د. عبدالوهاب الافندي
في آخر مبادراتها عرضت حركة حماس وحكومتها بقيادة إسماعيل هنية القبول بدولة فلسطينية داخل حدود عام 1967، مقابل هدنة مع إسرائيل لا تشمل الاعتراف. وتستوحي حماس هنا علي ما يبدو الفقه الإسلامي التقليدي الذي يستند إلي سابقة صلح الحديبية والهدنة التي عقدها الرسول صلي الله عليه وسلم مع مشركي مكة وكانت مدتها عشر سنوات. وقد استنتج الفقهاء من ذلك جواز الهدنة مع العدو المحارب علي أن لا تتجاوز الهدنة عشر سنوات.
هناك كما لا يخفي هنا خلل كبير في هذه القراءة شبه الحرفية لسابقة صلح الحديبية، وهي قراءة تلغي المعني الحقيقي لتلك الواقعة وأسلوب التعامل الذي استنته. ذلك أن مجرد القول بأن المسلمين لن يقبلوا بصلح إلا بشرط من هذا النوع يغير من طبيعة الصلح، إذ يعلن للطرف الآخر النية المبيتة للعودة للصراع بصورة حتمية، وبغض النظر عن التزام الطرف الثاني بتعهداته. أي بمعني آخر أنت تقول للعدو إنني أقبل بالهدنة لأنني ضعيف الآن، ولكنني متي ما أصبحت من القوة بحيث أعاود الكرة فإنني سأنقض عليك. وليست المشكلة هنا هي أنه لا يوجد عدو بهذا الغباء بحيث يقبل بصفقة من هذا النوع، بل هناك مشكلة أعمق، لأن مثل هذا الموقف يتناقض مع أسس أخلاقيات الإسلام في التعامل. فالرسول الكريم عليه الصلاة السلام ما كان ليستصحب نية العدوان وهو يعقد الصلح، وإنما كان يتعامل بحسب الواقع والظروف ويأخذ مطالب الطرف الآخر في الاعتبار. وهناك بالطبع عامل آخر لا يتوفر اليوم، هو الوحي. فقد كان الرسول يتصرف هنا مستنداً علي وحي إلهي، ولهذا لم يقبل اعتراضات غالبية أصحابه علي شروط الهدنة.
هناك أيضاً بعد ثالث، وهو أن صلح الحديبية، والفقه المترتب عليه، يتعلق بموقف جماعي للأمة الإسلامية ككل، ويتحدث عما يلزم الجميع. وحماس أو غيرها من الجماعات لا يمكن أن تدعي هنا أنها تمثل الفلسطينيين كافة، ناهيك عن تمثيل الأمة الإسلامية ككل. ولهذا فإن الاعتقاد بأن أي اتفاقيات توقعها مع طرف ما يضفي مشروعية إسلامية علي مطالب هذه الطرف ليس دقيقاً. صحيح إن المسلمين يسعي بذمتهم أدناهمو، بمعني أن ما يلتزم به عضو من الجماعة (في مجال اختصاصه وصلاحياته) يلزم الكل. ولهذا فإن عقد سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل قد يلزم باقي العرب والمسلمين إذا تم باسمهم وبموافقتهم. أما إذا كان صلحاً منفرداً كما هو الحال في صلح مصر والأردن مع إسرائيل، فإنه لا يلزم إلا أصحابه المفارقين للجماعة.
إشكال حماس هنا، وهو إشكال تشاركها فيه كثير من الحركات الإسلامية المعاصرة، يتلخص في هذا التمسك المزدوج بعباءة الأمة من جهة وبالشكل دون المضمون من جهة أخري. فحماس في نهاية المطاف حركة فلسطينية حصرت نفسها طوعاً في هذا الدور، ولا تتحدث بحال باسم الأمة الإسلامية قاطبة، وما تدخل فيه من التزامات يلزمها هي ومن يشاركها ذلك الالتزام دون غيرها. من جهة أخري فإن النظرة إلي فقه التعامل الإسلامي مع الغير في الحرب والسلم من منظور السوابق الضيق، دون النظر إلي القيم العامة، وتقييم السوابق في إطارها، هذه النظرة قد تقيد الحركة بقيود هي من صنع أيديها. وقد صدق المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية حين قال إن عرض حماس بهدنة بدل الاعتراف هو فكرة سخيفة، لأنها فعلاً كذلك. فهذا فهم سخيف للإسلام وقيمه التي لا يمكن أن تتعامل مع الآخرين بمنطق من هذا النوع الذي يقول للعدو إنني مصمم علي القضاء عليك ولكن أمهلني حتي يشتد عودي! فإما أن يستمر المرء في القتال إلي أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً بدون هدنة ولا صلح، وإما أن يعقد صلحاً علي أسس مقبولة بين الطرفين، وهي أسس لا بد أن تعكس ميزان القوي القائم.
من غير المدهش في هذا المجال أن نجد أن نظرة حماس إلي الديمقراطية لا تختلف كثيراً عن نظرتها إلي صلح الحديبية، فهي تنظر فيها إلي قواعد جامدة منقطعة تماماً عن محيطها وعن الظروف التي صنعتها. فبحسب حماس (وكثيرين غيرها) إن ما تأتي به صناديق الاقتراع في الديمقراطية هو نتيجة مقدسة علي الجميع أن يركع أمامها ويحترمها، بغض النظر عن الثمن المطلوب دفعه. ويشبه هذا إلي حد كبير نظرية غلاة مؤيدي حرية السوق، القائلين لنا دوماً بان كل ما يأتي به الاقتصاد الحر هو مقدس، حتي وإن دمرت شعوب بكاملها وقطعت أرزاق الملايين. وفي واقع الأمر إنه لا في السوق الفعلية ولا في سوق السياسية المجازية توجد مطلقات. ذلك أن ما يسميه البعض حرية السوق تحرسه قيم ومحرمات (وجيوش) كثيرة. فليست هناك سوق حرة في المخدرات أو الجنس أو الأسلحة، ناهيك عن القواعد الكثيرة التي تمنع الاحتكار والتعامل من الباطن وغير ذلك. إضافة إلي ذلك فإنه لا توجد سوق حرة بدون دولة تحميها، وتقتطع الضرائب وتقوم بالإنفاق في وجوه لا علاقة بها بالسوق، مثل الجيش والسجون والمخابرات والصحة والتعليم. نفس الشيء يمكن أن يقال عن الديمقراطية التي تقوم علي توازن القوي في المجتمع أكثر مما تقوم علي قيم المساواة المدعاة. النظريات الليبرالية التي انبثقت منها الديمقراطية كانت تقوم علي فلسفات مغرقة في مثاليتها وفردانيتها، حيث ظلت تنظر إلي المجتمع باعتباره تشكيلة من أفراد مجردين من كل رابط اجتماعي، يمثل كل واحد منهم وحدة متطابقة (مستهلك، ناخب، مواطن، إلخ). ولكن هذه النظريات تعرضت في القرن ونيف الماضيين إلي نقد لا رحمة فيه من الماركسيين والتعدديين وغيرهم ممن نبهوا إلي بداهة كون المجتمع مشكل من طبقات وجماعات ضغط ومجموعات عرقية ودينية، إلخ. والديمقراطية هي التدافع بين هذه القوي، وبالتالي لا بد أن تعكس التوازن بينها. فالأقليات العرقية والدينية مثلاً لا يمكن أن يكون لها نفس النصيب من السلطة المتاح للطبقات العليا المتحكمة في المال ومواقع النفوذ والهيمنة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية. ولم تحقق تلك الأقليات وضعاً أفضل إلا بعد تغير الواقع الاقتصادي والاجتماعي (زيادة التعليم، الدور المتعاظم في الاقتصاد، الاندماج الثقافي، إلخ). الديمقراطية إذن ليست، رغم الدعاوي الكثيرة، وسيلة مثالية لإعطاء كل ذي حقه، بل هي وسيلة حضارية لحسم الصراعات بدون قتال علي أساس التفاوض والتدافع. وقوة الديمقراطية تأتي من كونها تراعي موازين القوي (بما في ذلك التوازن بين الداخل والخارج) ولا تسعي إلي القفز فوقها، وإلا لتعرضت لهزات تتمثل في الاضطرابات وإضرابات العاملين وحتي العنف والإرهاب.
فيما يتعلق بالواقع الفلسطيني فإن الحديث عن خيار ديمقراطي لشعب تحت الاحتلال يحتاج إلي كثير من إعادة النظر، ليس فقط لغلبة العامل الخارجي والاعتماد شبه الكامل عليه في الدعم المعيشي، بل أيضاً لعدم وجود حتي استقلال إسمي هنا. ذلك أنه حتي في الدول المستقلة التي تعتمد علي معونات خارجية كما هو حال دول عربية مثل الأردن ومصر، فإن انتخاب حكومة مستقلة له ثمنه الذي قد يدفع البعض إلي التمرد عليها. ويجب كذلك ألا ننسي أن الدستور الفلسطيني دستور رئاسي، وأن من انتخبوا حماس (ولم يكونوا هم بحال غالبية الفلسطينيين) كانوا قد انتخبوا أيضاً الرئيس محمود عباس أبومازن (وقد كان هذا أيضاً نتيجة لأنه لم تكن هناك أمام الناخبين خيارات كثيرة). إذن هناك تفويض مزدوج للرئاسة والحكومة مما يعني أنه حتي لو أردنا تفسير ما حدث في كانون الثاني (يناير) الماضي بأنه خيار ديمقراطي فإن الخيار لم يمنح تفويضاً مطلقاً لحكومة حماس. وأخيراً فإن هذا الخيار الديمقراطي تم ويتم في إطار اتفاقات أوسلو، وهو ما كان قد دفع بحماس إلي مقاطعة الانتخابات في الماضي لأنها فهمت بحق أن الدخول في الانتخابات هو قبول بمنظومة أوسلو والتزاماتها. ومن هنا فإن دخول حماس في العملية الانتخابية تحت مظلة أوسلو يعني أنها قبلت بتبعاتها وعلي رأسها الاعتراف بإسرائيل.
الذي نود أن نخلص إليه هنا هو أن برنامج حماس الحالي يقوم علي أوهام كثيرة وسوء فهم مزدوج للفقه الإسلامي والعملية الديمقراطية والواقع المعاصر. ففي الفقه الإسلامي سعة ومرونة كافية للتعامل مع الواقع بصيغ غير انتحارية. وفي الواقع المعاصر فإن حماس قد انتقلت من وضع مكشوف إلي وضع أسوأ. حركة حماس طرحت نفسها علي أنها حركة مقاومة مسلحة، ولكنها مقاومة ذات فاعلية عسكرية محدودة، حيث أنها لا تملك أسلحة تذكر، ولا تكاد تقوم إلا بعمليات متفرقة هنا وهناك لا تغني غناء عسكرياً. وهي فوق ذلك حركة معروفة الكوادر والمكاتب والمواقع. وهذا يكشف عن عدم جدية كبيرة في المقاومة المسلحة التي تتطلب كوادر سرية وعمليات مكثفة. وكأن هذا لم يكن كافياً فإنها بتسلمها زمام الحكم وضعت علي عاتقها القيام عن الاحتلال بمهمة تنظيم الحياة في الأراضي المحتلة وتوفير الرزق لضحايا الاحتلال. أي أنها تريد أن تحارب الاحتلال وتخدمه في نفس الوقت. وقد أضافت أخيراً إلي هذا العبء عبء التفاوض مع الاحتلال وطرح الحلول السخيفة لإنهائه.
إنه من الأفضل لحماس، إذا كانت تريد الاستمرار في خيار المقاومة، أن تنسحب تماماً من عملية أوسلو وتتفرغ لمهمة المقاومة (وأعني المقاومة الحقيقية علي سنة حزب الله، وليست مقاومة أشرطة الفيديو نصف السنوية)، وتترك تدبير معيشة الفلسطيينيين للاحتلال ومن يرضون التعاون معه. وهذا يتطلب أن تتحول إلي منظمة سرية تعمل تحت الأرض، وأن تكون لمقاومتها أهداف سياسية واقعية. وبالمثل فإنها يجب أن تترك قضية المفاوضات لجماعة أوسلو الذين يقع عليهم وحدهم عبء إخراج أنفسهم من الورطة التي أدخلوا أنفسهم وأهل فلسطين فيها. حماس لا تحتاج لأن تجتهد في مقاومة التسوية، لأنه لن تكون هناك تسوية. لتعط حماس الفرصة لعباس وفريقه المتحرق إلي التفاوض مع أولمرت حول حل الدولتين مقابل الاعتراف الذي منحه ياسر عرفات سلفاً لإسرائيل دون أن يحصل علي شيء بالمقابل، ثم لتنتظر. فإذا قبلت إسرائيل بما يطرحه أبومازن المؤمن بحق إسرائيل في الوجود إيمان حماس بالإسراء والمعراج، كان بها، وكفي الله الحماسيين القتال. وإلا فإن أبومازن سيقدم حينها طلب الانضمام إلي حركة المقاومة الإسلامية، وربما الجهاد الإسلامي. ولكن كل ما تفعله حماس الآن هو إعطاء إسرائيل العذر في عدم مواجهة استحقاقات السلام، وإعطاء عباس وفريقه العذر علي فشلهم حتي في الحصول علي مقابلة مع أولمرت تحل بها البركة، حتي وإن لم تأت بالسلام الموعود. إن ما كانت تطمح إليه إسرائيل من اتفاق أوسلو هو ما حصلته من كامب دايفيد: تمزيق الصف الفلسطيني كما مزقت الصف العربي. فإذا وقعت حرب أهلية فلسطينية الآن فإن كل طرف فيها يكون منفذاً لإرادة إسرائيل ومحارباً نيابة عنها.