د. عبدالوهاب الافندي
عقب الإعلان عن العملية الإرهابية الأخيرة المزعومة في بريطانيا، والتي قيل إنها استهدفت تفجير عدد كبير من الطائرات المتجهة إلي الولايات المتحدة، قامت مجموعة من قيادات الجالية الإسلامية في بريطانيا بتوجيه خطاب مفتوح موجه إلي رئيس الوزراء البريطاني توني بلير ينتقدون فيه السياسة الخارجية للحكومة البريطانية التي قالوا إنها ساهمت في تشجيع الإرهاب. وقد اشتملت الرسالة التي وقعها ثلاثة من النواب المسلمين في البرلمان وثلاثة من الأعضاء المسلمين في مجلس اللوردات (العدد الكلي للمسلمين في المجلسين هو ثمانية) إضافة إلي ثماني وثلاثين منظمة إسلامية بريطانية، علي إدانة قوية للإرهاب واستهداف المدنيين مهما كان المبرر، ولكنها أضافت إن سياسية الحكومة في العراق وتقاعسها عن المطالبة بوقف فوري لإطلاق النار في لبنان أعطت الانطباع بأن حياة المدنيين ليست لها نفس القيمة في كل مكان.
وقد أثار خطاب الجمعيات والشخصيات الإسلامية ردة فعل معادية قوية من الحكومة التي وصفت محتوي الرسالة بأنه تبسيطي وخطير. وقد كرر مكتب رئيس الوزراء ما قاله بلير مراراً من قبل من أن الإرهاب لا علاقة له بغزو العراق، بدليل أن هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) سبقت غزو العراق، كما أن الإرهابيين الإسلاميين (بحسب تعبيره) هاجموا بلدانا أخري كثيرة تختلف سياساتها الخارجية عن سياسة بريطانيا، مثل اندونيسيا والجزائر وروسيا. أما وزيرة الخارجية مارغريت بيكيت فقد وصفت ربط السياسة الخارجية بتشجيع الإرهاب بأنه أكبر خطأ، مضيفة أن اللوم يجب أن يوضع في مكانه الصحيح، أي علي من يريدون تفجير الطائرات وقتل الأبرياء. من جانبه قال وزير الدولة بوزارة الخارجية كيم هويلز بأن أي دولة تحترم نفسها لا يمكن أن تسمح للإرهاب بأن يملي سياستها الخارجية.
وقد اتفق معظم قادة الأحزاب السياسية هنا مع الخط الرسمي ورفضوا الربط بين تصاعد الخطر الإرهابي وبين سياسات بريطانيا الخارجية، وأكدوا أنه في الدولة الديمقراطية، يحق لكل من شاء أن يعترض علي السياسة الخارجية ويعمل علي تعديلها، ولكن بالطرق السلمية وليس بالإرهاب. من جهة أخري اتهم عدد من المعلقين السياسيين قيادات الجالية الإسلامية بأنهم يبررون للإرهاب، كما لو كانوا يقولون لو لم تستمعوا لنا نحن المعتدلين فإن المتطرفين سيأتون لتفجيركم. واعتبروا أن هذا ضرباً من التواطؤ مع الإرهاب أو التعاطف غير المباشر معه، وطالبوا قيادات المسلمين بالاعتراف بأن للإرهاب جذوراً إسلامية، وأنه كما قالت إحدي الصحف مشكلتكم أنتم يا معشر المسلمين. ولكن بالمقابل فإن رئيس الوزراء توني بلير ألقي في مطلع الشهر الجاري خطاباً في لوس أنجليس تطرق فيه كما ظل يفعل منذ سنوات للإرهاب، ووصفه بأنه أكبر خطر يتهدد العالم اليوم. وقد كرر بلير في خطابه ذاك مقولاته المعروفة من أن الإرهاب مصدره التطرف الإسلامي، ولا علاقة له بالسياسة الخارجية لبريطانيا أو غيرها، بل إن قضيته الأساسية هي محاربة الحداثة والديمقراطية. وبحسب بلير فإن الصراع الدائر حالياً في أفغانستان والعراق وغيره هو من جهة صراع بين الإسلام المعتدل والإسلام الرجعي، ولكنه من جهة أخري هو صراع حول القيم التي ستحكم مستقبل العالم. وعليه فإن هدف التدخل الأمريكي البريطاني في العراق وأفغانستان لم يكن مجرد تغيير النظم في تلك البلدان، بل تغيير القيم. فالتدخل يعني الانحياز للأغلبية المسلمة التي تريد الديمقراطية والحداثة في تلك الدول، وهذا بدوره استعدي قوي أخري، خاصة الأنظمة الاستبدادية، مما يستلزم توسيع مفهوم الإسلام الرجعي ليشمل حكومات مثل سورية وإيران التي أخافها هذا التدخل.
وأضاف بلير بالقول إن الصراع مع الإرهاب يجب ألا يقتصر علي الجبهة العسكرية والأمن، بل يشمل صراع القيم والأفكار، وخاصة إثبات أن قيمنا أقوي وأفضل وأكثر عدالة من قيمهم، وأيضاً تطبيق هذه القيم بعدالة وإنصاف. وأفضل جهة يمكن أن نثبت فيها هذا هي القضية الفلسطيينة التي توحد المسلمين حالياً. وقد وعد بلير بأن يبذل أقصي جهد في الأشهر القادمة للتوصل إلي حل عادل للقضية الفلسطينية لكي يسحب من الإرهابيين أهم ورقة يتشبثون بها.
وهذا يعيدنا إلي قضية خطاب قادة الجالية الإسلامية في بريطانيا الذي اتهموا بتبرير الإرهاب لأنهم طالبوا بإصلاح السياسية الخارجية كأفضل طريق لمحاربة الإرهاب. فها هو بلير الذي سفه رأيهم يقول الشيء نفسه: إن محاربة الإرهاب تحتاج إلي تغيير في السياسة الخارجية. إضافة إلي ذلك فإن الانتقاد الموجه لتعبير قادة المسلمين هنا عن رأيهم في السياسة الخارجية يعتبر نوعاً من العنصرية، لأن نفس الانتقاد لم يوجه لغيرهم من البريطانيين الذين كانوا (وما زالوا) ينتقدون السياسة الخارجية البريطانية تجاه أيرلندا أو غيرها من منطلقات مشابهة. بل إن كثيراً من أولئك، خاصة وسط قوي اليسار، لم يكونوا يتناولون الإرهاب الايرلندي من موقع الاستنكار، كما يفعل المسلمون اليوم، بل من موقع التأييد وإسباغ المشروعية عليه. ولم يقتصر هذا علي حزب شين فين الذي كان يوصف بأنه الجناح العسكري للجيش الجمهوري الايرلندي، بل شمل قطاعات أخري، بما فيها قطاع كبير من حزب العمال. فلماذا يستنكر علي قيادات المسلمين توجيه رسالة مفتوحة لرئيس الوزراء (وهل هناك عمل ديمقراطي أكثر من هذا؟) للتنبيه علي المخاطر التي تشكلها سياسات هي خاطئة في الأساس، بينما يحق لغيرهم التحدث بكامل حريتهم؟ علي سبيل المثال نجد النائب جورج غالواي تحدث الأسبوع الماضي مؤيداً حزب الله، بينما تحدث النائب والوزير العمالي السابق توني بين يوم الأحد مؤيداً حق حماس وحزب الله في مهاجمة إسرائيل، قائلاً إنه لو جاء النازيون إلي لندن فإنه كان سيضربهم بالصواريخ لو وجدها ويفجر المقاهي التي يتجمعون فيها. ولم نسمع من يقول إنهم يقوضون الديمقراطية أو يمجدون الإرهاب مما يوقعهم تحت طائلة القانــــــون الجديد.
بنفس القدر فإن تحميل المسلمين المسؤولية في أن يصبحوا خط الدفاع الأول عن بريطانيا والغرب ضد الإرهاب تقوم علي الافتراض القائل بأن من يستهدفون الغرب يتحركون بدافع عقائدي إسلامي يملي عليهم هذا التحرك، وليس بدافع سياسي. ولا شك أن العقائد الدينية تشكل عاملاً مشتركاً بين من يقومون بهذه العمليات، ولكن دراسات عديدة تم إجراؤها أثبتت أن ما يحفز هؤلاء للتحرك هو موقفهم من قضايا سياسية معينة. بن لادن مثلاً ركز في كل خطابه الموجه إلي الغرب علي الوجود الأمريكي في السعودية باعتباره قضيته الأساسية، وإن كان أضاف مظالم أخري فيما بعد. كثير من الشباب الذين اندفعوا للانضمام للقاعدة أو غيرها من المنظمات المقاتلة أكدوا أن ما حفزهم لذلك هو ما كانوا يشاهدونه في الإعلام من فظائع ضحاياها من المسلمين. إذن هناك تضافر في الدوافع بين العقيدة الدينية، والتضامن مع ضحايا الظلم والتأثر بالمشاهد الإعلامية.
بلير والساسة وكثير من المفكرين في الغرب يعتقدون أن الأمر يتعلق فقط بالبعد الديني، وعليه يرون أن المسألة تحل بالدخول في جدل فقهي مع هؤلاء المتطرفين هو المدخل لإقناعهم بالتحول إلي الاعتدال. ولكن أي شخص جرب الدخول في جدل مع مؤيدي هذه التيارات يدرك أن أي نقاش يتحول بسرعة إلي جدال حول سياسات إسرائيل وأمريكا وفظائعهما في العراق وفلسطين وغيرهما. وهذا يعني أن هذه المهمة إما أن تتحول إلي حملة إلي الدفاع عن سياسات بريطانيا وإسرائيل وحلفائهما، أو تصبح حوار طرشان. وهذا ما يضع القيادات الإسلامية في الحرج الذي تحدثت عنه.
من جهة أخري يجب أن نرحب بالتحول الظاهري في موقف توني بلير من القضية الفلسطينية وإدراكه لأهميتها، وعلي القيادات الإسلامية أن تشجعه علي الاستمرار في هذا الخط. فقد ظل توني بلير وحلفاؤه في واشنطن وإسرائيل يتهربون من مواجهة هذه المسألة عبر التورط في حروب في لبنان والعراق وأفغانستان، وعبر دعم الدكتاتوريات الموالية في البلدان العربية. ولكنهم عادوا فإدركوا إن المغامرات في العراق وغيرها لن تنقذهم من مواجهة هذا الاستحقاق، بل بالعكس، أصبح حل الإشكال الفلسطيني هو رهانهم من أجل حماية وضعهم في العراق والمحافظة علي حلفائهم المعتدلين. ولا شك أن بلير سيواجه ضغوطاً من أصدقائه الإسرائيليين للابتعاد عن هذا المسار.