بعد المرور على قرى سردا وأبو قش وبلدة بيرزيت الشهيرة تتجه إلى الشمال الغربي نحو ثلاثة كيلومترات ونصف الكيلومتر فتصل إلى بلدة عطارة الجبلية المحاطة بمجموعة قرى، مثل عبوين وعارورة ودير السودان وعجول وبرهام. تقف على رأس الجبل تتنفس هواء عليلا رقيقا يداعب وجهك بحنان زائد كأنه يعرف أبناء هذا الوطن ويفرق بينهم وبين الغرباء. تتمنى لو تستطيع أن تضم هذا النسيم إلى صدرك أو تمسكه بأصابعك أو تطوي حفنة منه وتخبئها في جيبك إلى الأبد. على مرمى البصر يبدو البحر المتوسط تظلله غيمات من الندى لا أحلى ولا أجمل. هذه مدينة الروابي الشهيرة التي سمعت عنها الكثير وقرأت عنها أشياء متناقضة، وأحببت أن أقف عليها بنفسي.
‘هذا هو المجسم لمدينة الروابي التي ستتنهي المرحلة الأولى منها وتكون جاهزة للتسليم في بدايات عام 2014’، قالت الشابة هديل مسؤولة العلاقات العامة في قاعة الاستقبال الفارهة، التي قدمت لنا شرحا تفصيليا بليغا ودقيقا عن المدينة، مستخدمة آخر وسائل التكنولوجيا صوتا وصورة. قد تكون مدينة الروابي أول مدينة ينشئها رأس المال الخاص، من دون أي دور للسلطة إلا ما تحتاج إليه من تسهيلات وتراخيص، ولكنها بالتأكيد ليست الأخيرة. تفوق تكاليف المدينة 850 مليون دولار تتقاسمها شركة ‘بيتي’ للاستثمار العقاري الفلسطينية وصاحبها بشار المصري، وشركة ‘الديار’ القطرية للاستثمار. وتشرف على المدينة مجموعة من خبراء محليين من جامعـتي النجاح وبـيرزيت. ما يميز هذ المدينة عن غيرها أنها عصرية بكل المقاييس، من النواحي الفنية والتقنية والبيئية، فالمساحات الخضراء تأخذ جزءا مهما من الـ 6300 دونم، وعند اكتمالها ستتكون من 23 حيا سكنيا تتسع لأربعين ألف مواطن؟ كما ستضم مركزاً تجارياً وفندقاً وقاعةً للمؤتمرات وخمس مدارس خاصة وحكومية، إضافة إلى مرافق طبـية ومساجد وكنيسة ومسرح مفتوح يتسع لأكثر من عشرة آلاف شخص، إضافة إلى متنزهات خضراء عديدة. الشي المهم، تضيف هديل، أن إنشاء المدينة سيوفر نحو 10000 فرصة عمل خلال مراحل البناء وسيؤمن بعد اكتمال البناء 3000 وظيفة دائمة، على الأقل في قطاعات الخدمات والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. لقد بدأت المدينة تفتح باب التملك في المرحلة الأولى بأسعار تشجيعية، على أن يتم تسليم الشقق عام 2014.
لا شك أن المدينة مفخرة لا تخطئها العين، وحدث نوعي يؤكد عمق الانتماء إلى الأرض الوطن، ولكن بقي لدي ثلاثة أسئلة لم أجد جوابا عليها، لا من هديل ولا من الكتيبات والمقالات الكثيرة التي تناولت تفاصيل المدينة، مشروعا وإنجازا ومستقبلا، وأود مشاركة القراء فيها بعيدا عن عقلية المؤامرة المفضلة لدى كثير من أبناء العروبة الاستناد إليها كلما غابت المعلومة الصحيحة:
السؤال الأول الذي يتبادر لذهن كثير من الناس يتعلق بدور إسرائيل في المشروع، وهل كانت ستسمح لمثل هذا المشروع الضخم لو لم تكن مستفيدة؟ ما هو دور الشركات الإسرائيلية في عملية البناء، وكيف سيتم التعامل مع مستوطنة عتيروت التي تقف على أبواب المدينة؟
السؤال الثاني عن سر تقاطر الوفود الأجنبية لزيارة المدينة، خاصة توني بلير الذي ما فتئ يزورها بين الفينة والأخرى بصحبة صديقه الأوفى سلام فياض، رئيس وزراء السلطة الفلسطينية السابق. كما أن الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، كان أيضا من زوارها بتاريخ 1 شباط/فبراير 2012، هذا عدا عن السفراء والوفود الأجنبية والمستثمرين.
والسؤال الأخير حول دور وكالة المساعدة الأمريكية (يو إس أيد) وتقديم مبلغ خمسين مليون دولار تبرعا للمدينة. بالتأكيد لا شركة ‘بيتي’ ولا شركة ‘الديار’ بحاجة إلى الخمسين مليونا، لكن هذا المبلغ، إذا كان الخبر دقيقا، لا بد أن تكون له أبعاد أكبر من مجرد التشجيع.
عن تبادل الزيارات الحميمية
حديث الشارع في رام الله، لقاء تم بين قيادات من منظمة التحرير الفلسطينية وفتح مع نحو 50 شخصا يمثلون حزبي الليكود وشاس المتطرفين يوم الأحد 7 تموز/ يوليو، وأين؟ في مقر منظمة التحرير الفلسطينية. مظاهرة صغيرة قد لا تتجاوز المئة شخص تجمعوا أمام المقر ورفعوا شعارات تطالب بإقالة الاشخاص الثلاثة الذين استقبلوا الوفد، وحسبما قال لي أحد العارفين إن الكرم العربي الذي يجبر المضيف على تكريم ضيفه فقد أصر المضيفون على تقديم العشاء لضيوفهم. فما كان من الضيوف الثقال (والثقل هنا من ثقل الدم وليس من ضخامة الحجم الاعتباري) أن ذكـّروا مضيفيهم بأنهم لا يأكلون إلا ‘كوشر’ أو حلالا على الطريقة اليهودية، فلم يتوان سيد الجلسة عن الطلب من احد مطاعم القدس الغربية بتزويد الحضور بما لذ وطاب من طعام قرأ عليه الحاخام ليكوشره فتكوشر. وكان المسؤولون الثلاثة قد قاموا بصحبة اثنين آخرين يوم الاثنين السابق لاجتماع رام الله، أي يوم الأول من يوليو بلقاء حميمي مع وفد برئاسة تسيفي ليفني/ بطلة عملية الرصاص المسكوب فوق غزة في نهايات 2008، وذلك في مقر الكنيست بالقدس الغربية. ولتوضيح أسباب اللقاءات أود أن أقتبس جملتين من أصحاب اللقاء، كي أضع القراء أمام الواقع المزري الذي وصل إليه الأوسلويون وأصحاب مبادرات جنيف، الذين تطوعوا نيابة عن الشعب الفلسطيني بالتخلي عن حق العودة وقبول مبادلة الأراضي. يقدم السيد نبيل شعث تفسيرا بليغا لأسباب هذا اللقاء: ‘هم قلقون جدا ليعرفوا الموقف الفلسطيني، وأبلغناهم بأنه لن تكون هناك مفاوضات والاستيطان مستمر…. لقد كان الوفد الإسرائيلي مهتما بمعرفة الأسباب التي تحول دون ذهاب الفلسطينيين للمفاوضات مع نتنياهو’.
يا سلام على البلاغة وطرق الإقناع، عشرون سنة مفاوضات وما زال ممثلو الليكود وشاس المساكين لا يعرفون لماذا لا يعود الفلسطينيون إلى المفاوضات، والشيء بالشيء يذكر فقد قرر الفلسطينيون العودة إلى المفاوضات، من دون وقف الاستيطان على عكس ما قال السيد شعث.
أما ياسر عبد ربه، مهندس هذه اللقاءات فقال: ‘إن السلطة الفلسطينية مستعدة لاتخاذ خطوات غير مسبوقة في عملية التفاوض مع إسرائيل، وأن الجانب الفلسطيني يتخذ موقفا مسؤولا عندما يصر على ضمانات لإنجاح التفاوض… يجب على الطرفين تليين مواقفهما ليتسنى استئناف المفاوضات’.
أتمنى أن يلاحظ القارئ عملية المساواة بين الضحية والقاتل، بين السجين والسجان، وبين سلطات الاحتلال منذ 46 سنة والشعب الذي يرزح تحت هذا الاحتلال الاستيطاني الإحلالي العنصري، وشاهد بعينيه زحف المستوطنات لابتلاع 60′ من أرضه في الضفة الغربية، بما فيها القدس، عدا عن الجدار العازل والأسرى وسرقة المياه وغير ذلك. المطلوب الآن تليين الموقف الفلسطيني واتخاذ خطوات غير مسبوقة… ونسأل بكل براءة وهل بقي شيء إلا الاعتراف بيهودية الدولة التي لم تأت وثيقة جنيف لعام 2003 على ذكرها، لأنها لم تكن مطروحة آنذاك وإلا لكانت مثبتة في تلك الوثيقة، فمن يتنازل طوعا عن حق العودة لا يأبه بتقديم تنازلات تاريخية أكبر وغير مسبوقة. كم أتمنى أن تطرح هذه التنازلات على استفتاء حر وعادل ونزيه على كافة مكونات الشعب الفلسطيني ليعرفوا أحجامهم الحقيقية، فقد قيل لي (وقد يكون ذلك من باب النكتة الأقرب إلى الصواب) إن هذا الشخص قد حصل في الانتخابات التشريعية لعام 2006 على صوت واحد فقط.
مزيد من التطبيع الاقتصادي بعد التطبيع الأمني
في الوقت الذي قررت أوروبا مقاطعة منتوجات المستوطنات الإسرائيلية، استنادا إلى أحكام القانون الدولي، افتتحت شركة ملابس إسرائيلية تدعى شبكة فوكس أول محلاتها في مجمع تجاري برام الله، ليس بعيدا عن الساحة المسماة ‘ساحة الشهيد ياسر عرفات’. ويبدو أن التوقيت كان مقصودا وتزامن مع إعلان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري استئناف المفاوضات. افتتاح المحل التجاري أثار استغراب العديد من المواطنين، الذين يعتبرون مثل هذه الخطوة لا يمكن أن تتم بمعزل عن السلطة الفلسطينية وموافقتها المبدئية. والتخوف المنتشر بين الناس أن هذا المحل التجاري للملابس الرجالية والأطفال إنما هو بالون اختبار فإذا ما مر بهدوء وأصبح مقبولا لدى عامة الناس ستتبعه محلات أخرى كثيرة وشركات ومراكز تجارية، وربما يصل بنك لئومي بعد ذلك إلى رام الله، يليه أو تسبقه شركة العال الإسرائيلية لابتلاع بقايا الاقتصاد الفلسطيني الهش.
التطبيع جار على قدم وساق، المحال التجارية الإسرائيلية تنتشر قريبا من الطرق المؤدية للمستوطنات، وقد كانت في الماضي مخصصة للإسرائيليين فقط. أما اليوم فيرتادها قلة من الفلسطينيين من دون وازع أو رادع، بل إن محلات شعار بنيامين القريبة من القرية، وتحدثنا عنها في مقالنا السابق، أصبحت الوجهة المفضلة لبعض رجالات السلطة لما تحتويه من أنواع الخمور الفاخرة، وعندما أقرت سلطات الاحتلال منع الفلسطينيين من التسوق فيه، قام صاحب المحلات المدعو ليفي بتقديم شكوى في المحكمة وربح القضية وعاد السوبر ماركت الكبير لفتح أبوابه للفلسطينيين، بل وشغـّل عددا من الشباب لتسهيل مهمة المتسوق الفلسطيني.
الانطباع الذي يخرج به الزائر لفلسطين المحتلة أن الحل الإسرائيلي للصراع قد بدأ يأخذ مجراه على الأقل إلى حين. تطبيع لعلاقات الدولة الإسرائيلية التي تعيش أزهى عصورها مع الأفراد الفلسطينيين، الذين يعيشون مؤقتا على أرض تعتبرها ملكا لها بتفويض رباني إلى أن يتم الاعتراف بيهودية الدولة وتصبح مسألة طردهم مسألة اختيار الوقت المناسب، فإن لم يأت سريعا ستعمل إسرائيل على استحداثه عبر مسرحية قصيرة. أتذكرون محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي، شلومو أرغوف، في لندن عام 1982، الذي قيل إن جماعة أبي نضال المنشقة عن فتح قد نفذتها، فاستخدمت تلك الحادثة مبررا لغزو لبنان من أجل طرد منظمة التحرير وقواتها من هناك بتواطؤ محلي، وهكذا كان فإذا لم يتم تغيير النهج الحالي جذريا فالسير نحو الهاوية لا شك سيوصل إليها.
‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك