مالك التريكي
كان من الشخصيات الدبلوماسية البارزة في بلاده. ثم أصبح مديرا لإحدى كبريات المنظمات الدولية. يعمل بمعدل خمس عشرة ساعة في اليوم. يرأس الاجتماعات، ويتخذ القرارات ويبرم الاتفاقيات بكفاءة لافتة وبلباقة آسرة. كثير الحركة والسفر. يعتمد على سائقه الشخصي المحنك الهادئ كبير الاعتماد، خاصة في الذهاب إلى المطار والإياب منه. وكلما غاب سائقه الشخصي في إجازة أو مرض، استدعت له الإدارة أحد السواق المناوبين. كان من بين هؤلاء سائق بلغ من إهماله وغرابة أطواره أنه ذهب مرارا إلى المطار مخمورا، بل ومتأخرا بأكثر من ساعة. فماذا كان يفعل المدير؟ كان يكتفي في كل مرة بتوبيخ السائق ونصحه بأن يثوب إلى رشده، من دون أن يتخذ ضده أي قرار، بل ومن دون أن يعلم بالواقعة أحد! إلا أن الإدارة علمت، آخر الأمر، عندما حدث ذات ليلة أن السائق لم يأت إلى المطار بالمرة، واستخدم السيارة لشؤونه الشخصية ولم يعدها إلى مقر العمل إلا في الغد! هنالك قررت الإدارة إحالته إلى مجلس التأديب وأشارت بطرده من العمل نهائيا. فماذا كان موقف المدير؟ قال لطاقمه من كبار الإداريين: ‘أشيروا علي بأي إجراء تأديبي تشاؤون، لكن اعلموا أني لن أتخذ قرارا بصرفه من العمل أبدا. إن الرجل يعيل أسرة كبيرة العدد. ولست أنا ممن يقطعون رزق أحد’. وهكذا كان… وقد صلح أمر السائق منذئذ، ولم تعرف القصة إلا بعد مضي زمن. هذا المدير النبيل ليس مسلما. وليس من نوع البشر الذي يوشي الكلام بالبسملة والحمدلة والحوقلة. بل إنه ليس متدينا بأي حال من الأحوال ولا بأي من تعريفات التدين في ثقافته الافريقية. لكنه إنسان امتلأ قلبه رحمة وجمع مكارم الأخلاق التي لم يأت الرسول الكريم إلا ليتممها. إذ ليس هنالك أكرم وأنبل ممن يرحم من في الأرض سجية وطبعا: أي من دون رجاء (بل من دون علم) بإمكانية أن يرحمه من في السماء.
فهل أتاك حديث مديري المؤسسات في البلاد العربية؟ أولئك الذين يستخدم كثير منهم سلاحهم النووي ـ سلاح ‘التفنيش’ وقطع الأرزاق ـ من دون أن يرف لهم جفن؟ لقد روى لي من أثق فيه أن مدير إحدى المؤسسات الخليجية اتصل بالقسم الإداري في مؤسسته وأمر بفصل أحد الموظفين من دون أي ذنب جناه. وأين كان المدير الفاضل آنذاك؟ كان في الأراضي الحرام يؤدي مناسك العمرة! مسؤولون ‘متدينون’… بعضهم شباب في العمر، لكنهم طاعنون في الظلم. متدينون يعرفون، نظريا، أن رب العزة حرم الظلم على نفسه وأمر عباده، بناء على هذا القانون الذي ألزم به ذاته القدسية، بألا يتظالموا. متدينون يعرف الواحد منهم، نظريا، أن ‘الظلم ظلمات يوم القيامة’، لكنه يجتهد في أن يكون هو ‘الظالم المستبد’ الذي خلده الشابي في الجحيم الإنساني: ‘حبيب الظلام عدو الحياة’. ليس انعدام العدل والرحمة من قلوب هؤلاء المسؤولين المتدينين أمرا عارضا، بل إنه نتاج شبه طبيعي لمجتمعات مسلمة لا تنتج إلا إسلام العبادات. مجتمعات مسلمة تقيم الصلاة، لكنها صلاة لا تنهى عن فحشاء أو منكر. صلاة في خلاء مدني لا يملؤه إلا منكر الظلم البالغ عنان السماء: منكر ظلم لا يغيره المصلون لا باليد ولا باللسان ولا حتى بالقلب. مجتمعات مسلمة لا مجال فيها حتى لأضعف الإيمان. لا تعرف أن الدين المعاملة ولا تعبأ بما أوجبه من عدل وإحسان. مجتمعات مسلمة لا أثر فيها للإسلام لأنها لا تزال على ما تركها عليه الشيخ محمد عبده في أواخر القرن التاسع عشر عندما ذهب إلى أوروبا فوجد إسلاما بلا مسلمين ثم عاد فوجد مسلمين بلا إسلام! إن ما يذكرنا به تدين المظاهر والقشور ـ هذا التدين الذي لا يردع صاحب السلطة عن لذة قطع الأعناق أو الأرزاق حتى وهو يطوف ببيت الله الحرام ـ هو تلك القصة الشعبية التي تقول إن عالم دين أمضى ساعات يشرح درسا في علم التوحيد، فما إن انتهى حتى سأله أحد الطلاب: إذن فما هي صلة القرابة بين الولية الصالحة الفلانية وبين رب الأرباب؟ على أن ما هو أخطر على المؤسسات والمجتمعات العربية وأفتك بها من تدين أولئك القوم الذين قست قلوبهم حتى تحجرت (.. ‘وإن من الصخر لما يشقق ويخرج منه الماء’) إنما هو ذلك الشر الإداري والسياسي المستطير الذي أنذر منه الرسول الكريم ـ أن ‘يوسد الأمر لغير أهله’: أي أن يفرض النفي والحصار على أهل الكفاءة وأن تمنح السلطة والإدارة لأعلام الرداءة. أما ما يزيد المشهد سوريالية، فهو أن من شبه المستحيل على الرأي العام أن يعلم، رغم تخمة ‘الإعلام’، شيئا.