عن بابلو الذي تأخر في اكتشاف الحس الطبقي

حجم الخط
0

لا شيء مكن للشاب باولو أن يعرّف عن نفسه إلا أنه عازف غيتار. كان يجيد العزف، لكن في السهرات التي يكون فيها مع رفاقه. كثيرون منهم كانوا يحثونه على أن يرتزق من موهبته تلك، لكنه يعرف أن عليه ألا يصدّق أنه عازف حقيقي، أو ربما ليس لديه ما يكفي من الشجاعة ليرى نفسه في الصورة التي يحلم بها لنفسه. لذلك بقي الغيتار حاضرا معه في أكثر تنقلاته، وحاضرا في غيابه أيضا طالما أنه سيجد من سيسأله: أين الغيتار، لماذا لم تأت به معك؟».
باولو ذاك كان ممكنا له أن يطمئن إلى عيشه في دكان العائلة، الذي كان يشارك أختيه العمل فيه. لكن نازع الخروج عن البيت والأسرة ألمّ به، وربما كانت هذه حاجة طبيعية لنضجه، فذهب يبحث عن طريقه في هذه الحياة. أما ما أخرج تلك الرغبة وأطلقها فإصابة صديقه إيمليو بحادث سير مروّع، فيما كان يطير بدراجته البخارية واضعا حبيبته إيلينا في الخلف. الدراجة صارت قطعة حطام صغيرة، إيلينا نجت، أما إيميليو فانكسر عموده الفقري ولم يعد قادرا على القيام من السرير.
هذه فاجعة حياة أولى للشاب باولو، وإن لم تكن تلك الصداقة بينهما متكافئة. كان إيميليو، المصاب، هو الأقوى، هو في المقدمة دائما، الذي يبدو مثل قائد مسلَّم له في فريقهما الصغير، ثم إنه يقيم علاقة كاملة مع إحداهن، هي ليندا، فيما ما تزال علاقة بابلو بهنّ في مرحلة ما قبل البدايات. وأمام السرير الملقى عليه جسم إيميليو غير قادر على الحراك، لم يحصل، رغم كل شيء، أن اختل ميزان القوة بينهما. فها هو إيميليو يستمر في مخاطبة صديقه، أو في نصحه، كأنه يطلق عليه أوامر للتنفيذ.
ولن يتساويا في ذلك أبدا. ما سيحدث بعد تلك الحادثة هو، بعد أيام قليلة، تقرب ليندا من باولو، واستجابته لها من ثم مولدّا في نفسه مشاعرة متناقضة بينها الخيانة والضعة الشخصية وضربه عرض الحائط بما كان بينه وبين صديقه. لكن العلاقة بين الحبيبين الجديدين استمرت على أيّ حال، مترافقة مع تباعدهما عن إيميليو الذي لم يأتهم من أخباره إلا ما يبقيه قويا كما هو. ذاك أن حضور إيميليو الطاغي لن يتوقف أبدا. سيظل متجدّدا. حين داهم الفاشيون بيته وأخرجوه كسيحا من سريره كانت بطولته في مخيلتيهما قد بلغت ذراها، فيما كان الآخرون، وبينهم باولو، يعيشون يوميا هلع أن تهتدي الميليشيات إلى مخابئهم؟

لم يأتهم من أخباره إلا ما يبقيه قويا كما هو. ذاك أن حضور إيميليو الطاغي لن يتوقف أبدا. سيظل متجدّدا.

إيمليو بطل وحيد إذن بين عاجزين. كارليتو، ذو الحدبة، وهو رفيق آخر، سيظل يأمل في أن يساعده أحد على أن يحظى بدور تمثيلي في أحد المسارح. ليندا نفسها، التي لا تستطيع التخلّي عن بابلو، ليس بمقدورها الاستغناء عن مرافقة ذلك الكهل، إذ لن تتمكن من مجابهة متطلبات العيش من دونه. كل من في الدائرة التي يتحرك فيها بابلو عاجزون. لا يكفون عن السعي لأن تستقيم الطريق لهم، لكن دائما هناك ما يفضي إلى لا شيء. ليس في تورينو وحدها، حيث تجري حياتهم في النصف الأول من الرواية، بل في روما أيضا، تلك التي ذهبوا إليها مهاجرين.
ما عبروا به يمكن أن يكون تجارب متتالية نحو النضج الشخصي، لكن هذه التجارب بدت كما لو أنها قابلة لأن تستمر، وعلى منوالها ذاته، إلى ما لانهاية. كان عليهم منذ البداية ربما أن يكوّنوا تصورات أكثر صميمية عن الأشخاص الذين لا يطيقونهم، أي أن يصفوا بطرق أخرى، أكثر معرفة وعنفا، مشاعرهم تجاه ذلك الكهل الثري المستحوذ على إيليلنا.
فقط في مرحلة ما من الرواية التي أكثرت من وصف يوميات مجموعة الرفاق تلك انتبه قراؤها إلى أن هذه الاستعادات اليومية المتكررة يمكن أن تتوقّف متابعتها. فجأة، في ما بعد النصف الثاني من الرواية، يحضر الفاشيون وتمثل إسبانيا في توارد الحوارات عاكسة لما ستقبل عليه إيطاليا، لكنه حضور مشوّش يبدو فيه هؤلاء الفاشيون كأنهم ما عادوا يعرفون كيف يتدبرون تسلطهم على البشر..»في أحد الصباحات، مررت بالقرب من بعض الفاشيين. حتى هم كانوا باسمين، كانوا عائدين من مظاهرة سياسية وهم ينشدون ويضحكون».
باولو ورفاقه ليسوا من نخب إيطاليا. هم مجموعة قليلة الثقافة وقع على عاتقها أن تخطّ طريقها بنفسها، في ذلك الزمن الذي تحتقن فيه الأيديولوجيات والاستعدادات للحروب. كان على كل منهم أن يعرف أين هو العالم وكيف هو ليعرف عند أي نقطة سيكون فيه. لكنهم اكتشفوا أخيرا، مسلّمين بقلة وعيهم: «كل ما نحتاج إليه، وكل ما هو ذو فائدة، هو الحسّ الطبقي».
*رواية «الرفيق» لتشزَرِه بافيزِه نقلها عرفان رشيد عن الإيطالية في263، وأصدرتها دار المتوسط عام 2018.

٭ روائي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية