عن انحسار الأمن والعدالة

حجم الخط
0

د. نصار عبدالله ربما يكون من قبيل الكلام المكرر والمعاد أن نقول بأن الأمن والعدالة كلاهما يمثلان المقدمة الضرورية لأية تنمية في أى مجال من المجالات، وأننا ليس بوسعنا أن نحلم بأي تقدم اقتصادي أو سياسي بدون أن يستتب الأمن وبدون أن تسود العدالة …كلنا نتذكر كيف أن الوضع الأمني قد انكسر انكسارا مروعا أثناء ثورة يناير 2011 وكيف أدى هذا إلى هروب جانب كبير من الإستثمارات وإلى تقلص شديد فيما تبقى منها.ورغم أن الأوضاع الأمنية قد بدأت تتعافى نسبيا بعد ذلك إلا أنه ما زال أمامنا شوط طويل لكي نصل إلى مستوى من الأمن يقترب أو يضاهي ما كان قائما قبل 25يناير، (مع أن ما كان قائما إذ ذاك لم يكن بحال من الأحوال هو منتهى المراد من رب العباد)، أما اعتلال جهاز العدالة فلم يبدأ مع ثورة ينايرولكنه بدأ قبل ذلك بسنوات، حيث تمثل في مظاهر عديدة من أهمها إن لم يكن أهمها على الإطلاق ذلك البطء الشديد في التقاضي، وهوالبطء الذى وصل إلى حد أصبح معه اللجوء إلى القضاء عملية عبثية في كثير من الحالات، مما دفع بالكثيرين من ذوي الحقوق المسلوبة أو المهددة بالسلب إلى محاولة استرداد حقوقهم وتأمينها بأيديهم أو بأيدي محترفين ممن يطلق عليهم عادة وصف ‘البلطجية’، أولئك الذين أصبح وجودهم جزءا أساسيا من بنية المجتمع المصري في السنوات الثلاثين أو الأربعين الأخيرة، وأصبحوا في مجملهم يمثلون ما يمكن وصفه بأنه ‘مؤسسة للعدالة الفورية الناجزة’، وهي مؤسسة موازية للعدالة الرسمية ومتكاملة معها في بعض الحالات أومتصادمة معها في حالات أخرى، لكنها في جميع الحالات قائمة وفاعلة ومؤثرة في حياة المصريين على نحو لا يمكن التشكيك فيه أو التهوين من شأنه، خاصة بعد انكسار الجهاز الأمني في يناير 2011 وامتزاج الأثر الناتج عن انحسار الأمن بالأثر الناتج عن انحسار العدالة ليكون غيابهما معا مزيجا مزدوجا من انحسار المناخ المطلوب للإنطلاق والنمو.ولعل حرص الإعلان الدستوري الصادر في مارس 2011 (والذي ما زال معمولا به إلى يومنا هذا)، لعل حرص ذلك الإعلان على أن ينص في المادة 21 على أن: ‘التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، وتكفل الدولة تقريب جهات القضاء من المتقاضين وسرعة الفصل في القضايا’ ،… لعل حرص الإعلان على مثل هذا النص المتضمن أن سرعة الفصل فى القضايا حق دستور، لعل هذا يمثل اعترافا من المشرع الدستوري بما آل إليه التقاضي من البطء الشديد، وهو اعتراف لا قيمة له في الواقع العملي طالما أنه لم يترجم إلى مجموعة من التشريعات والقرارات والإجراءات التي تمنحه مضمونا ملموسا يشعر به المواطن العادي في حياته اليومية.إن هذا النص شأنه في هذا شأن الكثير من النصوص الأخرى التي نص عليها إعلان مارس 2011، وكذلك بعض النصوص التي كان يتضمنها دستور1971 (وربما أيضا الدستور القادم)، إنما تعبر في الحقيقة عن الحلم أكثر مما تعبر عن الواقع، خذ مثلا ذلك النص الجميل والنبيل الذي كان يتضمنه دستور 1971 في أول مواده من أن: ‘الشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة ‘ خذ مثلا هذا النص وحاول أن تتذكر ماذا صدر في عصر أنور السادات مضافا إليه عصر حسني مبارك يؤيد أو يكرس العمل على تحقيق الوحدة الشاملة للأمة العربية؟، وهل حدث على مدى ما يقرب من أربعين عاما هي الفاصلة ما بين دستور 1971وما بين سقوط حسني مبارك فى 2011 هل حدث أن صدر حكم من المحكمة العليا (التي أنشئت في عام 1969) ومن بعدها: المحكمة الدستورية العليا (التي حلت محلها في عام 1979) ..هل حدث أن صدر حكم من هذه المحكمة أو تلك يقضي بعدم دستورية تشريع أو لائحة أو قرار لأنه يخالف المادة الأولى من الدستور، برغم أن الكثير من القرارات التي أصدرها أنور السادات ومن بعده حسني مبارك كانت تطعن في الصميم أي مسعى لتحقيق الوحدة الشاملة للأمة العربية؟. ‘ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية