د. عائشة البصري
إن الانتفاضة الشعبية التي تعيشها الأوطان العربية، من تونس والجزائر، إلى عمان وصنعاء مرورا بالقاهرة، تقتضي التمعن في الدور الذي لعبته ومازالت تلعبه المرأة العربية في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ المنطقة. لا شك أن النساء يشاركن بشكل أو بآخر في مجرى الأحداث الراهنة، لكن نوعية ومدى مشاركتهن ربما لا يرتقيان الى الدور المطلوب والمرتقب من نصف المجتمع، فرغم تصّدر صور نساء تونسيات بعض الصحف العالمية، إلا أن الصور التي توثق ما يمكن تسميته بثورة الشارع العربي تكشف عن هيمنة الرجل على الفضاء الخارجي لهذه الثورة، وربما فضاؤها الإلكتروني أيضا. لقد مضت بضعة أسابيع على انطلاق انتفاضة الشعوب العربية ضد حكامها وأنظمتها، ولا تزال مشاركة المــــرأة العربية في مسيرات غضب الشارع العربي جد متواضعة إن لم تكن خجولة أحيانا. فكلما تفحص المُشاهد عدد النساء اللاتي نزلن الى شوارع القاهرة والجزائر وصنعاء وعمان، إلى جانب شباب ورجال ثائرين، اتضح أن هذه ثورة تكاد تكون حكرا على الرجال، وأن معظم النساء اللاتي تجرأن على الاختلاط بهم، هن شابات محجبات، يقيهن الخمار والجلباب، خطورة الموقف وشرالمضايقات المعتادة. وإذا كان لا بد من تفسير هذا الوضع، فيمكن أن نعزيه إلى كون الشارع العربي على العموم يشكل فضاء يصعب فيه الاختلاط بامتياز، إذ تتجلى فيه ظاهرة التحرش بكل أنواعها بما فيها التحرش الجنسي. فاستفحال هذه الظاهرة في شوارع القاهرة ألهم محمد دياب إخراج فيلم ‘687’، الذي تم عرضه في نهاية كانون الأول/ديسمبر في غالبية دور العرض السينمائية بمصر، حيث أحدث ضجة، نظرا لتناوله الحقوقي الجريء لأحد المواضيع الشائكة في المجتمعات العربية. هكذا تكون رمزية الشارع التي تقترن في ذهن العديد من النساء بذكوريته قد أثرت في ضعف المشاركة النسائية على أرض الواقع. لكن من المفارقات المدهشة في مشاركة الفتاة والمرأة العربية في تغيير المشهد العربي اليوم هو إقبالهن المتزايد على المواقع الاجتماعية، وفي مقدمتها الفيس بوك، رغم أن عزوف بعضهن عن وضع صورهن على صفحاتهن صار يملأ ‘دفتر الوجوه’ العالمي بصفحات عربية بلا وجوه. هنا يجب التساؤل عما إذا كان هذا الفضاء الإنترنتي قد ساهم بدوره في عزلة المرأة العربية، التي تتحرك في فضاء افتراضي قد يضيع عليها فرصة الانخراط بشكل أكبر في حركة التغيير، التي أصبح الشارع مسرحها ومحركها.
رغم هيمنة الرجل على الشارع العربي، فضلا عن العنف الثوري الذي اتسمت به بعض المسيرات الاحتجاجية لم يتردد عدد من النساء، خاصة المحجبات منهن، عن الإلقاء بأجسادهن في الشوارع المنتفضة ورفع أصواتهن احتجاجا ضد الحكام العرب ومطالبتهن بتغيير النظام وتحسين ظروف عيش المجتمع، إذ تجدر الإشارة هنا إلى الدور القيادي الذي تضطلع به الصحافية والناشطة اليمنية توكل كرمان في تنظيمها لاعتصامات واحتجاجات تطالب الرئيس اليمني علي عبد الله صالح بالتنحي عن السلطة، والمشاركة الفعالة للمرأة المصرية في الحركة الاحتجاجية الديمقراطية (كفاية)، بالإضافة الى احتجاجات واعتصامات زوجات وأمهات السجناء والمعتقلين والضحايا.
وتبقى تونس هي البلد العربي الذي أثرت فيه المرأة وبشكل مباشر في ما قد يسفر عن تغيير مجرى تاريخ المنطقة. ففي تونس لوحظ أكبر عدد من النساء من مختلف الأوساط والأعمار والانتماءات، شاركن منذ البداية في موجة الاحتجاجات العارمة التي أسفرت عن فرار بن علي وزوجته ليلى الطرابلسي. كما رسخت في ذهن الملايين من المشاهدين صورة تلك الشابة التونسية وهي تنحني على شاب مُلقى على الأرض لتقدم له إسعافات أولية واضعة فمها بمحاذاة فمه، في لحظة وطنية تغلب فيها الحس الوطني على كل الاعتبارات الاخرى.
إن الجمهورالمطـّلع على المجتمع التونسي لا يمكنه أن يندهش لمثل هذه اللقطة، وغيرها من المواقف التي أظهرت مدى تحرر النساء التونسيات واضطلاعهن بدور فاعل في الثورة التونسية، وما يحظين به من حقوق تكاد تكون نادرة في معظم الدول العربية، وذلك منذ الثلاثينيات من القرن المنصرم، حيث لعب الكاتب الطاهر الحداد دورا رياديا في انطلاق مشروع تحرير المرأة التونسية، الذي زكته قوانين مجلة الأحوال الشخصية التي أصدرت منذ 1956 في عهد الحبيب بورقيبة، وقوانين أخرى ُسنت خلال حكم بن علي الذي لا يمكن إنكار أنه أتاح للمرأة التونسية بعض الحقوق الإضافية، بما فيها الحق في منح جنسيتها لأطفالها إذا كان زوجها غير تونسي، وجعل بيت الزوجية من حق الزوجة وأبنائها في حالة الطلاق. لكن يبدو أن الدور الذي لعبته المرأة التونسية في تحريك الجماهير العربية يتعدى مشاركتها الفعلية، في ما أطلق عليه ‘ثورة الياسمين’، إذ إنها ربما كانت السبب الحقيقي الذي دفع بمحمد البوعزيزي أن يضرم النار في نفسه ويحرق ما تبقى من كرامته، بعد أن أهانته وصفعته أمام الملأ شرطية تدعى فادية حمدي، وهي تصادر الفاكهة التي كان يبيعها كبائع متجول. هذه هي الرواية التي تداولتها معظم وسائل الإعلام عقب الحادث، والتي إذا ما ثبتت صحتها، يستوجب على مدوني هذه الثورة أن يقرّوا بأن ما أشعل فتيلها هو ما مارسته امرأة شرطية من عنف وإهانة لشاب لا يملك شيئا غير كرامته، شاب هزمه وقهره وأذله استفحال الظلم والبطالة والرشوة، لتصفعه في الأخير امرأة تساوت في تسلطها مع رجال بن علي فقتلت فيه ما تبقى من رجولة مستباحة بشكل أقنعه أن لا فائدة من العيش بعد ذلك. فكان انتحار البوعزيزي، وكانت الثورة ضد استبداد وفساد الرجل والمرأة اللذين مثلهما الديكتاتوران بن علي وزوجته ليلى. ليلى الطرابلسي، المعروفة في تونس بـ ‘الحجّامة’ إشارة إلى مهنة الحلاقة التي كانت تمارسها قبل زواجها بالرئيس المخلوع، هي المرأة الثانية التي لعــــبت دورا أساســـيا في تأجيج غضب الشعب التونسي الذي جاب شوارع البلاد يهتف ‘الزين في التركينة والحجّامه تحكم فينا’ إشارة الى النفوذ الكبير الذي تمتعت به السيدة الأولى وعائلتها، بالإضـــــافة الى فساد واسع النطاق. هكذا تكون امرأتان، الشرطية وزوجة الرئيـــس، أفضتا الى سقوط الديكتاتور وتفجــــير انتفاضــــة عربية غير مسبوقة. عبر هذين النموذجين تكتمل صورة المرأة العربية في بداية القرن الواحد والعشرين والتي تتأرجح ما بين الضحية والجلاد.’ كاتبة مغربية