بدأ عباس يوسف تجربته مع البطاقات الأسبوعية، في أعقاب أحداث 2011 العربية. كفنان التفتَ إلى التشكيل، كمن تذكر حقل أحلامه الأصيل، القادر على إسعاف الروح من شظايا الخذلان الشامل.
في بطاقته الأولى ظن الأصدقاء أنه يغسل لهم شاشات الروح والرؤيا، لذلك سرهم أن عباس، بعد أن شعر بوقع التجربة على روحه، وبعد أن تلقى تأثيرها في الأصدقاء، استحلى العمل الأسبوعي في هذا الضرب من الرسم. والحقُ أن آلية تشكيلية من هذا النوع من شأنها صقل الموهبة، وتمرين استعداداتها على الابتكار وتنشيط المخيلة من أجل الخلق.
٭ ٭ ٭
أعتقد أن معرفة عباس يوسف بفن الخط العربي، واستخداماته للحروفية، في أعماله السابقة، بدرجات مختلفة، أفاده كثيراً في تجربته للبطاقات الأسبوعية. ولعل فنون الكولاج قد تعرّضت هنا للعديد من البلورة والتطوّر في هذه الأعمال الأسبوعية. وبالطبع سنلاحظ كم أن البطاقات نهضت على مفاهيم مختلفة للكولاج، فإذا ما شعرنا ببعض التكرار والاستعادة في الكثير من البطاقات، فلأن ورشة البحث التي اشتغلَ عليها الفنان تستدعي المزيد من التجارب، إلى درجة يستعصي عليك أحياناً الإمساك بالتميز بين البطاقة والأخرى، غير أن هذا التميز سوف ينبثق بين وقت وآخر، وهذا ما يجعل محاولات عباس يوسف مشروعاً من الوجهة التقنية، ويبقى علينا أن نرى ذلك متمثلاً من الوجهة الإبداعية.
٭ ٭ ٭
الآن، بعد ما يزيد على عشر سنوات من البطاقات الفنية الأسبوعية، وبعد اقتراح نوع تشكيلي جديد من الإخوانيات، وبعد عدد كبير جداً من معطيات هذه التجربة، سيتاح للفنان تأمل إنجاز تجربته وثمار ورشته النشيطة، في سبيل الاستكمال النظري لما يمكن اعتباره تطبيقاً لمفهوم مبتكر من العمل الفني، بل إن هذا سيتيح لعباس يوسف مراجعة تجربته، من أجل الاستعداد النوعي لتجاوز المرحلة ومعطياتها، والانتقال إلى تجربة فنية جديدة.
الآن،
يستحق عمل الفنان متعة التأمل والاستيعاب، وبلورة مفاهيمنا لمعنى الجسر الإنساني الذي ذهبت إليه بطاقات عباس يوسف الأخوية، التي حاول فيها، بوصفها وسائط إنسانية لتوجيه المحبة والتحية لمجموعة كبيرة من الكائنات والقضايا والمناسبات.
٭ ٭ ٭
والآن ايضاً، سنرى في ما يحققه فنانونا الموهوبون، ومنهم عباس يوسف، إضافة نوعية لورشة البحث النشيطة التي تسعى لصياغة أسئلتها الفنية الجديدة، على مشهد تشكيلي يتعرض لما يشبه الوقف الذري، لتراثٍ حديثٍ صارَ يهيمن على استعادات معاصرة، واستعارات تكاد تصبح تقليداً مملاً يدور في حلقة مفرغة من التجارب العربية، يختلط في اللوحات الناسخ بالمنسوخ، ليس بموضاعاتها فحسب، بل حتى بمفرداتها وموتيفاتها وألوانها، فيسأمها المشاهد، ودون روادع نقدية قادرة تجرأ على المساءلة.
لذا سوف ننتظر من بعض التجارب الجديدة السعي الفني النقدي الجاد، من أجل الانتقال نحو المستقبل، بالخروج من دائرة المراوحة والتقليد.
٭ ٭ ٭
يبقى لنا من البطاقات الصداقة وأشياءها. فليس مثل الحب علاجٌ ناجع للزمن. لقد جاء علينا ربيع خريفي في سنوات القرن الواحد والعشرين، حتى لكأن الفصول التي لا نعرف منها سوى الصيف، تيسر لنا ان ينطوي حلمنا على ربيع تهطل فيه أوراق الخريف بلا هوادة، ويسهر على أشجار هذه الوريقات الفنان عباس يوسف، فنعرف أن ثمة هدايا تنتظرنا نهاية كل أسبوع. فيصير (الويك أند) موسماً أسبوعياً للهدايا المنتظرة، دون أن تعوز الفنان أسباب ومناسبات تلك الهدايا، فنتعرف على أصدقاء عباس يوسف في كل العالم، وفي ذلك استعراض حميم للكائنات المنتشرة في العالم، يتفنن عباس يوسف في جمعها ليهديها لنا، ليبدو كمن يؤنس وحشته بهذه الجموع من أصدقاء الروح. وعلينا أن نقرأ تلك البطاقات كما لو أنها تقويمُ الفنون جميعها.
شاعر بحريني