عن حرب ترفض ان تنتهي

حجم الخط
0

الياس خوري

هناك ما يشبه الاجماع علي ان اسرائيل هزمت في حرب لبنان. ازمة سياسية في اسرائيل قد تطيح بحزب كاديما، ارتباك دولي لأن الحيثية الأساسية للقرار 1701 قامت علي افتراض وصول الجيش الاسرائيلي الي الليطاني، هلع رسمي عربي يعبر عن نفسه في تنامي عجز الانظمة الحليفة لامريكا وافتقادها للمبادرة من جهة، وتسرّع النظام السوري من اجل استغلال نتائج الحرب وتوظيفها في مشروعه للحرب الأهلية الدائمة في لبنان، من جهة ثانية.

الجميع مقتنع بأن الحرب الاسرائيلية التي شنت علي لبنان، حطمت اسطورة الردع الاسرائيلية، وستفرض علي الجيش الاسرائيلي تغييرات كبيرة في استراتيجيته وتكتيكاته، لكن رجلا واحدا في العالم، يعتقد العكس، معلنا هزيمة المقاومة الاسلامية في لبنان، وانتصار اسرائيل. هذا الرجل يدعي جورج دبليو بوش.

لو كان السيد بوش عاملا في قناة فوكس نيوز، او في قناة الحرة، لقلنا اننا اما رجل مصاب بالعصاب، وبخواف الاسلام، وانه بوق صغير في جوقة حرب الحضارات التي اشعلتها الولايات المتحدة، واوصلت المشرق العربي الي الهاوية. لكن هذا الرجل يحتل منصب امبراطور العالم، ويقود من مكتبه في البيت الأبيض جيوش اكبر امبراطورية عرفها التاريخ البشري. هذا الرجل الذي يتلقي الوحي من اله الحرب الذي يعبده المحافظون الجدد، يتصرف كأن امنياته حقائق. اي انه لا يعير الواقع التفاتا، بل يعيش في دائرة مغلقة محصنة بالكلام الكبير الذي لا معني له. كأنه ليس رئيس اكبر دولة في العالم، بل يشبه المبشرين المهووسين بنهاية العالم، من اتباع الشيع البروتستانتية الصغيرة، الذين لا يحسنون الحوار، بل يرتجفون غيظا امام اي سؤال، مستعيدين عبارات منتقاة من التوراة لا تبشر سوي بالخراب.

لقد قرر هذا الرجل ان اسرائيل انتصرت في حربها الهمجية علي لبنان. وقراره ليس خاضعا للنقاش، ولا علاقة له برأي الجنرالات الاسرائيليين الذين عرفوا معني الفرار من ارض المعركة في الجنوب اللبناني.

اسرائيل انتصرت، ومعها انتصرت الديمقراطية في لبنان والشرق الأوسط. هذا ما اعلنه سيد البيت الأبيض، في اللحظة التي تعيش فيها اسرائيل عاصفة البحث عن اسباب هزيمتها، ويشكل وزير دفاعها لجنة تحقيق تلافيا للجنة تحقيق قضائية، وترتفع صيحات دعوة المسؤولين الاسرائيليين الي الاستقالة من اولمرت الي حالوكس الي آخره.

كان يمكن للتحليل البوشي ان يتحول مادة للبرامج التلفزيونية الفكاهية، او ان يستخدمه علماء التحليل النفسي من اجل دراسة العصاب والعظامية والهوس، لكن هذا الكلام لا يصدر من لا مكان، بل هو مشروع للتنفيذ. اي ان ما يبدو للمراقب فكاهيا هو اشد انواع الفكاهة خطرا واجراما، لأنه لا يميز بين النكتة والمذبحة، ولا يعير التفاتا للحقيقة، لأن حقيقته مستقلة ومتعالية، ولا يراها سوي صاحب الرؤيا.

لذلك يجب ان يؤخذ كلام السيد بوش في شكل جدي. فالرجل الذي خاض حرب العراق ضد ارادة المجتمع الدولي، والذي يعتقد ان التفكك العراقي هو الطريق الي الديمقراطية! والرئيس الذي ينتمي الي تيار ديني ابوكالبسي يعتقد ان عليه الاعداد للمعركة الفاصلة في ارمجدون، هذا الرجل قادر في العامين الأخيرين من ولايته الثانية علي صنع ما لا يخطر في البال، وعلي دفع اسرائيل الي الجنون والاستمرار في وتيرة الحروب المفتوحة التي شهد العالم احد فصولها في فلسطين، وقد يكون فصلها الثاني قد بدأ في 12 تموز (يوليو) في لبنان، تمهيدا للوصول الي فصلها الثالث في ايران، الذي سيكون عين الجنون وبداية الخراب.

في المعلومات التي نشرها سيمون هيرش في مجلة نيويوركر 21/8/2006 ما يشير الي هذا الخراب. يكفي ان نقرأ كيف صنع الحمق وانتفاخ القوة الحرب الاسرائيلية ـ الامريكية علي لبنان. اي خفة واي عقل استراتيجي يعتقد ان القوة وحدها هي الوسيلة لتحقيق الاهداف السياسية، حين بطلت الحروب ان تكون بين الدول، وصارت اسرائيل اداة لقهر شعوب المنطقة في مغامرة عسكرية مفتوحة وبلا افق.

اي خفة حين يكون النموذج العسكري لحرب لبنان هو كوسوفو؟ هل نسي الاسرائيليون ان المعترض الوحيد في العالم علي حرب كوسوفو كان الجنرال شارون، الذي تماهي مع ميلوسوفيتش، ورأي في عودة اللاجئين الكوسوفار الي ديارهم شبح كابوس عودة اللاجئين الفلسطينيين الي بلادهم. هل يعقل ان يتناسي الاسرائيليون انهم صرب المنطقة؟ العقل الاستراتيجي الذي صنع حرب لبنان لا علاقة له بأي حس تاريخي، وهو مؤشر علي الدخول في جنون القوة المدمرة.

غير ان بديل الجنون، في عرف بقايا عهد المحافظين الجدد ليس العقلانية، بل المزيد من الجنون. لذا بادر السيد بوش الي تحديد الشعار، راسما ايقاع الحرب علي لبنان التي صارت بلا نهاية. فقرار وقف ما سمي بالعمليات العدائية كان محاولة لاعطاء الجيش الاسرائيلي فرصة للوصول الي نهر الليطاني، وبعد ذلك يأتي قرار وقف اطلاق النار. لكن الاسرائيليون بدل ان يصلوا الي حيث قررت قيادتهم، بدأوا بالفرار لحظة سريان مفعول القرار الدولي، مما اوصل الي فشل العملية العسكرية برمتها، وحوّل انتشار قوات اليونفيل المعززة مسألة فيها نظر، واجّل قرار وقف النار.

لكن بوش لا يعترف بالحقيقة، الرجل يعلن هزيمة المقاومة، منذرا بترك الحصار والعمليات الخاصة احتمالا دائما. كأنه يريد قناة اتصال مفتوحة بين حربه علي لبنان والحرب المقبلة، تاركا لبنان معلقا علي انتظارات الموت.

السيد بوش وبطانة المحافظين الجدد لا يمزحون، يملكون سنتين كاملتين من اجل الاستمرار في لعبة الحرب، وتخريب الشرق الأوسط، وتحويل النظام العالمي الجديد الي فوضي كونية.

لذا لا نضحك ونحن نستمع الي هلوسات الرئيس الامريكي، بل نشعر بالأسي ونحن نشفق علي امبراطورية يتلاعب بها وبالعالم مجموعة من المتعطشين الي الخراب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية