عن الكوارث والكوارث

حجم الخط
0

د. عبدالوهاب الأفندي

(1) يعتبر الزلزال الذي ضرب العاصمة البرتغالية لشبونة في الأول من تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1755 عند الكثيرين أول كارثة طبيعية في العصر الحديث. ولكن زلزال لشبونة يمكن اعتباره زلزال الحداثة بأكثر من معني، خاصة من ناحية تأثيره علي أفكار كبار مفكري عصر الأنوار في أوروبا من أمثال كانت وفولتير وروسو وتقويض أسس الفكر التقليدي في القارة.

وقد أدي الزلزال الذي أعقبه حريق وموجات تسونامي إلي إفناء ثلث سكان المدينة (90 ألفاً ماتوا إضافة إلي عشرة آلاف في المغرب) وتدمير 75% من مبانيها، إضافة إلي القضاء علي كنوزها الأثرية والفنية والمعمارية والوثائقية.(2)ليست الزلازل والكوارث بدعاً من الحداثة، ولكن التفسير التقليدي لها بأنها تعبر عن غضب سماوي واجه أزمة من وجهة نظر الفكر المسيحي وقتها، كون البرتغال كانت دولة كاثوليكية متشددة، تسعي إلي نشر المسيحية في العالم بقوة السيف وتنفق بسخاء علي الكنائس، كما كانت لشبونة أحد أهم مراكز محاكم التفتيش. وقد وقع الزلزال في يوم عيد كل القديسين، وهو أحد أهم العطلات الدينية في البلاد، ودمر العديد من الكنائس والكاتدرائيات، وفي وقت كان فيه معظم سكان المدينة يؤدون القداس في الكنائس.(3)التحدي الأكبر للفكر السائد لم يكن فقط للفكر المسيحي، انطلاقاً من أن المصيبة التي وقعت بأهل لشبونة سلمت منها مدن مثل باريس ولندن لم تكن في تقوي أهل عاصمة البرتغال، حتي وإن أدخلنا في الأمر منظور البروتستانتيين الذين يرون في تدين الكاثوليك ضلالاً مبيناً. فقد كان هناك تحد لا يقل أهمية لفكر التنوير الذي كان توحيدياً في توجهه، يفترض أن للكون خالقا واحدا عاقلا حكيما، هو الذي برأه ويسيره وفق قواعد الخير والعدل بحيث أن كل شر يقع فيه لا بد أن يوازنه خير أكبر حسب خطة كبري قد لا يدركها العقل البشري. فقد واجهت هذه النظرة تحديات لا تخفي تصدي لها أمثال فولتير. (4)أثار الزلزال فوق القضايا اللاهوتية مسائل علمية تتعلق بأسباب الزلازل، وقضايا اجتماعية تتعلق بطبيعة المدن الحديثة وازدحامها بالسكان، مفتتحاً بذلك توجهاً جديداً في الفكر الحداثي تجاه الكوارث، وهو فكر لا يركز علي القضايا اللاهوتية والفلسفية بقدر ما يركز علي المسائل العملية المتعلقة بمنع أو درء آثار الكوارث. وهذا التوجه يفترض فهماً جديداً لمسؤولية الإنسان عن الكوارث، ويستصحب فهماً ينطلق من قدرة الإنسان المطلقة للتحكم في بيئته.(5)العدد المتكاثر من الكوارث الذي أخذ يضرب كوكبنا الأرضي (زلازل، أعاصير، فيضانات، سيول، موجات تسونامي، مجاعات، جفاف، حرائق، أوبئة تفتك بالإنسان والحيوان) تعيد طرح نفس تلك الأسئلة مجدداً، في وقت أصبح التحدي لفهم هذه المصائب أكبر من وجهة النظر الكونية. وفي هذا الإطار تصبح الطروحات الاختزالية المبسطة، مثل الحديث عن التغير المناخي باعتباره التفسير الكلي لما يحدث، والمعادلة التي تختزل مسؤولية الإنسان عما يحدث وقدرته علي تلافيه إذا توفرت الإرادة، تصبح هذه الطروحات غير كافية.(6)من وجهة النظر الإسلامية فإن تفسير المصائب بالغضب الإلهي لا يكفي، رغم أن القرآن يعلمنا أن الفساد في البر والبحر إنما يظهر كعاقبة للكسب الإنساني. ذلك أن القرآن يؤكد أيضاً أنه لو أن الله سبحانه تعالي جازي البشر بما كسبوا لما ترك عليها من دابة. وعليه فإنه لا يمكن أن يكون هنا تناسب بين الكوارث الطبيعية والكسب البشري، حتي إذا تركنا جانباً سؤال لماذا تصيب الكوارث المؤمنين المصلين في اندونيسيا وبنغلاديش وتترك الملاحدة والظلمة في بقاع أخري. وعليه فإنه لا فائدة تجني من البحث في الحكمة الإلهية الخقية في هذه الوقائع، وهي حكمة غيبت عمداً عن العقول البشرية.(7)بنفس القدر فإن الغرور الإنساني الذي يعتقد ليس فقط بالقدرة علي فهم كل قانون طبيعي بل كذلك بالقدرة البشرية الكامنة علي الاحتياط من كل مكروه، وجعل البيئة الإنسانية محصنة تماماً ضد كل خطر محتمل يشير بدوره إلي خلل بين في التفكير. هذا الخلل ليس فقط مرجعه إلي خطأ هذا المنحي نظرياً، بل إلي الكوارث التي جلبها علي الإنسان. ففي العصر الحديث، تسبب حملة هذا الفكر عبر تجاربهم الفاشلة بدءاً بالاستعمار وما جلبه من إبادة جماعية لشعوب بكاملها، وانتهاء بالتجارب الفاشية والشيوعية والحروب التي راح ضحاياها عشرات الملاييين، وهو ما لا يقارن بضحايا كل الكوارث الطبيعية التي شهدتها البشرية منذ فجر الخليقة.(8)بين هذين القطبين هناك مجالات عديدة للتفكر في أسباب ومعاني وكيفية التعامل مع الكوارث الطبيعية. ولعل أهم معني في هذه الكوارث هو أنها اختبار أخلاقي لكيفية تعامل بقية البشر مع الضحايا، خاصة وأن هناك إمكانيات كثيرة لمساعدة المنكوبين والتخفيف من معاناتهم. فالمجاعات تقع في ظل وفرة غير مسبوقة في الطعام، وما يحتاجه ضحايا الزلازل والفيضانات لا يساوي شيئاً في ما ينفق في البذخ والتسلح واللهو. ولا بد أن نضيف هنا أن اضطراد الكوارث قد اختبر معادن الناس، حيث رأينا الشباب في بلدان كثيرة ينطلقون إلي أصقاع بعيدة لإعانة المنكوب وإغاثة الملهوف، وهي قيم إسلامية أصيلة لا نكاد نجدها للأسف في المجتمعات الإسلامية التي تخلفت كثيراً عن هذا الركب. ورغم الغني الفاحش لمجتمعات عربية وإسلامية فإن الغالبية من الأثرياء والحكومات لا يؤتون الزكاة إلا وهم كارهون، وبكثير من المن الذي يبطل الصدقات. وهذه هي الكارثة الحقيقية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية