عن القصيدة العربية الجديدة والشاعر الجديد

حجم الخط
2

تُلاحظ في الآونة الأخيرة، فورة ثقافية أو إبداعية على كافة الصعد، على المستوى العربي، ولعل أوضح صور هذه الفورة لهي الكتابة بأشكالها، شعرا أو نثرا أو إخبارا، والتي ربما تكون قد ترافقت مع ثورة الاتصالات المتجلية بمواقع التواصل الاجتماعي، وهذا ليس طرحا جديدا، لكنه طرح جدير بأن يأخذنا إلى تتبع هذه التجارب، أعني طبعا ما ارتقى منها إلى هذه المرتبة.
هناك في الواقع من وضعوا بصمات لافتة، معتمدين على صفحات الواقع أو صفحات الفيسبوك وتويتر، إذ استعان هؤلاء بأنفسهم حين همشتهم الصحف الكبيرة واكتفت بإنتاج الأجيال السابقة لتحتفي بهم، ولا اعني هنا ‘الشباب’، بقدر ما أعني كل من هو جديد، ويجدر بنا أن نصدّق بأن هؤلاء المبدعين الجدد لا سيما الكتّاب والشعراء، قد أثروا حتى على مبدعي الأجيال التي سبقتهم، وكأنهم رفدوا أنهارهم بمغذيات حسية جديدة، او بتصورات جديدة ثائرة على الواقع القائم أصلا، دون أن ننكر إغداق الكتاب الكبار عليهم، من أساليب وصور ومنابع.
ومن الجهة المقابلة، فإن أعتى أخطار هذه المواقع، تأثُّرُ الكتاب الجدد بأسلافهم دون ان يشعروا عن طريق التواصل المباشر مع تجاربهم، إذ عاث الغرور ببعضهم جنونا، حتى صار يتهم ‘أستاذه’ بسرقته، ناسيا بذلك أنه هو من اقتحم غرفة أفكاره، فسرقَ خيطه الذي ينسج منه قصيده.
ليست غايتي الإفاضة في الحديث عن هذه الظاهرة، ربما لأنها صارت واضحة للجميع، كذلك لست بصدد معاينة هذه التجارب المتعددة، المتفاوتة، والمتمايزة، إنما أردت أن أختبر من هذه الكتابة مستقبل القصيدة العربية، الذي يجده البعض مهددا، فيما يراه آخرون بأبهى صوره.
في الحقيقة هناك من يدعي أن قصيدة النثر (وهي الأكثر شيوعا على صفحات الكتاب الجدد) دخيلةً على العربية، وهناك من يصفها بالمنكر، ولكن لمَ لا نقول بوضوح وإطلاعٍ بليغين ان هذه القصيدة دخيلةً على كل لغات العالم ؟ فالإنجليز أيضا كانوا يكتبون الشعر الموزون، ولهم بحورهم التي تكاد تختلط ببحورنا العربية من الآيامبك الذي يساور المحدث إلى التروكييك الذي يقع على الكامل أو الرجز، وغيرهما كثير، كذلك الفرنسيون أيضا، وشعوب آسيا ..
إذن فهذا تطور عالمي، وتبدل شعري لا مناص منه، وفي ظل هذا التداخل العالمي على كل الاصعدة، كان لا بد لهذه القصيدة أن تزور العربية .. (أتحدث طبعا عن قصائد النثر الناضجة والمحققة للشروط الصعبة ) ولكنني هنا أميل إلى أولي النظرة المتشنجة وأقرّ بأن الشاعر فاقد أدوات القصيدة الموزونة، لن يستطيع تدشين قصيدة نثر واعية وناضجة، ليس انحيازا لهم، بل لأن قصيدة النثر تأتي في الطابق الثاني بعد قصيدة الوزن، وهي بالمنطق تطورٌ تلقائيٌ، لا يأتي إلا إذا اعتمد على أساس رصين .لذا فإننا نرى ما يهدد القصيدة العربية، ولكن ليس بالقدر الذي يتحدث عنه هؤلاء.
أما الجانب الذي يدعو للتفاؤل فيتجلى في أن القصيدة العربية أصبحت قادرة على المواكبة، قادرة على الوقوف إلى جانب قصائد عالمية أخرى، حيث تسوّغ ذلك رشاقتُها، وقدرتها على الجري إلى آخر الكون، بعد أن تخففت من أعباء ‘اللت والعجن’ التي أرهق كاهلَها بها شعراءٌ كلاسيكيون طاعةً للقافية أو الوزن.
على أية حال، نحن الآن في مواجهة قصيدة جديدة، ربما مأخوذة عن الهايكو الياباني، الذي ‘غزا’ القصة العربية أولا، ثم اتجه بقوة إلى الشعر، ومن هنا أريد التأكيد، على ان الشعر لا يعرف حدودا أو جنسيات، فالقصيدة بوح إنساني، والإنسان حاجاته واحدة وطموحاته وتطلعاته أيضا واحدة، مهما خطفته الجغرافيا، فلنكن أكثر وعيا ونستقبل قصيدة الكبسولة كما أسميها أو الهايكو كما يطلق عليها اليابانيون على أنها نوع شعري جديد لا على أنها ‘صاروخ ياباني’ ساحق، فلنكن أوفياء ونعترف أن ثورة الاتصالات كوّنت ثقافة كوكبية إلى حد ما، فكل أبناء الكوكب المعنيين بالاتصال يعرفون الانجليزية مثلا، كما أن الذائقة بدأت تتوحد في كل شيء ؛ في الملابس، الأغذية، الموسيقا، وكذلك الشعر.
لكنّ سؤالا لافتا يظل يلح في بالي، حين أتجول في صفحات مثقفي الجيل الجديد، خصوصا العرب منهم، لماذا ينخرط المثقفون في دوامة اللا – دين، أو معاداة الإله دائما، معتقدين أنهم بذلك يتجاوزون المقدس؟ ولماذا لا يفسرون قاعدة الناقد الاجتماعي والأدبي القاضية بأن تجاوز المقدس شرط للإبداع إلا بهذه الطريقة التي أصبحت منفّرة ؟
شخصيا لا أجد هذا الأمر مبررا، فتجاوز المقدس لا يعني تحقيره، او النيل منه، فقط يقضي بوضعه جانبا لحظة الإبداع، فبخلاف ذلك يصبح النص عقائديا لا شعريا، غير أن اولئك الذين يجدون في خرق تابو الدين منطلَقاً للجماهيرية من خلال ما يمكن أن يلحقهم من عقاب الرقيب وثواب المتضامنين، قد ينجون بأسماء رائجة، إلا أن نصوصهم تبقى فارغة إلا من تصديرهم العقائدي. ما حدا بي إلى طرح هذه القضية كان في الحقيقة ازدياد المشاهدات التي تقلّد بعضها دون جدوى، وانفجار هذه الظاهرة دون انذار، كذلك تكتم الآخرين وحذرهم من الخوض فيها، والخشية من انتقالها كعدوى بذات الأسلوب الذي انتقلت به عدوى الإبداع من ‘الأستاذ’ إلى الشاعر الشاب أو المحاول الشاب من خلال مواقع التواصل ذاتها.
أعي تماما أن لحظة التجلّي تتجاوز أي حاجز، وتقفز عن أي مقدس سماويّا كان أم أرضيّا، حتى انها تمرد على الداخلي كما يصفها جيمس جويس، لكن هذا لا ينفي التخلص من كل ما هو لاشعري عند الفراغ من كتابة النص، بما في ذلك كل ما هو مبتذل للدين بغض النظر عن ذلك الدين، فإن معاداة الأديان تطابق في آخر الأمر التزمّت، فكلاهما غلوٌّ، وكلاهما خارج سياق الشعر.
ثمة أسماء عملاقة تعاملت مع الأمر بالطريقة التي أراها مناسبة، وتخففت من إثارة النعرة الدينية في نصوصها، كثيرون لا حصر لهم أيضا اعتمدوا على النعرة تلك لترويج أسمائهم، لكنني في نهاية الأمر سأقول ان أبا العلاء المعري الشاعر والفيلسوف وأبا البقاء الرّندي الأندلسي وأبا تمام والبحتري وغيرهم من كبارنا لم يكونوا ‘لا- دينيين’ ولم يحقروا الأديان، فيما كان والت ويتمان شاعر أمريكا الأكبر متدينا جدا، حيث نعته النقاد بشاعر الفضيلة، كذلك جون دون الشاعر الإنجليزي العظيم والفيلسوف كان واعظا، وهنا أشير إلى أن محمود درويش ذاته تأثر بجون دون كثيرا خصوصا في مراحله الأدبية الأخيرة، إذ ظهر أكثر من توارد أو توافق في قصائدهما، وأكاد أعد هذه دلالة أخرى على صحة طرحي، أو إشارة من شاعر العرب الكبير محمود درويش بالموافقة.

شاعر وصحفي من فلسطين
[email protected]

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية