قلة فقط سيختارون هذا المسلك المستغرَب المستقبَح، شديد الاحتكاك بما يتفاداه المنسجمون المتآلفون على غير رغبة منهم، أن تتكلم بالقبيح يعني أن لا تلوم ذاتك على التكلم مشافهة أو كتابة، في الشأن الذي لا تستطيع أن تراه إلا متأرجحا، ليس بمعنى التأرجح البهلوانيّ الذي يعرف مؤدّيه أين سيضع قدمه، وفي أيّ لحظة زمنية مناسبة، ستحفظه من سقطة ستترك الكثير من فتات العظم تحت جلده، هذا لو قدّرت له النجاة، إننا نتكلم، نكتب، نعبّر عن التأرجح الذي هو بلا قيمة، وبلا تقدير يضمن سلامة الموجودين صدفة على ذات المركب، البناء، المدينة، العالم الذي جرّب الكثيرون فيه، بما كفل التدمير ليس فقط لمنجزات حاضر كان أهلا للتنفس المنتظم، بل وقد تمّ الانقضاض فيه على ما تكفّل التاريخ بادّخاره، من باب إعادة النظر والعلم بالمقارنة، فعل الانقضاض ذاك هو القبح بعينه، هو الشرّ بأنيابه ومخالبه، حين يكون بلا أدنى حقٍّ، على الذي هو ليس إلا فريسة سائبة.
بماذا يمكن أن توصف الحياة بغير خضوعها، لحركات يد السيّد المنعم عليها بالمأوى والطعام، إن هي لم تغادر، إلى ما يمكن أن يسمّى بالمجازفة، بالخروج عن حدود الألفة، الألفة التي عرّفها الطرف المستفيد المستبد.
أما القبيح فهو المثير للغرابة الفجّة، الحامل لعنصر المفاجأة، كأنّ كلّ عمليات التدجين التي حرّكتها قوى الاستهلاك تخسر كبرى رهاناتها، في لحظة انفجار صوت غريب، يتكلم بالذي هو ليس بالمألوف، بين عيّنة كبيرة من الناس كانوا قبل لحظة لا يعانون من حاجةٍ أو معاناة، كانوا قد اعتادوا لون ما بهت من أجسادهم ونظراتهم، ثمّ جاء من يسائلهم عن البريق الذي ولد هنا، ثم غادرهم دون أن يتنبّهوا لما خسروه، عندما نزلوا شيئا فشيئا، إلى حيث غرفهم المعتمة، واستهلكوا ما تبدّد من طاقاتهم في التصدّي للقبيح من الحيوات والكتابات التي تبرز لهم، لهذا على القبيح أن يطالعنا، عليه أن يطالعنا قبل أن نتمّ تلك الحواجز الفولاذية، واضعين خلفها كلّ ما وصفناه بالقديم، قليل الحيلة، التالف، معدوم الكفاءة، وقد كانت جميعها تقينا من تمرّد الأحاسيس على الذي يجب أن نتحرك له ومن أجله.
لم يكن على أحد أن يؤمن بأنّ المحبة مدعاة للضعف، وأنّ الشرّ هو دفع المصائب والكائنات الرهيبة المرعبة إلى مجرى النهر، هناك من يكتب هذا، ويقول به، ونسمّيه بالقبيح.
[email protected]