عن المحاكم والمهازل في مهد الحضارات الزائلة
د. عبد الوهاب الافنديعن المحاكم والمهازل في مهد الحضارات الزائلة(1)الرئيس العراقي السابق صدام حسين وكبار معاونيه لا يحتاجون إلي محاكمة لأن جرائمهم واضحة ومعروفة ولا تخفي علي أحد. ولكن ما يسمي بالمحكمة التي يعرضون عليها حالياً تحولت إلي مهزلة حتي قبل أن تبدأ. وذلك لأن ما ارتكبوه من جرائم تحول إلي حسنات في ظل ما يرتكبه من آل إليهم أمر العراق اليوم من كبائر. فما من تهمة وجهت إليهم من قتل وتعذيب ومحاكمات جائرة وعدوان علي المدنيين إلا وهي تتضاءل اليوم أمام ما يقع في بلاد ما بين النهرين. فأين ما وقع في الدجيل من الفلوجة وتلعفر وكربلاء؟ وأين تعذيب زنازين الأمن من أبوغريب وغوانتنامو والمعتقلات السرية؟(2)لوكان قاضي محكمة صدام يمثل في فيلم كوميدي للسخرية من القضاة لما أجاد دوره كما يفعل الآن. القاضي تلا قبل أيام لائحة الاتهام ضد المتهمين، وذلك بعد أكثر من سبعة أشهر علي بدء المحاكمة. والمعلوم أن إخطار المتهم بالتهمة الموجهة له رسمياً لا بد أن يكون أول ما تقوم به المحكمة لا آخر ما تفعله. والقاضي وجه الاتهامات للمتهمين باسمه، وهذا لعمري قمة المهازل. فإذا كان القاضي هو ممثل الاتهام وهو الذي سيصدر الحكم، فما الجدوي من المحاكمة أصلاً؟ وقد زاد حضرة القاضي الهمام فمنع المحامين من المرافعة بدعوي أنهم يشهرون بالمحكمة! أن نتيجة هذه المحكمة قد عرفت سلفاً، وهي أنها تدين من شكلوها وأداروها، علي أقل تقدير بالتخبط وانعدام الكفاءة. فمن يدير محكمة لصدام حسين ثم يظهر فيها وهو المدان يجب أن يتعرض للإدانة بتهمة البلاهة والغباء والعجز.(3)في مصر المحروسة مهد الحضارات الثاني تعرض القضاء للإهانة عبر التعدي علي القضاة، وانتهاك حرمته، وأيضاً عبر توريطه في محاكمات صورية مثل محاكمة أيمن نور زعيم حزب الغد المعارض الذي أيدت محكمة الاستئناف الحكم الصادر ضده بالسجن خمس سنوات والحرمان من الحقوق السياسية خمساً أخري، وهو بيت القصيد حتي لا ينافس مرشح الحزب الوطني المعروف المجهول علي الرئاسة كما تجرأ وفعل من قبل. الإدانة في هذه القضية هي للحكومة ومن تواطأ معها من القضاة، لأنه لا أحد يصدق أن أيمن نور مذنب، حتي ولو كان بالفعل مذنباً، لأن لا أحد يصدق الحكومة. (4)الحكومة المصرية كانت قد ورطت نفسها في فضيحة مماثلة حين قامت بالحكم علي سعد الدين إبراهيم بالسجن ثم عادت وأطلقت سراحه ونقضت الحكم ضده. ومثل هذه المناورات تنال من هيبة الدولة والقضاء قبل أن تنال من المتهمين الذين يتحولون إلي أبطال، وتضيع جهود الإيقاع بهم هباءً وحق لها.(5)من المؤسف أن تتحول البلدان العربية التي علمت العالم الحضارة إلي أدغال متوحشة يقتل فيها الأبرياء وتهدر فيها الحقوق ويستخف فيها بعقول البشر عبر ممارسات هزلية تثير السخرية، وتظل الشعوب مستكينة قابلة لمثل هذه الترهات في الوقت الذي تنتفض فيه شعوب أخري في بلاد لا يكاد أحد يعرف أسماءها وتطيح بالطغاة في أيام معدودة.(6)مصر تشهد غلياناً هذه الأيام واحتجاجات ومسيرات تضامن مع القضاة وغير ذلك من مشاهد نفاد الصبر. ولكن الذي تحتاجه مصر ليس كل هذه الاحتجاجات وإنما مظاهرة واحدة تخرج إلي الشارع ولا تعود حتي تؤدي الواجب. فهل شعب مصر أدني كرامة وأقل شهامة وإقداماً من شعوب قرغيزيا والنيبال؟9