عن النموس القابعة خلف التلال

حجم الخط
0

عيد اسطفانوس هذا هو الموقف بعد أن توارى الفصيل الرئيس، أي هؤلاء الشباب الأنقياء الأبرياء الذين أذهلونا ـ وذهلوا أيضا معنا ـ وأذهلوا العالم كله من حجم الانجاز الذي فعلوه، وبينما هم لازالوا في مرحلة سبات ما بعد الدهش فاغري الافواه، كانت النموس القابعة خلف التلال تترقب المواقف وتتحين الفرص على الساحة لاقتناص الثمار الناضجة المتساقطة بكثرة، أما من هم هؤلاء النموس؟ فهم كثر اولا: الذين شعروا بأن الزمن تجاوزهم وهم قد جربوا قبلا مرارة الفرص الضائعة، وأظنهم استوعبوا الدروس المستفادة من إهدارها وأمسكوها هذه المرة ويعضون عليها الان بالنواجذ. ثانيا: تيارات الفاسدين المحترفين الذين هبوا لاقتناص الفرصة وتلوينها باللون الجديد والبحث عن لحم الكتف، وهم يعرفون من أين يؤكل. ثالثا: تيارات المهرجين ومدعي البطولة في الميدان وخارجه، الذين هرعوا لتسجيل المواقف وتوثيق وجودهم في مشاهد الفضائيات وحوارات الزعامة، ونسوا ما أنتجوه من الهراء طوال نصف قرن، وهو الذي عضد قوة هذا النظام وساهم في استفحاله. رابعا: أقطاب النظام السابق الذي يعتقد البعض أن حل حزب هذا النظام أو حرق مقاره سوف يلغي نفوذه، وهو وهم كبير فرموز هذا النظام هم كبار العائلات وزعماء القبائل، وما دامت الانتخابات القادمة ستتم بالنظام الفردي المقيت، فهم لا شك قادمون ربما بوجوه أخرى وأسماء جديدة، لكن هم قادمون للدفاع عن مصالح ومراكز ومناصب ومكتسبات عائلاتهم وقبائلهم، ولن يسمحوا لأحد بالاقتراب منها. خامسا: البلطجية وتجار المخدرات وتجار السلاح ومافيا الاراضي وأولئك أخفهم ضررا نظرا لوضوح أهدافهم. سادسا: كل اللاعبين في ملعب النظام السابق، ومن كان يطلقون على أنفسهم صفة معارضين من أحزاب وصحف وشخصيات، وكلهم تمويلهم مشبوه ولم ينجزوا شيئا على الساحة سوى شرعنة الفساد والظلم. سابعا: كل من وصمهم نظام العدالة في عهد مبارك بالحق أو بالباطل وهم يظهرون الان كضحايا مضطهدين يبحثون عن الانتقام والتعويض. وأكاد أجزم أن العسكريين لم يتوقعوا أن تتدحرج كرة النار لتستقر في حجرهم بهذه السرعة ـ فقد وجدوا أنفسهم في مهمة جديدة بكل المقاييس لم تتضمنها أولويات عقيدتهم القتالية منذ نصف قرن، رغم ما ينص عليه الدستور على أنها مهمة أساسية لهم، لكنهم ليسوا مؤهلين لقتال البلطجية وتيارات أخرى محترفة لهذا النوع من الصدام، وهم يتحرشون بهم الآن بكل الطرق لصناعة الموجة الثانية من الفوضى العارمة، فالموجة الاولى أخذوا بها على حين غرة، فقد حدثت بأسرع مما كانوا يتوقعون بفارق زمني كبير أربك حساباتهم في توقيت الانقضاض، حيث لم يتمكنوا من تجميع القوى اللازمة في الوقت المناسب، أما الآن فهم متأهبون تماما، بمجرد أن ينسحب الجيش من الساحة، في الوقت الذي يعيقون فيه بكل السبل أي جهد لرجوع منظومة الامن إلى الشارع ليقينهم بأنها ستكون عقبة كأداء في طريق تنفيذ مخططهم. أما عن شباب الثورة فالمؤكد أن مفاجأة ظهور مبادئهم الخالية من الشعارات المفضلة للتيارات الدينية، والتي كانوا يظن منظروهم أنهم انتفضوا تحت لوائها، إلا أن المفاجأة الكبرى للجميع ـ وليس لهؤلاء فقط ـ عندما رفعت لافتات تعكس طرائق جديدة في الفكر والثقافة المختلفة والمعجونة بالتقنيات الحديثة وثقافات الكون الواسع، هذه الطرائق التي سرت بين الشباب سريان النار في الهشيم، وأصبحت هناك وسائل مبتكرة وأفكار جديدة للحشد والتجمع والتنسيق، بينما توقف أصحاب الأفكار المتزمتة ومن شابههم في هذه التيارات عند مرحلة التقية والعداء لهذه المنتجات الفكرية الوافدة، وكل ما يستتبعها من أفكار كونية يحسبونها خطرة على عقول شبابهم، التي ظلت محصورة في نطاق مظاهر وممارسات شكلية، مؤكد أنها لم تشبع عقول هذا الجيل النهم للمعرفة الحرة، التي أفرزتها الحضارة الانسانية القائمة على احترام الكيان الانساني للفرد كوحدة مستقلة ناضجة مسؤولة، وليست وحدات يجب أن ترص أو قطعان يجب أن تساس، وها قد رأينا الملايين من البشر لم نعرف لهم قائدا أو مشيرا أو مرشدا، هم أولياء أمور أنفسهم، وقد ظهر التباين جليا في اللافتات التي رفعت في الميدان، وهي تتحدث عن عدل ومساواه وحرية للجميع، مما جعل شعارات التمايز والاستعلاء الديني والعرقي والقبلي التي سادت من عقود وشجعتها ورعتها الأنظمة الفاسدة في كل هذه المنطقة الموبوءة لأهداف خبيثة، جعل من تلك الشعارات العنصرية شعارات تبدو وكأنها خارج السياق، مما أجبر اصحابها على مواراتها ولو مؤقتا لحين تهيئة المناخ وإزاحة الرموز المعيقة وإرهابها بطرقهم القديمة، بدءا من اتهام أحد أبرز الناشطين بالماسونية حتى نزع صورة الطفلة البريئة الشهيدة من قائمة الشهداء لأنها حاسرة الرأس، انتهاء بإغراق الشوارع بالمنشورات عن الدولة الدينية القادمة (وإلا)، بالاضافة بالطبع لموجة التحريض على العصيان والاضرابات وتدمير المنشآت، وغيره وغيره. وبعد هتافات الشباب (الشعب يريد اسقاط نظام الحكم) أصبحت المقولة تعني اسقاط نظام الحياه كله، ونبدأ الاحتفال بمناسبة دخول النفق بعد أن ذهبت سكرة الاحتفال بالثورة، نحتفل بالدخول المظفر للنفق المظلم، ونبدأ في ممارسة كل الطقوس التي مارسها كل الذين دخلوه من قبلنا، وربما لم نصل بعد إلى مرحلة المفخخات لكننا ماضون، وبكل المقاييس دخلناه، دخلنا النفق الطويل حالك الظلام، النفق المراوغ الذي يظهر الضوء في نهايته كسراب الصحارى القاحلة، ويزيد الناس من اندفاعهم بغية الخروج، ويدهسون بعضهم بالاقتتال وتصفية الحسابات وممارسات التشفي والانتقام والفوضى والشلل الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، وبقية القائمة السوداء المعروفة، وتضيع لحظات البهجة التي دخلت قلوبنا على استحياء، وربما يستدعي المصريون مقولتهم المأثورة والمشهورة (فرحة ماتمت خطفها الغراب وطار) أو خطفتها النموس التي ظلت قابعة خلف التلال ونعود على بدء، أنظمة تقهرنا بتنظيرات مستحدثة، ونعود فنعيد بث متوالية القهر الازلية في بعضنا البعض لعقود تالية، لكن الامل لازال يتراقص أمام الاعين، الامل في أن تهب الموجة الاولى من تسونامي 25 يناير بمكونها البكر الاول، وتفرز كل المتسلقين وتطرد كل النموس نهازي الفرص، وتعلن مبادئ الثورة واضحة جلية من دون مواربة أو توازنات. دولة حرة ديمقراطية لا يحكمها العسكر أو رجال الدين، دولة تحترم فيها عقائد الناس كلهم، دولة تؤصل لحق الاختلاف ولا يستعلي فيها بشر على بشر بسبب اللون او الدين او العرق او الجنس، ودستور متفق ومتوافق عليه، دستور لا تكمن فيه المفخخات بين مادة وأخرى، دستور لا يعيق انسجامنا، وكفانا من هذه الدساتير العنصرية المهلهلة التي غاصت بنا في أوحال الفقر والقهر والجهل والمرض، وعدنا القهقرى مئات السنين، بسبب أوهام تمايز واستعلاء بشر على بشر بأديانهم أو لون جلودهم أو أجناسهم أو أعراقهم، أوهام كرست بتأويلات فاسدة ودساتير وقوانين تتعارض مع أبسط حقوق البشر، الحقوق التي منحهم الخالق إياها لحظة ولادتهم وأولها وأهمها الحرية، وبالمقابل انطلقت أمم وكانت في ذيل القائمةن انطلقت إلى الأمام عندما تحررت من تلك الاوهام البغيضة، عندما تجانست وتوافقت مكوناتها على أن كل إنسان يحمل هوية هذا الوطن ويعيش على أرضه، هو آمن على بيته وعقيدته وثقافته وماله وعرضه وأن كل ما سبق هو خط أحمر قان لا يمكن الاقتراب منه، وعندما يأمن الناس على مستقبلهم ومستقبل أولادهم وأحفادهم عندئذ تنطلق مبادرات الابداع والتفوق بلا حدود.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية