عن تدمير الحجر والبشر الإبادة الثقافيّة في قِطاع غزّة بعد السابع من أكتوبر في دراسة جديدة

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة ـ «القدس العربي»: أصدر مدى الكرمل- المركز العربي للدراسات التطبيقيّة الاجتماعيّة، من مقره في حيفا داخل أراضي 48 أولى أوراق ملف الأكاديميا في زمن الحرب على غزّة بعنوان «الإبادة الثقافيّة في قِطاع غزّة بعد السابع من أكتوبر: المشهد الحضريّ والحياة الثقافيّة والتعليم»، للباحث في الشؤون السياسيّة دكتور منصور أبو كريّم. تتناول الورقة ما شهده المشهد الحضري والثقافيّ والتعليميّ في قِطاع غزّة من إبادة خلال الحرب الإسرائيليّة التي اندلعت بعد السابع من أكتوبر 2023. تركّز هذه الورقة على «الإبادة الثقافيّة»، في قِطاع غزّة خلال هذه الحرب، والتي تعرَّف بأنّها طمس وتدمير ثقافة المجموعة الإنسانيّة المستهدَفة عبْر القضاء على عناصرها الثقافيّة الأساسيّة مثل اللغة والدين والتقاليد والتعليم، دون اللجوء إلى القتل الجسديّ، سعيًا إلى طمس وجود هذه المجموعة ككيان ثقافيّ. تسعى هذه الورقة إلى تسليط الضوء على التدمير المنهجيّ الذي تعرّضت له البنْية الثقافيّة والحضاريّة والتعليميّة في قِطاع غزّة خلال الحرب، والخسائر الكبيرة التي فقدتها الحضارة الإنسانيّة نتيجة هذا التدمير الممنهَج الذي طال المدارس والجامعات والآثار العمرانية وقتل البشر والحجر بشكل همجي حاقد. كما تسعى إلى توضيح أبرز المبادَرات الفلسطينيّة لحماية الموروث الحضاريّ والثقافيّ، واستكمال المسيرة التعليميّة كجزء من مناهضة سياسة الإبادة ورفض تَبِعاتها، وذلك خلال الفترة ما بين 7 تشرين الأول/اكتوبر 2023 و30 نيسان/ابريل 2025.
وتتوقف صحيفة «هآرتس» العبرية في افتتاحيتها عند تدمير وقتل البشر بالجملة ضمن حرب إبادة بقولها إنه لا يمكن شرح، وبالتأكيد لا يمكن تبرير، ما تفعله إسرائيل في قطاع غزة. إنها حرب انتقامية، تستمر لأسباب سياسية، بلا أهداف عسكرية أو سياسية واضحة، وبدون دعم دولي، وتُنفَّذ على حساب حياة الأسرى. كما قالت إنه لا يمكن توقّع أن تستخلص الحكومة، أو من يقف على رأسها، أنّ الوقت قد حان لوضع السلاح جانبًا. اليمين المتطرف يريد حربًا أبدية: أداة لتعزيز احتلال قطاع غزة، وتطهيره من الفلسطينيين، وتهيئة الأرض للاستيطان اليهودي. حتى من لا يشاركون هذا التوجّه أيديولوجيًا، يشاركون في هذه التحركات بدوافع انتهازية وسينكية. والنتيجة: قتل عشوائي للمدنيين، بلا موعد لنهايته. وتابعت: «قبل أيام قُتل تسعة إخوة في غارة إسرائيلية على منزلهم في خان يونس، جميعهم دون الثانية عشرة من العمر. إنهم أطفال حمدي وآلاء النجار، طبيبان في مستشفى ناصر في المدينة، ولم يكن لهما أي صلة بحماس. وحتى لو كانت لهما صلة، فلا مبرر أبدًا لقتل أطفالهما». وتستذكر الصحيفة العبرية أن حمدي قام بإيصال زوجته إلى عملها في المستشفى، وبعد دقائق من عودته إلى المنزل وقعت الغارة، فُاصيب الأب بجراح بالغة، وأُصيب ابنه آدم، البالغ من العمر 11 عامًا، وهو الوحيد الذي نجا من المجزرة، كان لآدم تسعة إخوة، قُتلوا جميعًا، تسعة أطفال، إخوة وأخوات، أصبح آدم الآن الابن الوحيد لوالديه. وتؤكد أنه تم قصف المنزل دون أي تحذير، رغم أن الجيش، بحسب عمّ الأطفال، يعلم أن المنطقة السكنية مخصصة للأطباء وعائلاتهم. وسخرت «هآرتس» من ردّ الجيش الإسرائيلي: «يتم فحص الادعاء حول إصابة غير متورطين». وقالت إنه ردّ جاف، بارد، لا مبالٍ – تمامًا كدولة بأكملها فقدت الإحساس، منوهة أن ضحايا قطاع غزة لا يهمّون أحدًا، لا حتى عندما يكون الحديث عن أطفال، لا حتى عندما تكون عائلة من الأطباء فقدت تسعة أطفال في قصف واحد. وبخلاف وسائل الإعلام العبرية المشاركة بتواطؤ الصمت تقول «هآرتس» إنه حتى وصف الفظاعة من قِبل العمّ لم يوقظ ضمير المجتمع الإسرائيلي وتنقل عنه قوله: «كل شيء اشتعل، كنا نعلم أن الأطفال في الداخل وبدأنا نبحث عنهم. وخلال البحث بدأنا نعثر على جثث متفحّمة وأشلاء. لم نتمكن من التعرّف عليهم، كانوا جميعًا متفحمين. كان مشهدًا مروّعًا لا يُحتمل. ما ذنب هؤلاء الأطفال؟ وما ذنب هذه العائلة، عائلة من أطباء وأطفال صغار؟ لا أحد يملك جوابًا جديًا على سؤاله. معظم الدعوات لوقف الحرب تتركز على إعادة الأسرى، وفي الآونة الأخيرة أيضًا على الضرر الذي يلحق بصورة إسرائيل أمام العالم. لكن هذه الحرب يجب أن تتوقف لأنها تجاوزت كل حد منذ وقت طويل». وتدعو الصحيفة العبرية الجمهور الإسرائيلي أن يصحو: «لا بدّ من رفع صوت صراخ. لا بدّ من المطالبة بوقف الحرب. المطالبة بوقف الاعتداء اللامعقول على المدنيين، بمن فيهم الأطفال، سواء كان ذلك عبر تجويع جماعي متعمّد أو عبر قصف الطائرات الحربية».
في افتتاحية سابقة أشارت الصحيفة العبرية إلى أن إسرائيل احتفت قبل أيام بالإبادة الجماعية من خلال «مسيرة الأعلام» في القدس المحتلة بمشاركة الآلاف وعدد من الوزراء والنواب. وتقول في هذا المضمار إن الأغنية التي تصدّرت «مسيرة الأعلام» في يوم القدس هذا العام، إلى جانب الهتافات العنصرية المعهودة مثل «لتحترق قريتكم»، «مات محمد» و«الموت للعرب»، كانت: «في غزة لا توجد مدارس، لم يبقَ هناك أطفال». قد تبدو مجرد أغنية عنصرية أخرى، لكنّها تكشف هذه المرة فرحًا صريحًا وواضحًا بقتل الأطفال، ليس مجرد تحريض، بل احتفال علني بالإبادة. وتابعت «في الوقت الذي تنكر فيه الدولة، بشكل جماعي وممنهج، مقتل أطفال غزة، يخرج الآلاف في شوارع القدس ويهتفون بسرور بموتهم. ليس من السهل تجاهل هذا التناقض الصارخ: إنكار رسمي، واحتفال شعبي».
وتستذكر أنه بعد ذلك انشغلت مؤسسات إسرائيلية ووسائل إعلامها في نفي مسؤولية الجيش عن مقتل تسعة أطفال من عائلة واحدة في خان يونس، جميعهم دون الثانية عشرة، في غارة واحدة. أما رئيس حزب «الديمقراطيين» يائير غولان، فقد أثار عاصفة عندما قال إن «دولة عاقلة لا تقتل الرضّع كهواية». جملة بسيطة، واضحة، لكنّها واجهت هجومًا واسعًا، وكأنها كشفت ما لا يُراد له أن يُقال. واعتبرت أن الهجمة على غولان أظهرت أن كلماته أصابت العصب الحيّ. فالمجتمع الإسرائيلي يدفن رأسه في الرمال، رافضًا الاعتراف بواقع الحرب: أكثر من ثلاثين ألف قتيل في غزة، معظمهم مدنيون، ونحو 18 ألفًا منهم أطفال. حتى من يقرّ بهذه الأرقام، يتمسّك بتبرير «الضرر الجانبي». وتخلص للقول: «لكن «مسيرة الأعلام» تكشف الحقيقة العارية: «القتل ليس عرضًا جانبيًا، بل هدفًا. ليس مأساة، بل انتصارًا في نظر الجماهير التي تهتف، ترقص وتحتفل وسط العاصمة، معلنة أن موت الأطفال هو جزء من النشيد القومي الجديد». مؤكدة أن الحشود العنصرية والعنيفة موجودة في كل مجتمع لكن في إسرائيل، هذه الحشود تجلس على طاولة الحكومة وتملي السياسات. من هنا تستنتج أنه لا يمكن التهوين من شأن أحداث «مسيرة الأعلام» والادعاء بأنها ظاهرة هامشية، منوهة أن بطل المشاركين في المسيرة هو وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. وتضيف «لم يُستقبل فقط بهتافات الموت للعرب، بل إن هذه الهتافات أصبحت سياسة رسمية يروّج لها ويطبّقها بنفسه».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية