اوباما ونتنياهو وأبو مازن يفهمون أن الزمن الذي يمر هو عدوهم الحقيقي وذلك لأنه يمنح الانتصارات للاحباط واليأس يوسي بيلينفي نظرة الى الوراء للاسبوع الماضي، الجميع في واقع الامر يحق لهم أن يكونوا راضين: الرئيس الامريكي باراك اوباما ظهر في مؤتمر صحافي عن الشرق الاوسط والقى خطابا جميلا، ذكيا بل ومثيرا للانفعال. وتناول بيع الشعوب العربية، وعد بالمساعدة لمن يحاول قيادة سياقات ديمقراطية بل ورسم اجزاء من الصيغة السياسية لتسوية اسرائيلية ـ فلسطينية. لم يقدم جديدا بعيد الاثر، ولكنه وضع رزمة لا تخجل المعسكر الليبرالي. بعد ذلك تحدث في ‘عرين الاسود اليهودي’، مؤتمر ايباك، وخرج من هناك بسلام بل وبتصفيق وقوفا. الكثيرون قرروا أنه صديق اسرائيل، وهكذا فقد عدل الانطباع الذي نشأ في اوساط المتفرغين السياسيين اليهود في امريكا. وعلى الاقل في اوساط الكثيرين منهم (اولئك الذين يعتقدون انه يسعى الى تدمير اسرائيل لن يغيروا رأيهم في كل الظروف). رئيس الوزراء ظهر في مواجهة مع اوباما في ختام لقائهما المشترك يوم الجمعة قبل اسبوعين، رفض بكل قوة استيعاب فكرة الدولة الفلسطينية على اساس حدود 67 مع تعديلات متبادلة، وقرر انه لا يسمع سوى تعبير ‘حدود 67’. نقطة. ومنذئذ لا يكف الرئيس الامريكي عن الصراخ بالقسم الاخر من الجولان: ‘مع تعديلات متبادلة، مع تعديلات متبادلة’. نتنياهو استقبل بحماسة لدى منظمة ‘ايباك’ وأصر على ان اسرائيل لا يمكنها أن تتنازل عنه ومن هناك انتقل للظهور امام الاجتماع المشترك لمجلسي الكونغرس، فيما أن الجميع كانوا يحصون عدد المرات التي نهض فيها اعضاء الكونغرس ومجلس الشيوخ للتصفيق على شرفه. وقد بسط هناك خطابا اسرائيليا فخورا وحظي على الفور بعطف الجمهور وبعلاوة زخمة من المقاعد لليكود، حسب شهادة الاستطلاعات. محمود عباس، الذي شاهد ما يجري في واشنطن من الشرق الاوسط، كان يمكنه أيضا أن يتنفس الصعداء من خطاب اوباما ومن الذكر السابقة (ليس تماما) لخطوط 67 والانصات لخطاب مرتب ومصقع لنتنياهو، الذي عرض فيه خطة سلام لا يمكن لاي دولة في العالم ان تتبناها. قام الاخرون بالمهمة نيابة عن عباس. عباس نفسه يواصل جمع المؤيدين للخطوة التي يعتزم القيام بها في الجمعية العمومية للامم المتحدة قريبا، في ايلول (سبتمبر)، وينكب على تشكيل حكومة الخبراء التي تحظى بمباركة حماس وفتح ويفترض أن تقبل بشروط الرباعية. اذا ما نجح في هذه التحديات، فسيكون بوسعه بعد بضعة اشهر ان ينزل عن منصة التاريخ بينما الضفة الغربية وغزة تعودان لتكونا كيانا واحدا، الامم المتحدة توصي الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والقيادة الاسرائيلية تكشف نفسها أمام العالم كصاحبة اقتراحات سياسية عديمة التأييد.’ ‘ ‘غير أن ثمة مشكلة صغيرة: الاهداف التي تحققت الاسبوع الماضي كانت، كلها، على مستوى الوهم. على المستوى العملي لم يتحقق أي تقدم لأي من الاطراف الثلاثة نحو تحقيق اهدافهم. اوباما يستعد لاخراج الجيش الامريكي من العراق ومن افغانستان، وهو يرغب جدا في ائتلاف عربي يمنع تعزز النفوذ الايراني في أعقاب الانسحاب. وهو يعرف ان مثل هذا الائتلاف لن يقوم، وبالتأكيد ليس في عصر ربيع الشعوب العربية، دون حل النزاع الاسرائيلي الفلسطيني. لقد ارتكب اوباما اخطاء عديدة في السنتين الاخيرتين، بما فيها جعل المطلب العادل بتجميد الاستيطان شرطا للمفاوضات، تعيين جورج ميتشيل مبعوثا الى الشرق الاوسط واعادة دنيس روس الى الموضوع الشرق اوسطي، الذي فشل فيه جدا في سنوات ماضيه. الان، في خطاب ‘القاهرة 2’ خاصته، لم يكلف اوباما نفسه عناء تعيين مبعوث جديد ولم يقترح أي سبيل عملي لاستئناف المحادثات. القى بخطاب جميل بلا استنتاجات، بلا سطر أخير، ومن يرغب يمكنه أن يتعرف من ذلك على ان الحديث يدور عن رئيس رفع يديه. ابو مازن يعرف جيدا ان الجمعية العمومية للامم المتحدة ليست مصنعا للسياسة، وفي ايلول (سبتمبر) لن تقوم دولة فلسطينية. سلطة فلسطينية مع مستوى منخفض جدا من الاستقلال ستواصل الوجود على 40 في المئة فقط من الضفة الغربية، بلا معبر الى غزة، حين يكون قسم هام من الارض الصغيرة هذه خاضعة للسيطرة الامنية الاسرائيلية.
كما يعرف أيضا ان أي خطوة مصالحة حقيقية لم تبدأ بين فتح وحماس، وان دخول حماس الى م.
ت.
ف من شأنه أن يؤدي الى انهيار فتح، وان حكومة الخبراء التي اتفق عليها ستكون صعبة التشكيل جدا. وهو من شأنه أن ينهي ولايته الممددة دون دولة فلسطينية ومع مسيرة غير مكتملة وكثيرة الشبهات مع حماس. نتنياهو يريد ان يمنع وضعا تكون فيه اقلية يهودية تسيطر على أغلبية غير يهودية في بلادنا، ويمنع استمرار عزل اسرائيل. بعد فترة طويلة سمح لنا بان نفهم بانه اذا ما تحققت شروط معينة فسيكون مستعدا لحلول وسط بعيدة الاثر، كشف نتنياهو بعضا من خطته، فتبينت كخليط ‘مظفر’ من مشروع الون مع لاءات اسحق شمير. هذه خطة وان كانت حظيت بعناق كبير من اليمين في حزبه ومن اليمين في الكنيست، ولكن بعد أن حظي على مدى اكثر من سنتين بالتمتع بالشك، وبالتقدير بان ربما مع ذلك هذا نتنياهو الذي لا يبحث فقط عن ‘مكان تحت الشمس’ تبين ان شيئا لم يحصل. وقد حظي الخطاب بالتصفيق، ولكنه لم يفعل سوى أنه أبعد الاحتمال في منع وضع سلطة الأقلية من خلال الاتفاق. نتنياهو حرص على ألا يقترح شيئا. لا طريق جديدة للوصول الى تسوية دائمة، لا تسوية انتقالية ولا حتى خطوة أحادية الجانب. خطب خطابه ونزل عن المنصة كمن ينتظر ظهور النقد المسرحي في صحيفة الغد.
ولكن نتنياهو ليس ممثلا ولا يشارك في مسابقات الخطابات. هو سياسي يفترض ان يقود شعبه، ومضمون كلامه يبعث على اكتئاب كل من يريد حقا ان يحل هذا النزاع الطويل والنازف… ماذا سيفعل هؤلاء الثلاثة كي يعالجوا المشكلة الحقيقية؟ ظاهرا لا تجدهم يسارعون الى أي مكان. ثلاثتهم يحظون بشعبية أكبر من تلك التي حظوا بها قبل بضعة اشهر. اوباما صفى بن لادن، نتنياهو هزم اوباما، وأبو مازن وحد شعبه ويحظى بعطف العالم. كل واحد منهم كان سينتصر في الانتخابات فيما لو جرت الآن، وعليه، فان أيا منهم لا يسارع الى تغيير الوضع الراهن.
هل معنى الامر ان شيئا لن يحصل؟ بالتأكيد لا. أولا، يوجد واقع يتغير من الصبح الى المساء، وهو كفيل بأن يدفع أصحاب القرار الى العمل خلافا لما يبدو في هذه اللحظة مصلحتهم الفورية. ثانيا، هم ايضا يفهمون بأن انجازاتهم الحقيقية هشة وآنية جدا وهم يحتاجون الى حلول دائمة. ثالثا، ثلاثتهم يعرفون أنه حتى ضمن القيود الشديدة القائمة، سيكون ممكنا على الأقل الوصول الى تحقيق المرحلة الثانية من خريطة الطريق: دولة فلسطينية في حدود مؤقتة، في الطريق الى اتفاق دائم. ثلاثتهم زعماء واعون بأن مصلحة شعوبهم أمام ناظريهم، وثلاثتهم يفهمون جيدا التعبير الخالد لنتان ألترمان ‘والزمن كالشمعة يذوي’. الزمن الذي يمر هو العدو الحقيقي للثلاثة، وبصفته هذه فانه يمنح الانتصارات للاحباط واليأس.
اسرائيل اليوم 5/6/2011