عن بلاد أكرم قطريب السريّة… قصائد تُخفي الحرب في الظل!

حجم الخط
0

في مجموعته الشعرية الجديدة «بلاد سريّة»، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، يعتمد الشاعر السوري أكرم قطريب على التقنية التصويرية، ممثِّلاً دور الراوي في مشاهد متتالية ومختزلة، تأخذ شكل الفلاشات الخاطفة، مدوّناً لمعاناة السوريين وقهرهم المستمر في ظلّ الحرب الهمجيّة، متجاوزاً اللغة الشِعرية في بعض الأحيان إلى التقريريّة، لكنه ينجح في تحويل الكوابيس اليوميّة إلى أحلام أقلّ وطأةً ورعباً داخل قصيدته.
فمن (عرس إسبارطي) أولى قصائد المجموعة، وفيها يقول «هناك حيثُ الخيولُ تستحمُّ كأنها ذاهبةٌ إلى عرس إسبارطيٍّ/ بينما قطعُ ثيابٍ كثيرةٍ معلقةٌ على الأشجارِ»، إلى قصيدة (شجرة وحيدة) وفيها «هذا الشخص الذي يقف حياً ولا يُسلِّمُ نفسهُ بسهولةٍ/ يرقصُ رقصتهُ التاريخية ويذهبُ كي يبكي مع الأسماك»، إلى قصيدة أخرى يقول فيها « ضعي حربكِ الطويلة ولو في ظلّ شجرةٍ/ أريد أن أحلم بك على مهلٍ/ دون أن أذرف دمعة واحدة».
لا يكتفي الشاعر بالتصوير وحده، والبقاء متفرجاً، بل يتجاوز ذلك إلى التغنّي بالحرية، واصفاً إياها بـ» الطير الذي أضعناهُ/ على حوافِّ البراري والجروفْ»، وفي قصيدة (حصة العصفور) يتوغّل في دهاليز مظلمةٍ، شبيهةٍ بالسجون السريّة، بحثاً عن حريته- حريتنا المنشودة، حيث يقول: « أيتها الحرية ما كنتُ أظنّكِ قاسيةٌ إلى هذا الحدِّ/ العيونُ تتعقّبكِ وأنتِ تعبرين الشارع وحيدةً./ لا تقفي هناكَ أعلى الشجرةِ:/ ثمّة من يفقدُ البصرَ لأجلكِ/ وثمّةَ من يأخذكِ معه وهو يتخفّى تحت درج البنايةْ».
على هذا المنوال يواصل الشاعر سيرة بلاده السريّة، متكئاً على اللغة البدائيّة المتجذرة في الطبيعة ومفرداتها، البدائيّة لا بوحشيتها وانعزالها، وإنما ببساطة وعفوية أشيائها وكائناتها، بالرغم من قساوة المشاهد التي تذخر بها القصائد: « بالسلام الأبديِّ/ بضحكتكِ التي تشبه عين الحصانْ./ ليس ممكناً أن تبقى البراري وحيدةً بدونِ الكاميرا/ ولا الابن الملهوف الذي يرى في عينيكَ آلاف الطيور/ تموتُ بلا سبب..».
مقابل هذه البدائيّة في الصور واللغة الشعريّتين، يشتغل الشاعر قطريب على عناوينه، باعتبارها «مصابيح تقود القارئ إلى كنوز النص»، وكذلك «ممرات يدلف منها النص إلى العالم» ويمنحها أولوية اهتماماته، ويبدو أنه من أكثر الشعراء «شغباً» في عنونة مجموعاته، منذ إصداره الأوّل «آكان، أحرثُ صوتكِ بناي» (1995)، مروراً بـ»أقليّات الرغبة» (1998)، و»مسمّراً إلى النوم كابنٍ وحيد» (2003)، و»قصائد أميركا» (2007)، إلى إصداره الأخير «بلاد سريّة»، والذي يبدو الأقل شغباً، ليعوّض ذلك في عناوين الأقسام والقصائد، حيث تُقسّم هذه المجموعة إلى تسعة أبواب، هي: «طفلكِ الذي سُرق عند منبع النهر»، «عشرة آلاف عام وأنت تفقد طيوركَ»، «قمر مبلل على سطوح المنازل»، «قصائد آرامية»، «بلدكَ يبدو آخر مكان على وجه الأرض»، «بيت صغير لمنذر مصري»، «كتاب نيوجرسي»، «تروبادور»، و»بلاد سرية».
ومن القصائد التي تأخذ عناويناً لافتةً، نقرأ: «ملاك من العصر الوسيط»، «تحت شمس القفقاس»، «كل هذا الدم لا أستطيع وصفه»، «قميص على طرف كرسيّ»، «كنت جائعاً لرؤية وجهك»، «أعتذر لأنني نسيت مفاتيح بيتي»، «لم أصدق أن عمر الشعر 5000 عام»، «جسد شبه أزرق»، «عين تبكي في عربة القطار»، «لست هنا لأحدثك عن كارل ماركس»، و»مع جاك كيرواك في الشارع الخامس».
الملاحظ هنا أنّ كل عنوان هي قصيدة بحد ذاتها، ولعل «الفهرس» أجمل قصائد الكتاب.
مجموعة «بلاد سريّة»، تشبه إلى حدٍّ ما جمع صور في ألبوم، صورٍ التُقِطَتْ خلسةً، يودعها الشاعر في ذاكرتنا، بعد أنْ هرّبها بعيداً عن أعين الجنود وفوّهات البنادق والمدافع، في محاولة دؤوبة منه لاسترجاع ما بقي عالقاً في الذاكرة يضيء بها ليل منفاه البارد.

عماد الدين موسى

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية