عن جريرة الايمان بالله!
د. عبد الوهاب الأفنديعن جريرة الايمان بالله! في المسلسل الكوميدي التلفزيوني البريطاني المشهور نعم سيدي رئيس الوزراء الذي كان يعرض في الثمانينات كان هناك مشهد يجري فيه حوار بين كبير مسؤولي الخدمة المدنية السير همفري، ورئيس الوزراء جيم هاكر حول تعيين اسقف في منصب شاغر. ويوضح سير همفري الذي يتولي شرح تعقيدات المسألة لرئيس الوزراء ان الكنيسة تفضل تعيين المرشح الحداثي علي المرشح التقليدي. وحين يستفسر رئيس الوزراء عن الفرق بين الحداثي والتقليدي، يوضح سير همفري علي مضض ان الحداثي هو الذي لا يؤمن بالله بينما التقليدي هو الذي يؤمن بوجود الله.(2)عندما يتساءل رئيس الوزراء مستغربا عن سبب تحفظ الكنيسة علي قس يؤمن بالله وقبولها بملحد، يجيبه سير همفري بأن الكنيسة هي الآن مؤسسة اجتماعية لها مصالحها واملاكها، وهي مهتمة باقامة التوازن داخلها بين فئة المؤمنين والمتشككين. وفوق ذلك فان القسيس المؤمن بالله يعارض دور الملكة في رئاسة الكنيسة، وهو دور لا يمكن فصله عن جوهر وجود الكنيسة. ويتساءل رئيس الوزراء: وماذا عن دور الله؟ فيجيب سير همفري: انه دور يمكن وصفه بأنه خيار اضافي .(3)ولأن الواقع قد يكون اغرب من الخيال، فان وقائع هذه الحكاية المتخيلة تم تمثيلها واقعا لا تخيلا علي مسرح الحياة العامة البريطانية الاسبوع الماضي مع رئيس وزراء حقيقي واسقف حقيقي ـ وكما في المشهد الكوميدي فان رئيس الوزراء كان يصرح بايمانه بالله فيما كانت اجابة الاسقف ملتبسة علي افضل تقدير.(4)الواقعة الاولي كانت في مقابلة اذاعية اجرتها البي. بي. سي مع كبير اساقفة كانتربري روان ويليامز، الحبر الاعظم في الكنيسة الانجيلية خلال زيارته الاخيرة للخرطوم، وسأله المذيع فيها عما اذا كان يؤمن بالله. السؤال مستغرب في حد ذاته، ما لم يكن لدي المذيع اسباب تدفعه للاعتقاد بأن هناك اسبابا تضع هذا الايمان موضع الشك. وبالفعل فان اجابة كبير الاساقفة كشفت عن السر، حيث ان ويليامز اكد فعلا بأنه يؤمن بالله بكل كيانه وقلبه، وبكل الأمل، وانه مستعد ليراهن بحياته علي هذا الايمان. ولكنه اضاف فورا: اما اذا كنت تقصد بانني اعرف بوجود الله معرفتي بأنك الان تجلس امامي هنا في الخرطوم، فلا. وهنا بيت القصيد، فكبير الاساقفة يصرح هنا بأنه يأمل ان يكون الله موجودا، ولكنه غير متأكد من وجوده!(5)الواقعة الثانية كان بطلها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي صرح في مقابلة تلفزيونية بأنه اتخذ قراره حول غزو العراق من منطلق الايمان بالله، وانه يؤمن بأن الله سيحاسبه علي قراره.(6)الطريف في الامر ان بلير تعرض لعاصفة من النقد والسخرية، واصبح موضع التندر في كل البرامج الفكاهية بسبب ما اعلنه عن ايمانه بالله وحسابه، بينما كانت تصريحات روان ويليامز عن ايمانه المخفف موضع مدح واعجاب من معظم المعلقين. وهذا بدوره يكشف ان كتاب المسلسل الكوميدي كانوا يعبرون عن الواقع اكثر مما تصوروا.(7)صحيح ان هناك فرقا جوهريا بين الايمان بالله والادعاء بأن المؤمن مفوض للحديث والتصرف نيابة عن السماء. وصحيح ان الانتقادات التي وجهت لتوني بلير انصبت علي الدعوي الاخيرة! نفس الانتقادات تستحق ان توجه الي حليفه جورج بوش، وايضا الي كثير من زعماء المسلمين الذين يزعمون ان من ينتقدهم انما ينتقد الدين او الله سبحانه وتعالي، ولكن هذا لا ينفي اننا اصبحنا في عصر صار فيه الايمان بالله جريرة دائما يمتدح من يتبرأ منه، حتي لو كان من رجال الدين، بينما يصبح من يصرح به موضع تهمة.(8)للمؤرخ البريطاني المشهور غيبون مقولة مشهورة عن النظرة الي الدين في روما الوثنية التي كانت فيها في كل الاديان متساوية في الصحة عند العامة، ومتساوية في البطلان عند الفيلسوف، ومتساوية في الجدوي عند الحكام، ويبدو ان قادة الكنيسة اصبحوا يجمعون بين موقف الفلاسفة والحكام، ويصبح الايمان بالله عندهم مثل الايمان ببابا نويل عند الاطفال، امرا مفيدا، او علي الاقل لا ضرر فيه.9