عن بيروت التي تتدرب علي التنفس ثانية
عناية جابرعن بيروت التي تتدرب علي التنفس ثانية سألتني كيفك وكيف بيروت؟ مكسورة انا، غير ان روحي تتكفل دائما بتسوية المسائل. اذن علي ما يرام! غير ان بيروت ليست علي ما يرام. كل الحب الصادر عن التلفزيونات والصحف كذب بكذب.. الناس تعيش بلا فرح. الناس وحيدة حتي آخر اليأس، وليس أكثر اقترابا من الموت، سوي الناس الوحيدة.لم تعد من هدأة بال في بيروت. اقتلعتها الحرب، وفكرة الساسة للخروج من هذا المأزق هي ان يذهبوا اكثر باتجاهات متعاكسة. بيروت تتدرب علي التنفس ثانية، غير انها لا تنجح الي الهواء. مجرد ثلاثة وثلاثين يوما قصيرة من الحرب خلّفت كل هذا العبث. بسبب من حرب قصيرة، صاعقة تعاني المدينة آلاما مبرحة. سقطت ابنيتها علي الارض، كومة احشاء وعظام، وثمة هذه الرائحة، ليس من تعفن الجثث، بل من الافتقار الي الانسجام.في الشارع أبدأ بمراقبة الوجوه، دون تمييز في اكتشافاتي إلتامة واكتشافاتي الناقصة، سوي ان الثابت من دون شك، ان جذرا اساسيا جامعا، قد ضرب هنا. لحظة تخرج من بيتك الي رحاب الشوارع، تنهار دعتك كلها. تنهار طمأنينتك التي تكون ربيتها برموش العين.اجساد تتحرك بصمت، بشؤم، وبوجوم يثير القشعريرة، من البائع الذي يدمغ صباحك بيأسه، الي السائق المذهول والمرتعب من يومه، الي المارة الذين يكلمون انفسهم، المارة الدينيين والدنيويين في مقارباتهم لقداسات خطرة، زادتها الحرب خطورة. يبدو من المتعذر المراوحة طويلا بين الركون الي فكرة السلم، والوقوع تحت ربقة حرب مقبلة، ويتضاعف الخوف في الايام. الفكرة المراوحة بين سلم وحرب، وحشية في مراوحتها من دون اي شفاء، الضغط عال جدا في الهواء، حتي انه يحدث انفجارات صغيرة تذري ذوي القلوب الضعيفة، وعلينا الاعتراف بوقوع الحدث العظيم علي بيروت المغناج وها هي الملهاة في حدها الاقصي.الاقفال النهائي للمتاجر، يسبقه بالطبع صرف للموظفين، وهذا الاجراء يعكس جوا ثعبانيا في المدينة، ويشيع الشك الجنوني بين ناسها. المتاجر التي كنا نقصدها اما ضجرا او لحاجة حقيقية، باتت كئيبة كآبة لا تباري. السلع تختفي من اماكن العرض ويقهر اختفاؤها اكثر الارواح قوة. في الـ مانغو اقرر فجأة ان مشترياتي المفضلة، السراويل الفضفاضة وقمصان القطن الناعمة والشالات الانيقة، قد غادرتني نهائيا، وان مرضي الغامض ولا شفاء منه، ويدعوني في حالات خوائي المرعب التي تتعاقب علي، الي شراء كل ما تقع عليه عيني، قد يستفحل الان من دون ان تهدئه خدعة اقتناء الاشياء.الاجانب الذين ما زالوا، وهم صحافيون في الاغلب ومراسلون، لحقتهم عدوي الكآبة المستشرية هنا، وبينهم الآن وبين اهل المدينة، الفة الحيرة والفة اللا هدف واللا غد، فتراهم في المقاهي يرشفون قهوتهم، ساهمين واجمين.اكثر ما يعذبني، اشكال المانيكانات في واجهات المحلات، انها غامضة هكذا في جمودها، وانها انما هي اشكال حية غير انها تتلأمن علينا وتتسمر واقفة تنظرنا في انكسارنا.تبدو ضاحية المدينة كغم خاو سقطت اسنانه، وفي مجري الهدم الآخذ به، تهدمت لغته ايضا في تشابك النبرات واللهجات ووقوعها في الصمت. بيوت تالفة وشرفات فاغرة ودم جاف، في فجوة هائلة لم تحدثها الحرب، احدثها شيء آخر، اضاع الحدود بين العبث والمنطق واضطربت البلد بالبدايات والنهايات.ما يصعقني ـ وقد سألتني عن احوالي ـ باعتباره البرهان الاصدق لانكساري هو ان لا اهمية بالنسبة لي، لاي شيء يكتبه الناس او يتحدثون عنه. لا شيء علي الاطلاق. يستحوذني فحسب، الشيء التافه والانفصال عن العالم.يستحوذني مثلا معصم رجل غريب يمر في الشارع، او كرسي عتيق مرمي علي احد الارصفة، وقد يكون علبة بيرة فارغة، او آثار قذيفة متشظية علي حائط. ومهما يكن ما يستحوذني، فقد دفعني بانحراف اكيد وبابتعاد نهائي عن عالمي. لم يعد تعلقي بالناس وبأشياء المدينة، فلسفيا، بل هو جوع عميق ويائس الي الاختلاف عنهم، وبأنني في انحيازي الي الشيء المنبوذ والتافه الذي يهمله الجميع، سر اختلافي.اتسكع في الطرقات، فردان، الحمرا، بلس، المنارة، كراكاس، مهجورة من مدينتي، وقد قوي الهجر عيني، اري فيها الي افعال الحرب والي نوع البشاعات البريئة التي تشكل بالنسبة لي الجانب الجميل الوحيد للحرب فيما البشاعة الحقيقية في اولئك الذين يتواثبون من حولي، ويصرون رغم هذه الجهنم، علي حرب اكثر جهنمية.0