضبوطة وعلي الخطاط الالتزام بها ومواصلة تقاليدها التي تعود للعصور الاسلامية وما جري عليها من تطويرات خاصة في الفترة المملوكية. الحروفية او الخط العربي في الفن هو تيار ليس محدودا في بلد او اقليم عربي بل يتوزع في كل انحاء العالم الاسلامي، ويستخدمه الفنانون لتأكيد ملامح خاصة في اعمالهم، لعل اهمها الهوية. والحقيقة ان تعداد اسماء فنانين يمثلون هذا التيار ليس لازما لان الفنانين المعاصرين والمحدثين في العالمين العربي والاسلامي استخدموا الكلمة بطريقة او بأخري.وفي السودان، لاءم الحرف العربي الفنان السوداني الذي سعي للتميز، خاصة ان الكتابة هي اول ما يبدأه السوداني في حياته، يكتب علي الرمل ويرسم الحروف علي اللوح الخشبي في المدرسة القرآنية “الخلوة” حيث يقوم الطالب فيها وفي عمر مبكر باستخدام اداوت قديمة للكتابة وقراءة القرآن وحفظه وفي آخر اليوم يقوم بمسح اللوح ويتجمع حول نار القرآن التي لم تنطفئ في عدد من الخلوات منذ الف عام. ومن هنا يحلو للبعض الحديث عن “مدرسة الخرطوم” التي حاولت انشاء فن سوداني تقليدي، ويمثل مدرسة الخرطوم عدد من الفنانين الذين درسوا كلهم في المدارس الفنية الغربية ثم عادوا الي السودان قبل الاستقلال واكدوا تقاليد فن جديد يأخذ من كل ملامح الحياة السودانية، وبحسب بعض النقاد فالحروفية السودانية تحررت من تقاليد الخط العربي بحيث لم يعد لها صلة بفنون الارابيسك كما يظهر في اعمال احمد محمد شبرين وابراهيم الصلحي. وقيع الله تدرب كخطاط وتظهر اثار حرفية الخطاط في اعماله وان برزت تحمل هوية افريقية او سودانية اكثر من قربها للتقاليد العربية ولكن حرفية وقيع الله تبدو مختلفة، ونتاجا للتجريب الدائم، فهو لم يكن فنانا وخطاطا بل مصمما صمم اول عملة نقدية سودانية واول علم سوداني بعد الاستقلال، وقام بادخال المانشيت الصحافي الي الصحافة السودانية وصمم لوحات اعلانية وغيرها مما يعني انه تعامل مع الخط كمهنة وحرفة وعندما حضر للندن في الستينات واصل عمله الحرفي الخطي. انجاز وقيع الله الذي انهي دراساته في انكلترا وعاد في بداية الخمسينيات من القرن الماضي ونتيجة لتدريبه الفني الحديث بدأ ينظر الي اعماله الخطية من وجهة نظر معاصرة وقام بتحرير الخط من القوانين والقواعد التي اكدها اساتذة الخط العربي والتزموا بها عبر القرون، خاصة التأكيد علي الزخرفية والتكرار في الموتيفات والاشكال. اهمية وقيع الله، الذي جرب الشعر والكتابة الصحافية ومارس الخط انه كان من رواد الحركة الفنية السودانية، من ناحية تأكيد تقاليدها التي تجذرت بحلول الستينات من القرن الماضي، فكان وقيع الله مع شفيق شوقي من اوائل الذين عملوا علي تأسيس والاشراف علي مدارس تعليم الفن التي بدأت اولا محلقة مع كلية غوردون التذكارية عام 1934 حيث انفصلت دائرة الفن والتصميم عنها لتصبح مدرسة التصميم، التي اصبحت جزءا من معهد الخرطوم التطبيقي الذي اعيدت تسميته الي مدرسة الفنون الجميلة والتطبيقية وهي المدرسة التي خرجت الجيل الاول المحترف من الفنانين السودانيين، والذين اضافوا لتجربتهم تدريبا ودراسة اكاديمية في مدارس الفن الحديثة في الغرب، وهؤلاء من امثال محمد عبدالله، وامير نور ومحجوب رباح وكمال اسحاق وابراهيم الصلحي واحمد شبرين، عادوا من دراستهم الفنية الي بلادهم واسهموا بخلق لغة فنية افريقية وسودانية، وحملت اعمالهم، خاصة وقيع الله والصلحي، حوارا داخليا.ولد الفنان في بلدة رفاعة وسط السودان عام 1925، درس الفنون في كلية غوردون التذكارية (اصبحت جامعة الخرطوم) (1942 ـ 1945)، ومدرسة الفنون الجميلة في نفس الكلية (1945 ـ 1946)، والتحق بمدرسة كامبرويل للفنون بلندن، وكلية سيتي آند تميلدز للفنون بلندن، ومعهد كورتو لتاريخ الفنون بلندن ، وكلية الفنون التطبيقية بالقاهرة (1950 ـ 1951). ويعتبر وقيع الله من مؤسسي كلية الفنون الجميلة في الخرطوم، حيث قام بتأسيسها مع شفيق شوقي، وعضو مؤسس في اتحاد الفنون الجميلة السوداني (1951)، وهو عضو رابطة الادباء السودانيين . واول من اسس مرسما حرا للفنانين السودانيين. اقام معارض كثيرة منها معرض في الخرطوم 1952، وهاجر فيما بعد الي بريطانيا في اواخر الستينات، حيث بقي فيها حتي نهاية التسعينات ثم عاد الي السودان. جسد فن عثمان وقيع الله تاريخ السودان في الستين عاما الماضية وتحولاته في مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث اختير لتصميم اول عملة سودانية. وقام بتصميم الشيكات ومعهد الدراسات المصرفية واللافتات التجارية والاعلامية، وصمم كل اوراق الاعتماد والاتفاقات التي عقدها السودان مع الدول الاخري، وصمم شهادات وزارة التربية وبراءات الشرف، واختار اول علم للسودان بعد استقلاله. وكان قدم المانشيتات في الصحف السودانية، ورسوم الكاريكاتير في مجلة السودان الجديد، ولوحاته معروضة ضمن العديد من المقتنيات في المتاحف العالمية، المتحف البريطاني ومجموعة وفي استراليا والصين وعدد من المجموعات الشخصية. كان وقيع الله بالاضافة لانشغاله بالخط والرسم، قارئا ذواقة في الادب العربي، وله مجاميع شعرية خمسة في الشعر الصوفي لم ير احد منها النور. ومثل بقية الفنانين الذين حاولوا استلهام الحرف العربي في لوحاتهم كان وقيع الله خطاطا وفنانا تشكيليا، مثل له الحرف صورة مائية تعكس فكرة وموقفا، ومن هنا لم يقتصر عثمان وقيع الله علي كتابة الحرف القرآني، بل زاد عليه اشعار العرب والسودانيين، الفصيحة والعامية، فقد كان بالاضافة لاهتماماته الفنية التشكيلية مهتما بالاغاني الشعبية السودانية المعروفة بـ الحقيبة ، وقام بترجمة رباعيات الخيام وتلحينها بناء علي السلم الموسيقي السوداني، وقدم الجانب الصوفي في الشعر السوداني، باعتباره متصوفا، فقد اهتم بكتابة وتضمين اشعار الشاعر المعروف التيجاني يوسف بشير، ومحمد المهدي المجذوب وادريس جماع.وكان يعد العدة بعد عودته للسودان لكي يقوم بعرض اعماله في معرض شامل، وكان ايضا يعمل علي اعداد كتاب عن تاريخ واشكال الخط العربي في القديم والحديث. وترجم رباعيات الخيام ولحنها بناء علي الاوزان والالحان السودانية. حياة عثمان وقيع الله مرتبطة بالريادة فهو رائد المدرسة التي كانت تدعو للعودة الي الخطوط العربية، وبالاضافة لهذا ساهم في تصميم الزخارف والخطوط في الكعبة الشريفة عندما جددت السعودية زخارفها. وخط بيده ثلاثة مصاحف، واشرف علي مصحف افريقيا . في لندن كان عثمان وقيع الله دائم اللقاء مع الاديب السوداني المعروف الطيب صالح، واقام علاقة مع الشاعر العراقي بلند الحيدري الذي كتب بعض المقطوعات النقدية تثمن اعمال وقيع الله. ولوحته عن كهيعص مفتتح سورة مريم من مقتنيات المتحف البريطاني.ناقد من اسرة القدس العربي 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية