عن حالة مصر التي لا تسر: اقتصاد على حافة الهاوية ورئيس يبدد مقدرات الدولة على مشاريع ترضي غروره

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

في مقال نشره المساعد السابق لوزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر تساءل فيه عن الانهيار القادم لمصر، ونشره بداية الشهر الحالي بمجلة «ناشونال انترست» (5/5/2023) وذكر فيه بأن المراقبين عادة ما ينظرون لمصر كبلد كبير ومحوري في الشرق الأوسط وأكبر دولة عربية من ناحية الكتلة السكانية، ويجب والحالة هذه عدم السماح له بالإنهيار.
وقارن الكاتب بين الصورة التي يحاول النظام المصري تقديمها للوفود أو تلك الصادرة عن الوسائل الإعلامية التي عادة ما لا تخرج عن «النص» والواقع، فالصورة الأولى تعطي انطباعا عن أن مصر في طريقها لاستعادة مكانتها الإقليمية والعالمية وهي لا تألوا جهدا في عمليات البناء والتطوير. لكن المزاج العام الذي استشفه الكاتب من رجال الأعمال فهو أن اقتصاد مصر يسير نحو الانهيار.
وظلت مشكلة الاقتصاد بمثابة كعب أخيل للنظام المصري الذي يقف على رأسه عبد الفتاح السيسي الذي مضى في متابعة مشاريع كبرى، مثل العاصمة الإدارية وبناء شبكات الطرق التي عادة ما توصف بأنها لإرضاء غرور الرئيس وتكلف الدولة المليارات بدون جدوى، كما في مشروع تفريعة قناة السويس التي قام بحفرها الجيش المصري. ويهمين الجيش الذي لا يخضع لرقابة مدنية على معظم اقتصاد مصر وطالما اشتكى القطاع الخاص إن كان هناك شيء بهذا المعنى من مزاحمة الجيش أو المتقاعدين منه لتجارتهم ومصالحهم.

لا سخاء بعد اليوم

وباتت مصر من أكبر المدينين لصندوق النقد الدولي بعد الأرجنتين (المدينة بـ 52 مليار دولار) حيث لم تتوقف عن طلب القروض منذ 2016. ووضع صندوق النقد الدولي شروطا في الحزمة الأخيرة التي تفاوضت عليها مصر نهاية العام الماضي وبموجبها تمنح مصر قرضا بـ 3 مليارات دولارات مقابل إصلاحات بنيوية. وذكرت صحف أمريكية مثل «وول ستريت جورنال» وغيرها أن دول الخليج- السعودية تحديدا- لم تعد تعطي النظام المصري القروض بدون شروط، حيث مولت دول الخليج الإنقلاب ضد الديمقراطية عام 2013 وأغدقت على قادته المال وثبتت دعائمه، لكن الدول التي سارعت لدعم النظام في بدايته وأخرى باتت تطالب بشراء أصول الدولة مقابل قروضها. وأشارت مجلة «كريستيان ساينس مونيتور» (15/5/2023) إلى السعودية التي ترفع شعار «السعودية أولا» وهو تعبير عن تحول في ثقافة الدولة من تقديم الدعم غير المشروط للحلفاء والدعم المستهدف أو الإستثمار. فقد قدمت السعودية خلال الـ 12 عاما الماضية 3 مليارات دولار للأردن و 5 مليارات لباكستان ومبلغ 92 مليار دولار لمصر على شكل مساعدات مالية ونفط. وبدأت المملكة بإصدار تلميحات بان وقت القروض غير المشروطة قد انتهى وهي تفضل أن تذهب أموالها في مشاريع السياحة والبنوك وغير ذلك. بشكل يضع مصر أمام معضلة توفير المال لمشاريعها الكبرى وإدارة اقتصادها المترنح ودعم عملتها التي تم تعويمها أكثر من مرة وسط فرار الأموال الأجنبية. وهذا هو السبب وراء ما أوردته وكالة أنباء «رويترز» عن تأخير مصر أحيانا دفع مشترياتها الكبرى من القمح، وهي أكبر مستورد له في العالم. ويعتبر القمح سلعة استراتيجية، حيث باتت مصر تتسورده من روسيا بعد الحرب الأوكرانية. وعادة ما يقود غياب الخبز إلى اضطرابات شعبية، والحكومة المصرية حريصة على عدم تكرار دروس الماضي وتبدو عازمة على منع أي سيناريو، إذ يقود السيسي أسوأ الأنظمة القمعية التي مرت على مصر في العصر الحديث، فالسجون مكتظة وحرية التعبير ممنوعة حتى التعليق البريء على منصات التواصل الإجتماعي يجرم.

انفاق بدون تفكير

وتظل مشكلة مصر واقتصادها نابعة كما يقول شينكر من الإنفاق غير المستدام واقتراض المال للإنفاق المفرط على الأسلحة والمشاريع الكبرى والبنى التحتية. وزاد من الأزمة الدور المهيمن للجيش والذي زاد بعد وصول السسيسي بشكل أدى إلى خنق القطاع الخاص وطرد الإستثمارات الأجنبية المباشرة. فالأزمة في مصر حادة، وزاد الدين الخارجي للدولة منذ صعود السيسي بنسبة ثلاثة أضعاف ووصل إلى 160 مليار دولار. وستخصص نسبة 45% من ميزانية هذا العام لخدمة الدين الوطني. أما التضخم فهو في مستوى 30% وزادت أسعار الطعام خلال العام الماضي بنسبة 60%. وإلى جانب السياسات المالية غير المستدامة فقد أسهمت عوامل أخرى في حالة الاقتصاد المصري مثل انتشار كوفيد-19 والغزو الروسي لأوكرانيا في 2022 بشكل أدى تراجع السياحة التي تشكل نسبة 12في المئة من الدخل العام. ورغم مسارعة السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة لوضع 22 مليار دلاور كاستثمارات في البنك المركزي المصري العام الماضي لتغطية العجز الحكومي والمساعدة في استقرار الوضع المالي في مصر، إلا أنه ومثل الحالات السابقة فقد فشلت بالحد من التدهور والأزمة. ووقعت مصر التي واجهت نقطة انعطاف في كانون الأول/ديسمبر على اتفاق مع صندوق النقد الدولي. ووعدت الترتيبات المشروطة بمبلغ 3 مليارات دولار نقدا ومنظور 14 مليار دولار كاستثمارات دولية وإقليمية. ووافقت مصر بالمقابل على تعويم العملة المصرية والحد من دور الجيش في الاقتصاد. وفقد الجنيه المصري المعوم نسبة 50 في المئة من قيمته في العام الماضي. ولم يحقق السيسي وعده بعد بتخفيف دور الجيش الذي يقال إنه يسيطر على نسبة 30-40 في المئة من اقتصاد مصر. ويعتمد تدفق المال الخليجي على سحب استثمارات الجيش من الاقتصاد. ونشرت الحكومة في شباط/فبراير قائمة من 32 شركة مملوكة من الجيش حددتها للبيع. وتلاشى التفاؤل الأولي لهذه المبادرة عندما تبين أن نسبة قليلة من الأسهم في هذه الشركات معروضة للبيع. ورغم جاذبية الأصول المعروضة للبيع إلا أن المستثمرين الخليجيين لن يستثمروا بحماس في مصالح لا يسيطرون عليها وتدار بطريقة غامضة وربما بولغ في قيمتها ومملوكة من الدولة. ومثل دول الخليج، فصندوق النقد الدولي متشكك في التزام السيسي لتهميش دور الجيش في الاقتصاد. وهناك شكوك أيضا في قيام السيسي، وهو ضابط سابق بالإصلاح حيث يعتمد نظامه على الدعم المستمر من الجيش، إلا أن الخيارات المتوفرة أمامه قليلة، ففي كانون الثاني/يناير، وضحت السعودية الممول الذي تلجأ إليه مصر أنها لن تقدم معونات بدون شروط وأن الودائع غير المقيدة في المصرف المركزي المصري قد توقفت. وعليه، فلن يتدفق المال الخليجي إلا في حالة كان هناك مردود للاستثمار. ومصر مدينة لصندوق النقد الدولي بمبلغ 23 مليار دولار، ولا يعرف إن كانت قادرة على الوفاء بالتزاماتها المرهقة للصندوق أم لا. ولا توجد أي إشارات عن تغير النهج الذي تنتهجه مصر من الإنفاق. وعليه فمع اقتراض مصر من صندوق النقد الدولي فإنها تراكم مزيدا من الديون وبأسعار فائدة عالية لسداد الالتزامات المستحقة.

معاناة المصريين

وأمام السياسات الاقتصادية والمالية للنظام ومراكمة الدين المصري، يجد القطاع الخاص نفسه أمام معضلة لا يستطيع الخروج منها، في وقت يكافح فيه المصريون العاديون لمواجهة معدلات التضخم العالية وفقدانهم القدرة الشرائية بسبب تعويم الجنيه. وزادت معدلات الفقر، حيث يعتبر ثلث المصريين فقراء ويعيشون على أقل من 3.50 دولار في اليوم. هذا في ظل زيادة أسعار المواد الأساسية مثل الخبز والأرز واللحم وأسعار الأدوية وعدم توفر بعضها. والصورة بالنسبة لمصر تظل قاتمة، وطالما استمر الوضع بهذه الصورة، فمن غير المستبعد أن يخرج المصريون في تظاهرات عفوية أو حاولوا الخروج من بلادهم كما يفعل التونسيون والسودانيون واللبنانيون، الذين يخاطرون بركوب البحر في رحلة قد تقود إلى الموت على أمل الوصول إلى أوروبا التي تدفع لأنظمة شمال أفريقيا المال كي تبقي المهاجرين الهاربين من الحروب بعيدا عن شواطئها.

واشنطن غير قلقة

ولا ترى إدارة بايدن أن مصر تواجه أزمة مالية بل تحديا حسب أنطوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكية الذي علق في مؤتمر صحافي كانون الثاني/يناير مع نظيره المصري الذي وصف الوضع بأنه أزمة. ولا تزال واشنطن تتعامل مع مصاعب مصر الاقتصادية بأنها نتاج عوامل خارجية، كوفيد وأوكرانيا وليس بسبب النهج الاقتصادي لحكومة السيسي. وبالمجمل فإن القمع وتدهور الوضع الاقتصادي والزيادة النسبية في عدد السكان تزيد من عوامل الانفجار الذي لن تنجح معه الحلول الترقيعية التي يمارسها السيسي بل هناك حاجة لإصلاحات بنيوية وتعزيز دور القطاع الخاص وتخفيف القبضة الحديدية عن السكان والتوقف عن الإنفاق غير المستدام وملاحقة مشاريع لا جدوى لها في المستقبل والاستماع لنبض الشارع المصري الذي دفع ثمن مغامرات السيسي وهيمنة الجيش على حياته واقتصاده.

باني مصر؟

ورغم وعد السيسي ببناء «الجمهورية الجديدة» إلا أنه كما يقول البرفسورعماد شاهين دفع اقتصاد البلد نحو الهاوية. ورأى بمقال بموقع «ميدل إيست آي» (22/5/2023) أن مصر عانت ولعقود من مشاكل بنيوية واضحة تتعلق بالإنفاق الذي تجاوز الموارد ومن عجز في التصدير وسيطرة الدولة على الاقتصاد. وبدون حل المشاكل البنيوية العميقة، فالحلول المالية قصيرة الأمد لن تنفع. ويعتقد الكاتب أن مشاكل مصر تبدو وكأنها اقتصادية الطابع، إلا انها سياسية في الجوهر. وهي نتاج الخيارات السياسات المقصودة التي تبنتها الحكومات المتعاقبة منذ ثورة عام 1952. وهي السياسات التي خلقت ما أطلق عليها السيسي الدولة المنهارة. وتعهد ببناء جمهورية جديدة على أنقاضها، وبدلا حل المشاكل البنيوية تنصل منها وحمل الأنظمة التي سبقته المسؤولية. ولكن نظام السيسي وللأسباب الواضحة لم يقم بمحاربة الفساد وتخفيف دور الجيش في الاقتصاد وتخفيض النفقات وإنشاء صناعة مكيفة للتصدير.
ويقول شاهين إن غياب الإرادة السياسية، دفع الاقتصاد إلى الوراء وفشل بمواجهة التحديات التي تواجه الدولة المصرية فيما يتعلق بالبيروقراطية والجيش. والسيسي ليس مختلفا إن لم يكن الأسوأ، فقد دفعت سياساته اقتصاد مصر لحافة الهاوية. ومشكلته نابعة من نظره لنفسه كـ «فيلسوف حكيم» ويعرف كل شيء ودرس وضع الدولة، ولهذا طالب المصريين بالاستماع إليه، فهو مؤيد بالعناية الإلهية. وهو لا يؤمن بدراسات الجدوى وضيع مصادر مصر المالية على مشاريع لا تعود بالنفع على المصريين. واعتمد السيسي مثل سابقيه على استراتيجية خطأ تقوم على بناء المشاريع الكبرى على أمل اجتذاب الاستثمار الأجنبي واعتمد على القروض والمنح الأجنبية واستثار المستثمرين المحليين وخوفهم وزاد من دور الجيش وكافأه مع الشرطة والقضاء وزاد من رواتبهم وفرض الضرائب المجحفة التي تشكل نسبة 80 في المئة من موارد الدولة، هذا إلى جانب بيع أصول الدولة لدول الخليج.
وفي محاولة السيسي إرضاء غروره والدخول في كتب التاريخ بأنه باني مصر الحديثة، فقد عرض ملايين المصريين للمعاناة الاقتصادية. ونصح الإعلام التابع له المصريين بأكل قوادم الدجاج.

حالة إنكار

كل هذا يؤشر إلى أن مصر وقيادتها تعيش حالة إنكار يعيق التقدم وتحاول فيه إلقاء الأزمة على عوامل خارجية ذكرت أعلاه، وهو ما تتبناه الإدارة الأمريكية في الوقت الحالي ولا ترى حاجة للتحرك والضغط النظام المصري لاتخاذ الخطوات اللازمة لمنع تدهورالاقتصاد أو حتى الضغط على صندوق النقد الدولي التوقف عن إنقاذ النظام. ولم تعلق الإدارة على عدم وفاء القاهرة بتعهداتها للصندوق، فبعد عدة أشهر أصبح المستثمرون المحليون والأجانب وكذلك وكالات التصنيف والمؤسسات المالية الدولية أكثر تشككا بشأن إمكانية تحقق الإصلاحات الموعودة. وظلت المؤشرات الاقتصادية الرئيسية بعيدة عن كونها مطمئنة. في مطلع أيار/مايو، خفّضت وكالة «فيتش» التصنيف الائتماني لمصر – لأول مرة منذ عقد – على أساس ما اعتبرته الوكالة نقصا في الإصلاحات الهامة، مشيرة إلى ارتفاع متطلبات التمويل الخارجي في البلاد إلى جانب القيود المفروضة على الحصول على التمويل في المستقبل، فضلا عن تدهور «مقاييس» الدين العام. كل هذا في ظل تطورات إقليمية بات تلقي بظلالها على الأوضاع في مصر، فحرب الجنرالين في السودان دفعت بعشرات الآلاف من السودانيين للفرار نحو الحدود مع مصر.

عامل السودان

فهناك امكانية لانتشار الحرب في السودان ووصولها إلى مصر حسب تقرير بمجلة «ناشونال انترسيت» (20/5/2023) وطالب التقرير بتركيز النظر على مصر الواقعة شمال السودان. ويقدر عدد السودانيين الذين فروا من القتال الشهر الماضي باتجاه مصر حوالي 90.000 لاجئ، مع أن العدد الحقيقي قد يكون أعلى بكثير، وينتظرون على الحدود بدون ماء أو ماوى ولا طعام. ومصر ليست الملجأ المثالي والمناسب للفارين حسب المجلة، فالبلد يعاني من نقص حاد في المواد الغذائية وتم تعويم الجنيه المصري أكثر من مرة واقترضت القاهرة على مدى العام الماضي كميات كبيرة من المال من صندوق النقد الدولي، بشكل زاد دينها. ولو لم تستطع مصر إصلاح وضعها الاقتصادي، فإن الوضع غير المستقر الناجم عن أزمة اللاجئين قد يقود إلى اضطرابات مدنية واسعة واحتجاجات وتفاقم في الأزمة الإنسانية التي قد تترك صداها في كل شمال أفريقيا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية